قال الإِمام الرازى - رحمه الله - : " لما ذكر - سبحانه - بعض عجائب أحوال الحيوانات ، ذكر بعده بعض عجائب أحوال الناس ، ومنها ما هو مذكور فى هذه الآية : { والله خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر } - وهو إشارة إلى مراتب عمر الإِنسان . والعقلاء ضبطوها في أربع مراتب : أولها : سن النشوء والنماء ، وثانيها : سن الوقوف : وهو سن الشباب ، من ثلاث وثلاثين سنة إلى أربعين سنة - ، وثالثها : سن الانحطاط القليل : وهو سن الكهولة - وهو من الأربعين إلى الستين - ورابعها : سن الانحطاط الكبير : - وهو سن الشيخوخة - وهو من الستين إلى نهاية العمر - " .
والمعنى : { والله } - تعالى - هو الذي { خلقكم } بقدرته ، ولم تكونوا قبل ذلك شيئا مذكورا .
" ثم " هو وحده الذي { يتوفاكم } ، وينهي حياتكم من هذه الدنيا عند انقضاء آجالكم .
وقوله : { وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر . . } ، معطوف على مقدر ، أي : والله - تعالى - هو الذي خلقكم ، فمنكم من يبقى محتفظا بقوة جسده وعقله حتى يموت ، ومنكم من يرد إلى أرذل العمر . والمراد بأرذل العمر : أضعفه وأوهاه : وهو وقت الهرم والشيخوخة ، الذي تنقص فيه القوى ، وتعجز فيه الحواس عن أداء وظائفها .
يقال : رَذُلَ الشيء يَرْذُل - بضم الذال فيهما - رذالة . . إذا ذهب جيده وبقي رديئه .
وقوله : { لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً } تعليل للرد إلى أرذل العمر .
أي : فعلنا ما فعلنا من إبقاء بعض الناس في هذه الحياة إلى سن الشيخوخة لكي يصير إلى حالة شبيهة بحالة طفولته في عدم إدراك الأمور إدراكا تاما وسليما .
ويجوز أن تكون اللام للصيرورة والعاقبة ، أي : ليصير أمره بعد العلم بالأشياء ، إلى أن لا يعلم شيئا منها علما كاملا .
ولقد استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من أن يصل عمره إلى هذه السن ؛ لأنها سن تتكاثر فيها الآلام والمتاعب . وقد يصير الإِنسان فيها عالة على غيره . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : { الله الذي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَهُوَ العليم القدير } ، قال الإِمام ابن كثير : روى البخارى عند تفسير هذه الآية ، عن أنس بن مالك ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو فيقول : " اللهم إني أعوذ بك من البخل ، والكسل والهرم ، وأرذل العمر ، وعذاب القبر ، وفتنة الدجال ، وفتنة المحيا والممات " .
وقال زهير بن أبي سلمى فى معلقته المشهورة :
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش . . . ثمانين حولا لا أبا لك يسأم
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب . . . تمته ، ومن تخطئ يعمر فيهرم
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يدل على كمال علمه ، وتمام قدرته ، فقال - تعالى - : { إِنَّ الله عَلِيمٌ قَدِيرٌ } ، أي : إن الله - تعالى - عليم بأحوال مخلوقاته ، لايخفى عليه شيء من تصرفاتهم ، { قدير } على تبديل الأمور كما تقتضي حكمته وإرادته .
ويؤخذ من هذه الآية الكريمة إمكان البعث وأنه حق ؛ لأن الله - تعالى - القادر على خلق الإنسان وعلى نقله من حال إلى حال . . قادر - أيضا - على إحيائه بعد موته .
قوله تعالى : { والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا إن الله عليم قدير ( 70 ) } ، بهذه الآية القصيرة في كلماتها المؤثرة المعدودة يبين الله حال الإنسان بدءا بنشأته ، وانتهاءً بموته ورحيله إلى الدار الآخرة ، وما بين البداية والنهاية من مختلف المراحل المتطورة من حال إلى حال . فأول ذلك الاجتنان في الأرحام . ثم الرضاع في مطلع الحياة للإنسان ، ثم الفتوة والمراهقة ، ثم الشباب واكتمال القوة في الأجساد ، ثم الاكتهال والشيخوخة ، ثم الهرم والسن الطاعنة والازدلاف من الموت . وذلك كله في قوله تعالى : ( والله خلقكم ثم يتوفاكم ) ، وما بين الخلق والوفاة تتفاوت الأعمار والآجال والأقدار بين الناس ؛ فمنهم من يتوفاه الله صغيرا ، ومنهم من يتوفاه شابا ، ومنهم من يمتد به العمر إلى أخسه . وفي ذلك يقول سبحانه : ( ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ) ، أي : آخر العمر الذي تفسد فيه الحواس ، ويضعف العقل ، ويأتي عليه الخرف والخلل . وكذا البدن بمختلف أعضائه وأجزائه يصيبه الضعف والتلف والهرم مما ينذر بدنو الأجل .
قوله : ( لكي لا يعلم بعد علم شيئا ) ، اللام في ( لكي لا ) : لام التعليل ، وكي مصدرية ، وهي ناصبة للفعل بعدها . والمصدر المؤول من كي والفعل مجرور باللام ، وقيل : اللام لام كي ، وكي للتأكيد . وفي هذا نظر . وثمة وجه على أن اللام لام الصيرورة والعاقبة . و ( شيئا ) ، منصوب المصدر ( علم ) ، وقيل : منصوب بالفعل ( يعلم ) {[2566]} ؛ أي : يؤول أمره من حال العلم بالأشياء إلى أن لا يعلم شيئا . والمراد بذلك : قلة علمه وشدة نسيانه ، فإذا علم شيئا لم يلبث أن ينساه سريعا .
قوله : ( إن الله عليم قدير ) ، الله يعلم كل شيء مما يجري أو يدور في الكون من أشياء وحوادث . ومن جملة ذلك : الخلق والإماتة ، سواء في الصغر أو الشباب أو الكبر ، أو الرد إلى أخسّ العمر حيث الهرم والخرف والتلف والاهتراء ، ثم إماتة الصغير قبل الكبير ، أو العظيم قبل الحقير ، أو العالم قبل الجاهل ، أو المؤمن التقي قبل الفاسق الموغل في العصيان ؛ فكل ذلك بعلم الله وحكمته البالغة التي لا نعلم منها إلا ما علمنا إياه . وهو كذلك قدير على الخلق والتغيير والتحويل من حال إلى حال ، ومن طور إلى طور ، لا معقب لحكمه وتقديره{[2567]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.