التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ فَٱسۡلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلٗاۚ يَخۡرُجُ مِنۢ بُطُونِهَا شَرَابٞ مُّخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهُۥ فِيهِ شِفَآءٞ لِّلنَّاسِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ} (69)

وقوله : { ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثمرات فاسلكي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً . . } ، بيان للون آخر من الإِلهامات التي ألهمها الله - تعالى - إياها .

والسبل : جمع سبيل . والمراد بها : الطرق التي تسلكها النحلة في خروجها من بيتها ، وفي رجوعها إليه ، وأضاف - سبحانه - السبل إليه ؛ لأنه هو خالقها وموجدها .

وذللا : جمع ذلول ، وهو : الشيء الممهد المنقاد ، وهو حال من السبل ، أي : فاسلكي سبل ربك حال كونها ممهدة لك ، لا عسر في سلوكها عليك ، وإن كانت صعبة بالنسبة لغيرك .

قالوا : ربما أجدب عليها ما حولها ، فتنتجع الأماكن البعيدة للمرعى ، ثم تعود إلى بيوتها دون أن تضل عنها .

وقيل إن : { ذللا } ، حال من النحلة ، أي : ثم كلي من كل الثمرات ، فاسلكي سبل ربك ، حالة كونك منقادة لما يراد منك ، مطيعة لما سخرك الله له ، من أمور تدل على قدرته وحكمته - سبحانه - .

وقوله - تعالى - : { يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ } ، كلام مستأنف ، عدل به من خطاب النحلة الى خطاب الناس ، تعديدا للنعم ، وتعجيبا لكل سامع ، وتنبيها على مواطن العظات والعبر الدالة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته ، وعجيب صنعه في خلقه .

أي : يخرج من بطون النحل - بعد أكلها من كل الثمرات ، وبعد اتخاذها بيوتها - شراب هو العسل ، مختلف ألوانه ما بين أبيض وأصفر ، وغير ذلك من ألوان العسل ، على حسب اختلاف مراعيها ، ومآكلها ، وسنها ، وغير ذلك بما اقتضته حكمته - سبحانه - .

والضمير في قوله - تعالى - : { فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ } ، يعود على الشراب المستخرج من بطونها ، وهو : العسل .

أي : في العسل شفاء عظيم للناس من أمراض كثيرة تعرض لهم .

وقيل : الضمير يعود إلى القرآن الكريم ، والتقدير : فيما قصصنا عليكم في هذا القرآن الشفاء للناس .

وهذا القيل وإن كان صحيحا في ذاته ، إلا أن السياق لا يدل عليه ، لأن الآية تتحدث عما يخرج من بطون النحل ، وهو : العسل ، ولا وجه للعدول عن الظاهر ، ومخالفة المرجع الواضح .

قال الإِمام ابن كثير : والدليل على أن المراد بقوله : { فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ } ، هو : العسل ، الحديث الذي رواه البخاري ، ومسلم ، في صحيحيهما ، عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - ، " أن رجلا جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : إن أخي استطلق بطنه فقال : " اسقه عسلا " ، فذهب فسقاه عسلا ثم جاء فقال : يا رسول الله ، سقيته عسلا فما زاده إلا استطلاقا . قال : " اذهب فاسقه عسلا " . فذهب فسقاه عسلا ، ثم جاء فقال يا رسول الله ، سقيته عسلا فما زاده إلا استطلاقا . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " صدق الله ، وكذب بطن أخيك . اذهب فاسقه عسلا " ، فذهب فسقاه عسلا ، فبرئ " .

ثم ساق الإِمام ابن كثير بعد ذلك جملة من الأحاديث في هذا المعنى ، منها : ما رواه البخاري ، عن ابن عباس قال : " الشفاء في ثلاثة : فى شرطة محجم ، أو شربة عسل ، أوكية بنار ، وأنهى أمتي عن الكي " .

وروى البخاري - أيضا - عن جابر بن عبد الله قال : " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن كان في شئ من أدويتكم - أو يكون في شيء من أدويتكم - خير : ففي شرطة محجم ، أو شربة عسل ، أو لذعة بنار توافق الداء ، وما أحب أن أكتوي " .

وقال صاحب فتح البيان : وقد اختلف أهل العلم هل هذا الشفاء الذي جعله الله في العسل عام لكل داء ، أو خاص ببعض الأمراض ؟ .

فقال طائفة : هو على العموم في كل حال ولكل أحد .

وقالت طائفة أخرى : إن ذلك خاص ببعض الأمراض ، ولا يقتضى العموم في كل علة وفي كل إنسان ، وليس هذا بأول لفظ خصص في القرآن ، فالقرآن مملوء منه ، ولغة العربية يأتي فيها العام كثيرا بمعنى الخاص ، والخاص بمعنى العام .

ومما يدل على هذا ، أن العسل نكرة في سياق الإِثبات ، فلا يكون عاما باتفاق أهل اللسان . ومحققي أهل الأصول . وتنكيره إن أريد به التعظيم ، لا يدل إلا على أن فيه شفاء عظيما لمرض ، أو أمراض ، لا لكل مرض ، فإن تنكير التعظيم لا يفيد العموم .

ثم قال : قلت : وحديث البخاري : أن أخي استطلق بطنه . . أوضح دليل على ما ذهبت إليه طائفة من تعميم الشفاء ؛ لأن قوله صلى الله عليه وسلم " صدق الله " أي : أنه شفاء ، فلو كان لبعض دون بعض لم يكرر الأمر بالسقيا .

والذي نراه ، أن من الواجب علينا أن نؤمن إيمانا جازما بأن العسل المذكور فيه شفاء للناس ، كما صرح بذلك القرآن الكريم ، وكما أرشد إلى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم .

وعلينا بعد ذلك أن نفوض أمر هذا الشفاء وعموميته وخصوصيته لعلم الله - تعالى - وقدرته وحكمته ، ويكفينا يقينا في هذا المجال ، إصرار النبي صلى الله عليه وسلم على أن يقول للرجل الذي استطلق بطن أخيه أكثر من مرة ، " اذهب فاسقه عسلا " .

وقد تولى كثير من الأطباء شرح هذه الآية الكريمة شرحا علميا وافيا ، وبينوا ما اشتمل عليه عسل النحل من فوائد .

ثم ختم - سبحانه - : الآية الكريمة بقوله : { إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } .

أي : إن في ذلك الذي ذكرناه لكم من أمر النحل ؛ من إلهامها اتخاذ البيوت العجيبة ، ومن إدارتها لشئون حياتها بدقة متناهية ، ومن سلوكها الطرق التي جعلها الله مذللة في ذهابها وإيابها ، للحصول على قوام حياتها ، ومن خروج العسل من بطونها .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ فَٱسۡلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلٗاۚ يَخۡرُجُ مِنۢ بُطُونِهَا شَرَابٞ مُّخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهُۥ فِيهِ شِفَآءٞ لِّلنَّاسِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ} (69)

قوله : ( ثم كلي من كل الثمرات ) ( ثم ) ، تفيد التراخي بين اتخاذ البيوت ، والأكل الذي تدخر منه العسل . والثمرات جمع الثمرة ، وهي الشجرة{[2564]} ؛ أي : كلي مما في الأشجار من أوراق وأزهار وثمار .

قوله : ( فاسلكي سبل ربك ذللا ) ، الفاء للعطف ؛ أي : إذا أكلت فاسلكي سبل ربك ، وهي : الطرق أو المسالك في العود إلى بيوتها ، ( ذللا ) ، جمع ذلول . منصوب على الحال من السبل ؛ أي : ذللها الله وسهلها لها .

قوله : ( يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه ) ، ذلك من عجيب صنع الله ، أن صنع من الشجر والزهور والثمر في أحشاء النحل عسلا ، يخرج من ( بطونها ) ، يعني : أفواهها ، وهو قول أكثر المفسرين . وقيل : يخرج العسل من أدبارها .

وكيفما يكون الإخراج ، أو من حيثما كان ؛ فإن غاية العجب تكمن في ماهية صنع ذلك في جوف النحل ليصير عسلا ، وهو الشراب الشهي المستطاب ، وهذه الظاهرة العجيبة لا تحصل في غير النحل من الأحياء . لاجرم أن ذلك ، هو : دليل ظاهر بالغ على عظيم قدرة الله .

على أن العسل مختلف الألوان بالبياض والصفرة والحمرة والسواد ، وسبب ذلك : اختلاف طباع النحل ، واختلاف المراعي . وقيل : الأبيض تلقيه شباب النحل ، والأصفر تلقيه كهولها ، والأحمر تلقيه مسنها ، وذلك بحسب أسنان النحل .

وقيل : إن ذلك لمحض إرادة الصانع الحكيم جل جلاله .

قوله : ( فيه شفاء للناس ) ، الضمير في قوله : ( فيه ) ، يعود إلى العسل ، وهو شفاء من جملة الأشفية والأدوية النافعة ، و ( شفاء ) نكرة ، للتعظيم ؛ أي : فيه شفاء ، أي : شفاء ، أو لدلالته على مطلق الشفاء ؛ أي : فيه بعض الشفاء ، وليس كله . وليس المراد بالناس هنا العموم ؛ فإن كثيرا من الأمراض لا يدخل في دوائها العسل ، وإنما المراد بالناس الذين ينجع العسل في أمراضهم .

قوله : ( إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون ) ، فيما تبين من ذكر النحل : من حيث ثواؤه في بيوت يصنعها على أشكال مختلفة عجيبة ، ومن حيث غذاؤه من أوراق الشجر وأزهاره ، وما يعقب ذلك من صنع العسل ، هذا الشراب الذي يستشفي به كثير من الناس ، وذلك بطريقة يعلم ماهيتها الله ، والراسخون في العلم- إن ذلك كله ( لآية لقوم يتفكرون ) ، أي : دليل ظاهر وبرهان ساطع يتدبره أولوا الأبصار والنهى ، فيستيقنون أن الله حق ، وأنه على مل شيء قدير{[2565]} .


[2564]:- القاموس المحيط ص 458.
[2565]:- البحر المحيط جـ5 ص 497 وروح المعاني جـ7 ص 186، 187.