فتح الرحمن في تفسير القرآن لتعيلب - تعيلب  
{أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمۡ وَأَعۡمَىٰٓ أَبۡصَٰرَهُمۡ} (23)

{ أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم( 23 ) } .

كرهوا أن يجاهدوا ، ونقضوا عهد الله من بعد ميثاقه ، وقطعوا ما أمروا بصلته ، فقطعهم المولى عن هدايته ، وأبعدهم عن رحمته ، فصموا عن سماع الحق والخير والهدى ، وعموا عن النظر والتبصر والاعتبار ؛ أو صموا عن نداء السلامة والسلام والإسلام ، وحشرهم الله عميا يوم الجزاء ، ويشهد لهذا قول الله تبارك اسمه : { ونحشره يوم القيامة أعمى . قال رب لما حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا . قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى . وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه }{[4842]} .

وقال الراغب : الرحم رحم المرأة أي بيت منبت ولدها ووعاؤه ومنه استعير الرحم للقرابة لكونهم خارجين من رحم واحدة . ويقال للأقارب ذووا رحم كما يقال لهم أرحام ، وقد صرح ابن الأثير بأن ذا الرحم يقع على كل من يجمع بينك وبينه نسب ويطلق في الفرائض على الأقارب من جهة النساء ؛ والمذكور في كتبها : تفسيره بكل قريب ليس بذي سهم ولا عصبة ، وعدوا من ذلك أولاد الأخوات لأبوين أو لأب وعمات الآباء ، وظاهر كلام الأئمة في قوله عليه الصلاة والسلام : ( من ملك ذا رحم محرم فهو حر ) دخول الأبوين والولد في ذي الرحم لغة حيث أجمعوا على أنهم يعتقون على من ملكهم لهذا الخبر وإن اختلفوا في عتق غيرهم ، وصرح ابن حجر الهيثمي في الزواجر بأن الأولاد من الأرحام وظاهر عطف الأقربين على الوالدين في الآية يقتضي عدم دخولهما في الأقارب فلا يدخلون في الأرحام لأنهم كما قالوا : الأقارب ، وكلام فقهائنا في عدم دخول الوالدين والولد في ذلك حيث قالوا : إذا أوصى لأقاربه أو لذوي قرابته أو لأرحامه فهي للأقرب فالأقرب من كل ذي رحم محرم ولا يدخل الوالدان والولد ، وأما الجد وولد الولد فنقل أبو السعود عن العلامة قاسم عن البدائع أن الصحيح عدم دخولهما ، واختاره في الاختيار وعلله بأن القريب من يتقرب إلى غيره بواسطة غيره وتكون الجزئية بينهما منعدمة ؛ وفي شرح الحموي أن دخولهما هو الأصح . وفي متن المواهب وأدخل أي محمد الجد والحفدة وهو الظاهر عنهما ، وذكر أن مثل الجد والجدة وقد يقال : إن عدم دخول الوالدين والولد في ذلك وكذا الجد والحفدة عند من يقول بعدم دخولهم ليس لأن اللفظ لا يصدق عليهم لغة بل لأنه لا يصدق عليهم عرفا وهم اعتبروا العرف كما قال الطحاوي في أكثر مسائل الوصية . وفي جامع الفصولين أن مطلق الكلام فيما بين الناس ينصرف إلى المتعارف ، وما ذكره في المعراج من خبر : من سمى والده قريبا عقه ، لا يدل على أنه ليس قريبا لغة بل بيان حكم شرعي مبناه أن في ذلك إيذاء للوالد وحطا من قدره عرفا ، وهذا كما لو ناداه باسمه وكان يكره ذلك ؛ وأمر العطف في الآية الكريمة سهل لجواز عطف العام على الخاص كعطف الخاص على العام ، فالذي يترجح عندي أن الأرحام كما صرحوا به الأقارب بالقرابة غير السببية والمراد بهم ما يقابل الأجانب ويدخل فيهم الأصول والفروع والحواشي من قبل الأب أو من قبل الأم . وحرمة قطع كلّ لا شك فيها لأنه على ما قلنا رحم ، والآية ظاهرة في حرمة قطع الرحم .

وحكى القرطبي في تفسيره اتفاق الأمة على حرمة قطعها ووجوب صلتها ، ولا ينبغي التوقف في كون القطع كبيرة ؛ والعجب من الرافعي عليه الرحمة كيف توقف في قول صاحب الشامل : إنه من الكبائر ؛ وكذا تقرير النووي قدس سره على توقفه ؛ واختلف في المراد بالقطيعة فقال أبو زرعة : ينبغي أن تختص بالإساءة ، وقال غيره : هي ترك الإحسان ولو بدون إساءة لأن الأحاديث آمرة بالصلة ناهية عن القطيعة ولا واسطة بينهما .

والصلة : إيصال نوع من أنواع الإحسان كما فسرها بذلك غير واحد ، فالقطيعة ضدها فهي ترك الإحسان . ونظر فيه الهيثمي بناء على تفسير العقوق بأن يفعل مع أحد أبويه ما لو فعله مع أجنبي كان محرّما صغيرة ، فينتقل بالنسبة إلى أحدهما كبيرة ، وأن الأبوين أعظم من بقية الأقارب ، ثم قال : فالذي يتجه ليوافق كلامهم وفرقهم بين العقوق وقطع الرحم : أن المراد بالأول أن يفعل مع أحد الأبوين ما يتأذى به ، فإن كان التأذي ليس بالهين عرفا كان كبيرة ، وإن لم يكن محرما لو فعله مع الغير ؛ وبالثاني قطع ما ألف القريب منه من سابق الوصلة والإحسان بغير عذر شرعي ، لأن قطع ذلك يؤدي إلى إيحاش القلوب وتأذيها ، فلو فرض أن قريبه لم يصل إليه إحسان ولا إساءة قط لم يفسق بذلك لأن الأبوين إذا فرض ذلك في حقهما من غير أن يفعل معهما ما يقتضي التأذي العظيم لغناهما مثلا لم يكن كبيرة فأولى بقية الأقارب ؛ ولو فرض أن الإنسان لم يقطع عن قريبه ما ألفه منه من الإحسان لكنه فعل معه محرما صغيرة ، أو قطب في وجهه ، أو لم يقم له في ملأ ولا عبأ به لم يكن ذلك فسقا بخلافه مع أحد الأبوين لأن تأكيد حقهما اقتضى أن يتميزا على بقية الأقارب بما لا يوجد نظيره فيهم ، وعلى ضبط الثاني بما ذكرته فلا فرق بين أن يكون الإحسان الذي ألفه منه قريبه مالا أو مكاتبة أو مراسلة أو زيارة أو غير ذلك فقطع ذلك كله بعد فعله لغير عذر كبيرة ؛ وينبغي أن يراد بالعذر في المال فقد ما كان يصله به أو تجدد احتياجه إليه أن يندبه الشارع إلى تقديم غير القريب عليه لكونه أحوج أو أصلح ، فعدم الإحسان إلى القريب أو تقديم الأجنبي عليه لهذا العذر يرفع عنه ، وإن انقطع بسبب ذلك ما ألفه منه القريب ، لأنه إنما راعى أمر الشارع بتقديم الأجنبي عليه ؛ وواضح أن القريب لو ألف منه قدرا معينا من المال يعطيه إياه كل سنة مثلا فنقصه لا يفسق بذلك ، بخلاف ما لو ما قطعه من أصله لغير عذر ، وأما عذر الزيارة فينبغي ضبطه بعذر الجمعة ، لجامع أن كلا فرض عين وتركه كبيرة ، وأما عذر ترك المكاتبة والمراسلة فهو أن لا يجد من يثق به في أداء ما يرسله معه ؛ والظاهر أنه إذا ترك الزيارة التي ألفت منه في وقت مخصوص لعذر لا يلزمه قضاؤها في غير ذلك الوقت ؛ والأولاد والأعمام من الأرحام وكذا الخالة فيأتي فيهم وفيها ما تقرر من الفرق بين قطعهم وعقوق الوالدين ؛ وأما قول الزركشي : صح في الحديث أن الخالة بمنزلة الأم وأن عم الرجل صنو أبيه وقضيتهما أنهما مثل الأب والأم حتى في العقوق فبعيد جدا ويكفي مشابهتهما في أمر ما كالحضانة تثبت للخالة كما تثبت للأم وكذا المحرمية ، وكالإكرام في العم والمحرمية وغيرهما مما ذكر ، انتهى المراد منه ؛ ولو قيل : إن الصغيرة تعد كبيرة لو فعلت مع القريب لكنها دون ما لو فعلت مع أحد الأبوين لم يبعد عندي لتفاوت قبح السيئات بحسب الإضافات ، بل لا يبعد على هذا أن يكون قبح قطع الرحم متفاوتا باعتبار الشخص القاطع وباعتبار الشخص المقطوع ، ومتى سلم التفاوت فليُقَل به في العقوق ويكون عقوق الأم أقبح من عقوق الأب ، وكذا عقوق الولد الذي لا يعبأ به أقبح من عقوق الولد الذي لا يعبأ به ، ويتفرع من ذلك ما يتفرع مما لا يخفى على فقيه ؛ واستدل بالآية عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه على منع بيع أم الولد . روى الحاكم في المستدرك وصححه .

وابن المنذر بن بريدة قال : كنت جالسا عند عمر إذ سمع صائحا فسأل فقيل : جارية من قريش تُباع أمّها ، فأرسل يدعو المهاجرين والأنصار ، فلم تمض ساعة حتى امتلأت الدار والحجرة ، فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال : أما بعد فهل تعلمونه كان مما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم القطيعة : قالوا : لا . قال : فإنها قد أصبحت فيكم فاشية ثم قرأ { فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم } ثم قال : وأي قطيعة أقطع من أن تباع أم امرئ فيكم ؛ قالوا : فاصنع ما بدا لك فكتب في الآفاق أم لا تباع أمّ حُر فإنها قطيعة رحم ، وإنه لا يحل .

وهو مبني على جواز لعن العاصي المعين من جماعة لعنوا بالوصف ، وفي ذلك خلاف فالجمهور ، على أنه لا يجوز لعن المعين فاسقا كان أو ذميا حيا كان أو ميتا ولم يعلم موته على الكفر لاحتمال أن يختم له أو ختم له بالإسلام بخلاف من علم موته على الكفر كأبي جهل .

وذهب شيخ الإسلام السراج البلقيني إلى جواز لعن العاصي المعين لحديث الصحيحين : ( إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء فبات غضبان لعنتها الملائكة حتى تصبح ) وفي رواية ( إذا باتت المرأة مهاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح ) واحتمال أن يكون لعن الملائكة عليهم السلام إياها ليس بالخصوص بل بالعموم بأن يقولوا : لعن الله من باتت مهاجرة فراش زوجها بعيد . وفي الزواجر لو استدل لذلك بخبر مسلم ( أنه صلى الله عليه وآله وسلم مرّ بحمار وسم في وجهه فقال : لعن الله من فعل هذا ) لكان أظهر إذ الإشارة بهذا صريحة في لعن معين إلا أن يؤول بأن المراد الجنس وفيه ما فيه{[4843]} .


[4842]:سورة طه من الآية 134: والآيات:136،135.ومن الآية 137.
[4843]:حرصت على إيراد هذا البحث في صلة الأرحام تذكرة بعهد من عهود الله تعالى غفل عنه الكثير أو تغافلوا؛ فالله أسأل أن يجعلنا ممن يصلون ما أمر الله به أن يوصل.