فتح الرحمن في تفسير القرآن لتعيلب - تعيلب  
{قُلۡ إِنَّ ٱلۡمَوۡتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنۡهُ فَإِنَّهُۥ مُلَٰقِيكُمۡۖ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ} (8)

{ قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ( 6 ) ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين ( 7 ) قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون( 8 ) } .

ومع أن اليهود جاءهم من الله نور وضياء وهدى ورحمة . فأعرضوا وصدوا ، وعموا وصموا ، وكفروا وجحدوا ، وحسبوا بعد كل هذا الضلال والإضلال أنهم أبناء الله وأحباؤه- وكذا قال النصارى- : { وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين }{[6822]} { وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه . . }{[6823]} فأمر الله تعالى نبيه محمدا أن يطالبهم بالبرهان على صحة دعواهم ، فإن كان الأمر كما زعموا وأنهم أحب الناس إلى الله وأولاهم به فليطلبوا الموت وليسألوه ، وليضرعوا إلى ربهم أن يعجل منيتهم ليلقوه ، وليتبوؤا النعيم الذي أعد لأوليائه ، وجاء به الوعد الحق في قول مولانا الحق : { ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون . الذين آمنوا وكانوا يتقون . لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم }{[6824]} . ثم أخبر الله تعالى نبيه أن هؤلاء الزاعمين ولاية الله تعالى ، ما هم بأوليائه ، ولن يتمنوا الموت أبدا لأنهم خربوا آخرتهم واشتروا دنياهم ، فهم لا يحبون أن ينتقلوا إلى الخراب ، وهم يعرفون ما قدموه من افتراء وتغيير وتحريف وتزوير ، وتكذيبهم الداعين إلى الله وقتلهم ؛ والله محيط العلم بكل بغيهم وإفكهم ؛ ومهما فروا من الموت فإنه لا حق بهم ، ومن ورائه يصلون ما ينتظرهم من عذابهم ، وسوء مصيرهم ، وفي ذلك جاء قول الحق سبحانه : { قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت{[6825]} إن كنتم صادقين . ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين . ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون }{[6826]} ؛ والذي يعلم ما يشاهد وما يغيب يجازى على ذلك ، فمن أحسن فله الحسنى وزيادة ، ومن أساء فعلى نفسه جر العذاب البئيس ، والمآل السيء التعيس ؛ [ والباء في قوله سبحانه : { بما قدمت أيديهم } سببية متعلقة بما يدل عليه النفي ، أي : يأبون التمني بسبب ما قدمت . . . ولما كانت اليد من جوارح الإنسان مناط عامة أفعاله عبر بها تارة عن النفس ، وأخرى عن القدرة ]{[6827]} ؛ والمراد ب { الذين هادوا } اليهود : سموا بذلك منذ قال موسى عليه السلام ما بينه الكتاب الحكيم : { . . إنا هدنا إليك . . . } أي تبنا إليك ؛ مما قال طرفة :

كل شيء سوف يلقى حتفه في مقام أو على ظهر سفر

والمنايا حوله ترصده ليس ينجيه من الموت حذر

يقول الألوسي ما حاصله : واستشعر غير واحد من الآية ذم الفرار من الطاعون . كابن خزيمة حيث اعتبره من الكبائر ، وأورد حديث حسنا عن عائشة في هذا المعنى رواه أحمد ، ومنهم من قال بكراهته . . ويفهم أنه لا بأس بالخروج مع اعتقاد أن كل كائن مقدر . اه . ج 28 ص 297 .


[6822]:- سورة البقرة. الآية 111.
[6823]:سورة المائدة. من الآية 18.
[6824]:- سورة يونس. الآيات: 62، 63، 64.
[6825]:-روى الإمام أحمد بسنده عن ابن عباس قال: أبو جهل لعنه الله: إن رأيت محمدا عند الكعبة لآتينه حتى أطأ على عنقه، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو فعل لأخذته الملائكة عيانا ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار ولو خرج الذين يباهلون رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجعوا لا يجدون أهلا ولا مالا) وروى عن البخاري والترمذي والنسائي من حديث عبد الرزاق عن معمر عن عبد الكريم. نقل هذا ابن كثير في تفسير . جـ 4 ص 164.
[6826]:- سورة البقرة. الآيات 94، 95، 96.
[6827]:- ما بين العارضتين أورده الألوسي.