فتح الرحمن في تفسير القرآن لتعيلب - تعيلب  
{مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ ثُمَّ لَمۡ يَحۡمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلۡحِمَارِ يَحۡمِلُ أَسۡفَارَۢاۚ بِئۡسَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (5)

{ مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين ( 5 ) }

{ مثل } حال وصفة عجيبة ، وقول حكيم يشبه مضربه بمورده .

{ حملوا التوراة } كلفوا العمل بها .

{ لم يحملوها } لم يعملوا بها .

{ أسفارا } جمع سفر وهو الكتاب الكبير .

عجيب هو أمر اليهود ، جاءهم من ربهم الهدى ، وأنزل كتاب منير وضياء وذكر على رسول الله إليهم موسى- كليم المولى سبحانه- وكلفوا العمل بما في هذا الكتاب ، وضمنوا رعاية تكاليفه ، وإنفاذ أحكامه ، فما رعوا الحمالة ، ولا قاموا بحق الضمان والكفالة ، وتركوا العمل بما استحفظوا عليه ، بل سارعوا إلى تحريف الكلم عن مواضعه ، وأضافوا إليها ما ليس منها { . . يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا . . . }{[6817]} { وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون }{[6818]} ؛ وأخفوا منها مالا يوافق هواهم ، ولا يرضى شهواتهم ؛ ثم غلبت عليهم الشقوة ، وتمادوا في الغواية حتى جحدوا أن تكون قد جاءت كتب من السماء من قبل أو من بعد : { . . قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء . . {[6819]} } فأكذبهم الله تعالى ، وأخبر بسوء فعالهم ، فقال عز وجل : { قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا . . . }{[6820]} بئس صنيعهم ، وساء حالهم ومثالهم ومآلهم ؛ والله لا يهدي الزائغين ، بل يضل – بعدله- الباغين ؛ وأي بغي وتجاوز للحد أشد من تجاوز حدود الله ، واختلاق الكذب عليه -جل وعلا- ؟ ! [ وفي هذا تنبيه من الله تعالى لمن حمل الكتاب أن يتعلم معانيه ويعلم ما فيه ؛ لئلا يلحقه من الذم ما لحق هؤلاء ؛ وقال الشاعر :

زوامل للأسفار لا علم عندهم بجيدها إلا كعلم الأباعر

لعمرك ما يدري البعير إذا غدا بأوساقه أو راح ما في الغرائر .

. . . شبههم – والتوراة في أيديهم وهم لا يعملون بها- بالحمار يحمل كتب وليس له إلا ثقل الحمل من غير فائدة ؛ و { يحمل } في موضع نصب على الحال . . ]{[6821]} .


[6817]:- سورة البقرة. من الآية 79.
[6818]:- سورة آل عمران. الآية 78.
[6819]:- سورة الأنعام. من الآية 91.
[6820]:سورة الأنعام. من الآية 91.
[6821]:- ما بين العارضتين مما أورد القرطبي.