{ ويوم نحشرهم جميعا } نجمعهم جميعا الكفار وآلهتهم { ثم نقول للذين أشركوا مكانكم } قفوا والزموا مكانكم { أنتم وشركاؤكم فزيلنا } فرقنا وميزنا { بينهم } بين المشركين وبين شركائهم وانقطع ما كان بينهم من التواصل في الدنيا { وقال شركاؤهم } وهي الأوثان { ما كنتم إيانا تعبدون } أنكروا عبادتهم وقالوا ما كنا نشعر بأنكم إيانا تعبدون والله ينطقها بهذا
ولما بين سبحانه مآل الفريقين ، نبه على بعض مقدمات ذلك المانعة أن يشفع أحد من غير إذنه بقوله : { ويوم } أي و{[37859]} فرقنا بينهم لأنه لا أنساب هناك ولا أسباب فلا تناصر يوم { نحشرهم } أي الفريقين : الناجين والهالكين العابدين منهم والمعبودين حال كونهم { جميعاً } ثم يقطع{[37860]} ما بين المشركين وشركائهم فلا يشفع فيهم{[37861]} شيء مما يعتقدون شفاعته ولا ينفعهم بنافعة ، بل يظهرون الخصومة ويبارزون{[37862]} بالعداوة وهو ناظر إلى قوله تعالى{ إنه يبدأ الخلق ثم يعيده }[ يونس : 4 ] وإلى قوله{ ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم }[ يونس : 18 ] والحشر : الجمع بكره{[37863]} من كل جانب إلى موقف واحد ؛وأشار سبحانه إلى طول وقوفهم بقوله : { ثم نقول للذين أشركوا } أي بنا{[37864]} من لم يشارك في خلقهم ؛وقوله : { مكانكم } نقل أبو حيان{[37865]} عن النحويين أنهم جعلوه اسماً لأثبتوا ، ورد على الزمخشري تقديره بألزموا لأنه متعد{[37866]} ويجب أن يساوي بين الاسم والمسمى في التعدي واللزوم ، أي نقول لهم : قفوا وقوف الذل { أنتم وشركآؤكم } حتى ينفذ فيكم أمرنا إظهارا لضعف معبوداتهم التي كانوا يترجونها وتحسيراً لهم ، فلا يمكنهم{[37867]} مخالفة ذلك .
ولما كان التقدير : فوقفوا موافقة للأمر على حسب الإرادة ، عطف عليه مسبباً عنه قوله : { فزيلنا } أي أزلنا إزالة كثيرة{[37868]} مفرقة ما كان { بينهم } في الدنيا من الوصلة والألفة حتى صارت عداوة ونفرة فقال الكفار : ربنا هؤلاء الذين أضلونا ، وكنا ندعو من دونك { وقال شركاؤهم } لهم متبرئين منهم بما خلق لهم سبحانه من النطق { ما كنتم } أي أيها المشركون ، وأضاف الشركاء إليهم لأنهم هم الذين نصبوهم بغير أمر ولا دليل ولأنهم جعلوا لهم نصيباً من أموالهم { إيانا تعبدون } أي تخصوننا بالعبادة لأنا لا نستحق ذلك إشارة إلى أنه لا يعبد {[37869]}إلاّ من يستحق الإخلاص في ذلك بأن يعبد{[37870]} وحده من غير شريك ، ومن لا يستحق ذلك لا يستحق مطلق العبادة ولا يصلح لها ، وكل عبادة فيها شرك لا تعد أصلاً ولا يرضى بها جماد لو نطق ، فمتى{[37871]} نفي المقيد بالخلوص نفي المطلق لأنه لا اعتداد به أصلاً ، ومن المعلوم أن ما كان بهذه الصفة لا يقدم عليه أحد ، فنحن نظن أنه لم يعبدنا عابد فضلاً عن أن يخصنا بذلك ، والشخص يجوز له أن ينفي ما {[37872]}يظن نفيه{[37873]} ونحن لم نعلم شيئاً من ذلك .
قوله تعالى : { ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم وقال شركاءهم ما كنتم إيانا تعبدون 28 فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلون 29 هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون } { نحشرهم } أي نجمعهم ، من الحشو وهو الجمع { جميعا } حال ؛ أي يحشر الله جميع أهل الأرض من جن وإنس ومؤمن وكافر ، أو بر وفاجر . فكلهم مجموعون لهذا الميقات الموعود من يوم القيامة في أرض المحشر . وحينئذ يقول الله للمشركين الذين اتخذوا مع الله آلهة أخرى فعبدوهم { مكانكم أنتم وشركاءكم } { مكانكم } اسم فعل أمر بمعنى الزموا واثبتوا مكانكم . و { انتم } ، توكيد للمضمر في { مكانكم } و { وشركاؤكم } معطوف عليه كقوله : { اسكن أنت وزوجك الجنة } {[1972]} والمراد بالشركاء هنا كل معبود للمشركين كيفما كان . سواء كان الأصنام أو الشياطين أو الملائكة أو عزيرا أو المسيح ابن مريم . قوله : { فزيلنا بينهم } { فزيلنا } ، أي فرقنا ، ومنه { تزيلوا } أي تباينوا وتفرقوا . وزيله ، فرقه . والمزايلة : المفارقة . والتنزيل ، معناه التباين{[1973]} والمعنى : فرقنا وقطعنا ما كان بين المشركين وما كانوا يعبدون من الشركاء . أو قطعنا ما كان بين الفريقين من التوصل ، وباعدنا بينهم بعد ما كان بينهم من الجمع في الموقف في الدنيا .
قوله : { وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون } ينطلق الله شركاءهم من الأصنام أو ما كانوا يعبدون ليقولوا لهم موبخين مبكتين موئسين : ما كنا نشعر بأنكم تعبدوننا ، وما أمرناكم بعبادتنا ؛ أي أن الشركاء سواء كانوا من الأوثان أو الشياطين أو غيرهم قد أنكروا عبادة المشركين إياهم وتبرءوا منهم ، كقوله : { سيكفرون بعبادتهم ويكونوا عليهم ضدا } وذلك لما ادعوا على الشياطين الذين أطاعوهم أو الأصنام التي عبدوها أنهم هم الذين أمروهم بعبادتهم ، فردوا مقالتهم ، بأنا ما أمرناكم بذلك ، وما كنا مشعر بعبادتكم هذه ؛ ولكنكم كنتم تعبدوننا من حيث لا ندري بكم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.