ثم كان كأنه قيل : فقال لهم ذلك فلم يأتوا لقومهم بشبهة توجب شكاً فضلاً عن مصدق ، لأنه معجز لكونه كلاماً في أعلى طبقات البلاغة بحسن النظام والجزالة منزلاً من عند الله المحيط علماً وقدرة ، فهو مشتمل من كل معنى على ما علا كل العلو عن مدان { بل } . وأحسن من ذلك أنه لما أقام الدليل على أن القرآن كلامه ، وكان الدليل إنما من شأنه أن يقام على من عرض له غلط أو شبهة ، وكان قولهم { افتراه } لا عن شبهة وإنما هو مجرد عناد ، نبه سبحانه على ذلك وعلى أنه إنما أقام الدليل لإظهار عنادهم لا لأن عندهم شبهة في كونه حقاً بالإضراب عن قولهم فقال : { بل } أي لم يقولوا { افتراه } عن اعتقاد منهم لذلك بل { كذبوا } أي أوقعوا التكذيب الذي لاتكذيب أشنع منه مسرعين{[37993]} في ذلك من غير أن يتفهموه مستهينين { بما لم يحيطوا بعلمه } أي في نظمه أو معناه من غير شبهة أصلاً بل عناداً وطغياناً ونفوراً مما يخالف دينهم وشراداً ، فهو من باب " من جهل شيئاً عاداه " والإحاطة : إرادة{[37994]} ما هو كالحائط حول الشيء ، فإحاطة العلم بالشيء العلم به من جميع وجوهه .
ولما كان لا بد من وقوع تأويله ، وهو إتيان ما فيه من الإخبار بالمغيبات على ما هي عليه ، قال : { ولما يأتهم } أي إلى زمن تكذيبهم { تأويله } أي ترجيعنا لأخباره إلى مراجعها وغاياتها حتى يعلموا أصدق هي أم كذب ، فإنه معجز من جهة نظمه ومن جهة صدقه في أخباره ؛ والتأويل : المعنى الذي يؤول إليه التفسير ، وهو منتهى التصريح من التضمين .
ولما كان كأنه قيل : إن فعلهم هذا لعجب ، فما حملهم على التمادي فيه ؟ فقيل : تبعوا في ذلك من قبلهم لموافقتهم في سوء الطبع ، قال مهدداً لهم ومسلياً له صلى الله عليه وسلم : { كذلك } أي مثل تكذيبهم هذا التكذيب العظيم في الشناعة قبل تدبير المعجز { كذب الذين } ولما كان المكذبون بعض السالفين ، أثبت الجار فقال : { من قبلهم } أي من كفار الأمم الخالية فظلموا فأهلكناهم بظلمهم ؛ ولما كان التكذيب خطراً لما يثير من السرور ، سبب عنه - تحذيراً منه - النظر في عاقبة أمره{[37995]} فقال : { فانظر } أي بعينك ديارهم وبقلبك أخبارهم .
ولما كان من نظر هذا النظر وجد فيه أجل معتبر وأعلى مزدجر ، وجه السؤال إليه بقوله : { كيف كان عاقبة } أي آخر أمر { الظالمين* } أي الذين رسخت أقدامهم في وضع الأشياء في غير مواضعها حتى كذبوا من لا يجوز عليه الكذب بوجه ، ومن المقطوع به أن هذا المسؤول يقول من غير تلعثم ولا تردد : عاقبة وخيمة قاصمة ذميمة ؛ والعاقبة سبب تؤدي إليه البادئة ، فالذي أدى إلى هلاكهم بعذاب الاستئصال ما تقدم من ظلمهم لأنفسهم وعتوهم في كفرهم .
قوله تعالى : { بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتيهم تأويله كذالك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين } { بل } ، حرف إضراب ؛ فقد أضرب عن الكلام الأول وانتقل إلى بيان مسارعتهم في تكذيب القرآن قبل أن يعوه ويتدبروه ويدركوا حقائقه وأحكامه ومعانيه ؛ أي أنهم كذبوا بالقرآن وهم يجهلون تفسيره ومعانيه .
قوله : { ولما يأتيهم تأويله } معطوف على قوله : { لم يحيطوا بعلمه } أو أن هذه الجملة في محل نصب على الحال ؛ أي كذبوا بالقرآن حال كونهم لم يعرفوا عاقبة تكذيبهم من نزول العذاب بهم . وعلى هذا فمعنى { ولما يأتيهم تأوليه } أي لم يأتيهم بعدما يؤول إليه ذلك الوعيد من الله الذي توعدهم به في هذا القرآن .
قوله : { كذالك كذب الذين من قبلهم } الكاف صفة لمصدر محذوف . تقديره : مثل ذلك التكذيب كذب الذين من قبلهم من الأمم السابقة . لقد كذبوا بوعيد الله لهم على تكذيبهم وجحودهم وتمردهم { فانظر كيف كان عاقبة الظالمين } أي انظر ما حل بهم من سوء العواقب ؛ إذ أهلك الله بعضهم بالرجفة ، وبعضهم بالخسف ، وبعضهم بالغرق ، وبعضهم بالمسخ ، وبعضهم بالتدمير والإمطار بالحجارة . والمقصود تخويفهم وتحذيرهم من أن يحل بهم من عذاب الدنيا وخزيها ما حل بأولئك السابقين في الكرف والعصيان{[1985]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.