الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ ثُمَّ يَتَوَفَّىٰكُمۡۚ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَيۡ لَا يَعۡلَمَ بَعۡدَ عِلۡمٖ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٞ قَدِيرٞ} (70)

{ والله خلقكم } ، ولم تكونوا شيئا ، { ثم يتوفاكم } عند انقضاء آجالكم ، { ومنكم من يرد إلى أرذل العمر } ، وهو أردؤه ، يعني : الهرم . { لكيلا يعلم من بعد علم شيئا } ، يصير كالصبي الذي لا عقل له ، قالوا : وهذا لا يكون للمؤمنين ؛ لأن المؤمن لا ينزع عن علمه وإن كبر ، { إن الله عليم } بما يصنع ، { قدير } على ما يريد .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ ثُمَّ يَتَوَفَّىٰكُمۡۚ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَيۡ لَا يَعۡلَمَ بَعۡدَ عِلۡمٖ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٞ قَدِيرٞ} (70)

ولما أيقظهم من رقدتهم ، ونبههم على عظيم غفلتهم من عموم القدرة وشمول العلم ، المقتضي للفعل بالاختيار ، المحقق للبعث وغيره ، من كل ما يريده سبحانه ببعض آياته المبثوثة في الآفاق من جماد ثم حيوان ، وختم ذلك بما هو شفاء ، ثنى ببعض ما في أنفسهم من الأدلة على ذلك ، مذكراً بمراتب عمر الإنسان الأربع ، وهي سن الطفولية والنمو ، ثم سن الشباب : الذي يكون عند انتهائه الوقوف ، ثم سن الكهولة : وفيه يكون الانحطاط مع بقاء القوة ، ثم سن الانحطاط مع ظهور الضعف ، وهو : الشيخوخة ، مضمناً ما لا يغني عنه دواء ، حثاً على التفكر في آياته والتعقل لها قبل حلول ذلك الحادث ، فيفوت الفوت ، ويندموا حيث لا ينفع الندم ، فقال : { والله } أي : المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ، { خلقكم } ، فجعلكم بعد العدم أحياء فهّماً خصّماً ، { ثم يتوفاكم } ، على اختلاف الأسنان ، فلا يقدر الصغير على أن يؤخر ، ولا الكبير على أن يقدم ، فمنكم من يموت حال قوته ، { ومنكم من يرد } ، أي : بأيسر أمر منا ، لا يقدر على مخالفته بوجه ، { إلى أرذل العمر } ؛ لأنه يهرم فيصير إلى مثل حال الطفولية في الضعف مع استقذار غيره له ، ولا يرجى بعده { لكي لا يعلم } .

ولما كان مقصود السورة الدلالة على تمام القدرة ، وشمول العلم ، والتنزه عن كل شائبة نقص ، وكان السياق هنا لذلك أيضاً بدليل ختم الآية ، نزع الخافض للدلالة على استغراق الجهل لزمن ما بعد العلم ، فيتصل بالموت ، ولا ينفع فيه دواء ، ولا تجدي معه حيلة فقال : { بعد علم شيئاً } ، لا يوجد في شيء من ذلك عند إحلاله شفاء ، ولا يمنعه دواء : فبادروا إلى التفكر والاعتبار قبل حلول أحد هذين ، ثم علل ذلك بقوله تعالى : { إن الله } ، أي : الذي له الإحاطة الكاملة ، { عليم قدير * } ، أي : بالغ العلم شامل القدرة ، فمهما أراد كان ، ومهما أراد غيره ولم يرده هو ، أحاط به علمه ، فسبب له بقدرته ما يمنعه .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ ثُمَّ يَتَوَفَّىٰكُمۡۚ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَيۡ لَا يَعۡلَمَ بَعۡدَ عِلۡمٖ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٞ قَدِيرٞ} (70)

قوله تعالى : { والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا إن الله عليم قدير ( 70 ) } ، بهذه الآية القصيرة في كلماتها المؤثرة المعدودة يبين الله حال الإنسان بدءا بنشأته ، وانتهاءً بموته ورحيله إلى الدار الآخرة ، وما بين البداية والنهاية من مختلف المراحل المتطورة من حال إلى حال . فأول ذلك الاجتنان في الأرحام . ثم الرضاع في مطلع الحياة للإنسان ، ثم الفتوة والمراهقة ، ثم الشباب واكتمال القوة في الأجساد ، ثم الاكتهال والشيخوخة ، ثم الهرم والسن الطاعنة والازدلاف من الموت . وذلك كله في قوله تعالى : ( والله خلقكم ثم يتوفاكم ) ، وما بين الخلق والوفاة تتفاوت الأعمار والآجال والأقدار بين الناس ؛ فمنهم من يتوفاه الله صغيرا ، ومنهم من يتوفاه شابا ، ومنهم من يمتد به العمر إلى أخسه . وفي ذلك يقول سبحانه : ( ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ) ، أي : آخر العمر الذي تفسد فيه الحواس ، ويضعف العقل ، ويأتي عليه الخرف والخلل . وكذا البدن بمختلف أعضائه وأجزائه يصيبه الضعف والتلف والهرم مما ينذر بدنو الأجل .

قوله : ( لكي لا يعلم بعد علم شيئا ) ، اللام في ( لكي لا ) : لام التعليل ، وكي مصدرية ، وهي ناصبة للفعل بعدها . والمصدر المؤول من كي والفعل مجرور باللام ، وقيل : اللام لام كي ، وكي للتأكيد . وفي هذا نظر . وثمة وجه على أن اللام لام الصيرورة والعاقبة . و ( شيئا ) ، منصوب المصدر ( علم ) ، وقيل : منصوب بالفعل ( يعلم ) {[2566]} ؛ أي : يؤول أمره من حال العلم بالأشياء إلى أن لا يعلم شيئا . والمراد بذلك : قلة علمه وشدة نسيانه ، فإذا علم شيئا لم يلبث أن ينساه سريعا .

قوله : ( إن الله عليم قدير ) ، الله يعلم كل شيء مما يجري أو يدور في الكون من أشياء وحوادث . ومن جملة ذلك : الخلق والإماتة ، سواء في الصغر أو الشباب أو الكبر ، أو الرد إلى أخسّ العمر حيث الهرم والخرف والتلف والاهتراء ، ثم إماتة الصغير قبل الكبير ، أو العظيم قبل الحقير ، أو العالم قبل الجاهل ، أو المؤمن التقي قبل الفاسق الموغل في العصيان ؛ فكل ذلك بعلم الله وحكمته البالغة التي لا نعلم منها إلا ما علمنا إياه . وهو كذلك قدير على الخلق والتغيير والتحويل من حال إلى حال ، ومن طور إلى طور ، لا معقب لحكمه وتقديره{[2567]} .


[2566]:- الدر المصون جـ7 ص 263
[2567]:- روح المعاني جـ7 ص 187، 188 والبحر المحيط جـ5 ص 498 وتفسير النسفي جـ2 ص 293.