{ ولن ترضى عنك اليهود } الآية نزلت في تحويل القبلة وذلك أن اليهود والنصارى كانوا يرجون أن محمدا ص يرجع إلى دينهم فلما صرف الله تعالى القبلة إلى الكعبة شق عليهم وأيسوا منه أن يوافقهم على دينهم فأنزل الله تعالى { ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم } يعني دينهم وتصلي إلى قبلتهم { قل إن هدى الله هو الهدى } أي الصراط الذي دعا إليه وهدى إليه هو طريق الحق { ولئن اتبعت أهواءهم } يعني ما كانوا يدعونه إليه من المهادنة والإمهال { بعد الذي جاءك من العلم } أي البيان بأن دين الله عز وجل هو الإسلام وأنهم على الضلالة { ما لك من الله من ولي ولا نصير } .
ولما جرت العادة بأن المبشر يسرّ بالبشير{[4729]} أخبر تعالى أن أهل الكتاب في قسم المنذرين فهم لا يزالون عليه غضاباً فقال عطفاً على ما اقتضاه ما قبله : { ولن ترضى } من الرضى وهو إقرار ما ظهر عن{[4730]} إرادة - قاله الحرالي : { عنك اليهود ولا النصارى } لشيء من الأشياء { حتى تتبع ملتهم } أي حتى تكون بشيراً لهم ، ولن تكون بشيراً لهم حتى توافقهم فيما أحدثوه من أهوائهم بأن تتبع{[4731]} كتابهم على ما بدلوا فيه وحرفوا وأخفوا{[4732]} على ما أفهمته إضافة الملة إليهم لا إلى صاحبها المعصوم وهو إبراهيم عليه السلام{[4733]} ، ويكون ذلك برغبة{[4734]} منك{[4735]} تامة على ما أفهمته صيغة الافتعال وتترك{[4736]} كتابك الناسخ لفروع كتابهم ، والملة قال الحرالي : الأخذ والعمل بما في العقل هدايته من إعلام المحسوسات . ولما قيل ذلك اقتضى الحال سؤالاً وهو : فما{[4737]} أقول ؟ فقال :
{ قل } {[4738]}ولم يقيده{[4739]} بلهم إعراضاً عنهم{[4740]} { إن هدى الله } {[4741]}الذي هو جميع ما أنزل{[4742]} {[4743]}الجامع لصفات الكمال{[4744]} على رسله من كتابي وكتابكم { هو } {[4745]}أي خاصة{[4746]} { الهدى } {[4747]}أي كله{[4748]} مشيراً بأداة التعريف إلى كمال معناه ، {[4749]}وبالحصر إلى{[4750]} أن غيره هو الهوى ؛ وأضافه إلى الاسم الأعظم وأكده{[4751]} بأن وأعاده بلفظه وعبر عنه بالمصدر واستعمل فيه ضمير الفصل رداً لإنكارهم له ، فإن اتبعوه كله فآمنوا بأن كتابهم داع إلى كتابك فبشرهم ، وإن لم يتبعوه فالزم إنذارهم ، وفي الآية إشارة إلى ذلك الكتاب لا ريب فيه .
ثم عطف على ما أفهمه السياق من نحو : فلئن زغت{[4752]} عنه لتتركن{[4753]} الهدى كله {[4754]}باتباع الهوى{[4755]} ، قوله : { {[4756]}ولئن{[4757]} اتبعت أهواءهم }{[4758]} الداعية لهم{[4759]} إلى تغيير كتابهم . قال الحرالي : فأظهر إفصاحاً{[4760]} ما أفهمته إضافة الملة إليهم من حيث كانت وضعاً بالهوى لا هداية نور عقل كما هي في حق الحنيفيين - انتهى . ولما كان الكلام هنا في أمر الملة التي هي ظاهرة للعقل أسقط من وأتى بالذي بخلاف ما يأتي{[4761]} في{[4762]} القبلة{[4763]} فقال : { بعد الذي } قال الحرالي : أشارت{[4764]} كلمة { الذي } إلى معنى قريب من الظاهر المحسوس كأنه عَلَم ظاهر ، ففيه إنباء بأن أدنى ما جاءه{[4765]} من العلم مظهر لإبطال ما هم عليه في وجوه تلبيسهم وأهوائهم { جاءك من العلم } بأنهم على ضلال وأنك{[4766]} على جميع الهدى . وخاطبهم بذلك صلى الله عليه وسلم والمراد والله أعلم من اتبع أهواءهم بعد الإسلام من المنافقين تمسكاً بولايتهم طمعاً في نصرتهم ولذا{[4767]} ختم بقوله : { ما لك من الله } {[4768]}الذي له الأمر كله ولا كفوء له{[4769]} ، وأكد النفي بالجار فقال : { من ولي ولا نصير{[4770]} } .
قوله تعالى : { ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون } .
ذلك إعلان من الله مسبق للنبي والمسلمين يفيد أن اليهود والنصارى سوف لا يرضون عن هذه الملة الإسلام ولا أهلها . وسوف لا تُجدي معهم كل أسباب الحوار والإقناع والمنطق ، ولا تؤثر في طبائعهم ونفوسهم الكزة كل البراهين والحجج . وليس هناك إلا سبيل واحدة يرضون عنها وهي أن يتبع النبي والمسلمون من بعده ملة الشرك التي عليها اليهود والنصارى ، أما غير هذه السبيل من سبل المناقشة والمحاجة والبرهان فهو أمر ميئوس منه ، وهو إنما يفضي بهم إلى مزيد من المكابرة والعناد والانتكاس . فإن أولئك فريق من البشر المتعصب الذي انكمشت فيه ظواهر اللين والخير ، وغارت فيه معاني اللين والتواضع والاستحياء ، وما باتت فيه عز النفوس التي مزقها الحسد والحقد ، وألبسها التعصب أغشية صفاقا من سوء الطبع ورغبة مستديمة في الكيد والتآمر على الإسلام وأهله .
وقوله : { ملتهم } يستفاد منه أن ملة الكفر واحدة ، وذلك الذي عليه كثير من العلماء والمفسرين . والملة هي الدين ، وقيل الشريعة{[125]} .
وبعد التيئيس من إرضاء اليهود والنصارى واستحالة موادتهم للنبي والمسلمين إلا باتباع ملة الارتكاس والتولي عن ملة الإسلام ، فإنه بعد ذلك يأمر الله نبيه عليه السلام ليقرر في حسم قاطع ومكشوف بأن ( هدى الله هو الهدى ) فإن الهدى الصحيح الذي يقوم على الحق والاستقامة والرشاد لهو هدى لله . وهو سبيله العدل وصراطه المستقيم الذي لا زيغ فيه ولا عوج والذي تجتمع فيه كل عناصر الخير والصلوح . وليس غير هدى الله إلا السبل المعوجة التي أفرزتها أهواء البشر ورغبائهم الشاذة الضالة .
قوله : { ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير } وذلك تهديد من الله يخوف به عباده ، عسى أن يكون في ذلك ما يردعهم عن اتباع أهواء أهل الكتاب بعد أن عرفوا وجه الحقيقة والصواب بنزول القرآن . وليعلم المسلمون بعد ذلك أنهم إذا انحرفوا عن دين الله ، وحادوا عن سبيله التي لا تعرف العوج وغرتهم الأماني الواهمة ، فاتبعوا أهل الكتاب ، ومضوا على أثرهم يقلدونهم في كل مناحي الحياة أو جلها ، بعد أن نزل القرآن عليهم فلا جرم أن يكونوا خاسرين . فقد خسروا دنياهم ؛ لتجردهم من أصالة الانتماء إلى شريعة الله والانسلاخ من ملة التوحيد الخالص . وهم بخسارتهم هذه باتوا فاسقين مما سيخ . وكذلك قد خسروا الدار الآخرة ، فما لهم من الله حينئذ من عاصم ينصرهم ويدفع عنهم هول العذاب وبطش الإله المنتقم الجبار .