ولما كان كأنه قيل : ما هذا المقصوص من هذا النبأ ؟ قال : { إن فرعون } ملك مصر الذي ادعى الإلهية { علا } أي بادعائه الإلهية وتجبره على عباد الله وقهره لهم { في الأرض } أي لأنا جمعنا عليه الجنود فكانوا معه إلباً واحداً فأنفذنا بذلك كلمته ، وهي وأن كان المراد بها أرض مصر ففي إطلاقها ما يدل على تعظيمها وأنها كجميع الأرض في اشتمالها على ما قل أن يشتمل عليه غيرها .
ولما كان التقدير بما دل عليه العاطف : فكفر تلك النعمة ، عطف عليه قوله : { وجعل } بما جعلنا له من نفوذ الكلمة { أهلها } أي الأرض المرادة { شيعاً } أي فرقاً يتبع كل فرقة شيئاً وتنصره ، والكل تحت قهره وطوع أمره ، قد صاروا معه كالشياع ، وهو دق الحطب ، فرق بينهم لئلا يتمالؤوا عليه ، فلا يصل إلى ما يريده منهم ، فافترقت كلمتهم فلم يحم بعضهم لبعض فتخاذلوا فسفل أمرهم ، فالآية من الاحتباك ، ذكر العلو أولاً دليلاً على السفول ثانياً ، والافتراق ثانياً دليلاً على الاجتماع أولاً ، جعلهم كذلك حال كونه { يستضعف } أي يطلب ويوجد أن يضعف ، أو هو استئناف { طائفة منهم } وهم بنو إسرائيل الذين كانت حياة جميع أهل مصر على يدي واحد منهم ، وهو يوسف عليه السلام .
وفعل معهم من الخير ما لم يفعله والد مع ولده ، ومع ذلك كافؤوه في أولاده وإخوته بأن استعبدوهم ، ثم ما كفاهم ذلك حتى ساموهم على يدي هذا العنيد سوء العذاب فيا بأبي الغرباء بينهم قديماً وحديثاً ، ثم بين سبحانه الاستضعاف بقوله : { يذبح } أي تذبيحاً كثيراً { أبناءهم } أي عند الولادة ، وكل بذلك أناساً ينظرون كلما ولدت امرأة ذكراً ذبحوه خوفاً على ملكه زعم من مولود منهم { ويستحيي نساءهم } أي يريد حياة الإناث فلا يذبحهن .
ولما كان هذا أمراً متناهياً في الشناعة ، ليس مأموراً به من جهة شرع ما ، ولا له فائدة أصلاً ، لأن القدر - على تقدير صدق من أخبره - لا يرده الحذر ، قال تعالى مبيناً لقبحه ، شارحاً لما أفهمه ذلك من حاله : { إنه كان } أي كوناً راسخاً { من المفسدين* } أي الذين لهم عراقة في هذا الوصف ، فلا يدع أن يقع منه هذا الجزئي المندرج تحت ما هو قائم به من الأمر الكلي .
قوله : { إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا } { أَهْلَهَا } ، و { شِيَعًا } منصوبان ، لأنهما مفعولان للفعل جعل ، وهو بمعنى صيّر{[3472]} وذلك بيان لحقيقة فرعون ، هذا الأثيم الشقي المتجبر ، الذي طغى وبغى وتجبّر في أرض مصر ، والذي ظلم واستكبر وقهر شعبه قهرا حتى أقروا له بالربوبية ؛ فعبدوه من دون الله . والشيع ، جمع شيعة : وهي كل قوم أمرهم واحد ، يتبع بعضهم رأي بعض فهم شيع . {[3473]} والمراد بالشيع هنا ؛ الفرق المتفرقة من الناس ؛ أي جعل فرعون أهل مصر فرقا يخدمونه ويطيعونه فيما يريد ، ولا يملك أحد منهم أن يخالفه . وقيل : جعلهم فرقا مختلفة قد أغرى بينهم العداوة ليكونوا أطوع له ، ولئلا يتحدوا ويتفقوا عليه .
قوله : { يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ } المراد بهذه الطائفة بنو إسرائيل ، فقد كان فرعون بطغيانه وظلمه يقتل المواليد الذكور من بني إسرائيل ويستبقي إناثهم . وفي سبب ذبح الأبناء وجوه وأقوال ذكرها كثير من أهل العلم . ونحسب أن معظم هذه الوجوه والأقوال لا ترقى إلى القبول وقناعة العقول .
ولعل الأولى بالتصديق ما ذكره ، أن الأنبياء الذين كانوا قبل موسى قد بشّروا بمجيئه . وقد سمع فرعون ذلك ؛ فمن أجل هذا أخذ يذبّح أبناء بني إسرائيل دون نسائهم .
قوله : { إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ } لقد كان فرعون من الذين يفسدون في الأرض وذلك بما جناه من الفظائع وكبريات الخطايا ، كدعوى الألوهية وتقتيل الأبرياء ظلما وعدوانا ، وجعل الناس فرقا وأحزابا وطوائف ليثير فيهم العداوات والمباغضات .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.