الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{إِنَّ فِرۡعَوۡنَ عَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَجَعَلَ أَهۡلَهَا شِيَعٗا يَسۡتَضۡعِفُ طَآئِفَةٗ مِّنۡهُمۡ يُذَبِّحُ أَبۡنَآءَهُمۡ وَيَسۡتَحۡيِۦ نِسَآءَهُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ} (4)

{ إن فرعون علا } استكبر وتعظم { في الأرض } أرض مصر { وجعل أهلها شيعا } فرقا تتبع بعض تلك الفرق بعضا في خدمته { يستضعف طائفة منهم } وهم إسرائيل

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِنَّ فِرۡعَوۡنَ عَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَجَعَلَ أَهۡلَهَا شِيَعٗا يَسۡتَضۡعِفُ طَآئِفَةٗ مِّنۡهُمۡ يُذَبِّحُ أَبۡنَآءَهُمۡ وَيَسۡتَحۡيِۦ نِسَآءَهُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ} (4)

ولما كان كأنه قيل : ما هذا المقصوص من هذا النبأ ؟ قال : { إن فرعون } ملك مصر الذي ادعى الإلهية { علا } أي بادعائه الإلهية وتجبره على عباد الله وقهره لهم { في الأرض } أي لأنا جمعنا عليه الجنود فكانوا معه إلباً واحداً فأنفذنا بذلك كلمته ، وهي وأن كان المراد بها أرض مصر ففي إطلاقها ما يدل على تعظيمها وأنها كجميع الأرض في اشتمالها على ما قل أن يشتمل عليه غيرها .

ولما كان التقدير بما دل عليه العاطف : فكفر تلك النعمة ، عطف عليه قوله : { وجعل } بما جعلنا له من نفوذ الكلمة { أهلها } أي الأرض المرادة { شيعاً } أي فرقاً يتبع كل فرقة شيئاً وتنصره ، والكل تحت قهره وطوع أمره ، قد صاروا معه كالشياع ، وهو دق الحطب ، فرق بينهم لئلا يتمالؤوا عليه ، فلا يصل إلى ما يريده منهم ، فافترقت كلمتهم فلم يحم بعضهم لبعض فتخاذلوا فسفل أمرهم ، فالآية من الاحتباك ، ذكر العلو أولاً دليلاً على السفول ثانياً ، والافتراق ثانياً دليلاً على الاجتماع أولاً ، جعلهم كذلك حال كونه { يستضعف } أي يطلب ويوجد أن يضعف ، أو هو استئناف { طائفة منهم } وهم بنو إسرائيل الذين كانت حياة جميع أهل مصر على يدي واحد منهم ، وهو يوسف عليه السلام .

وفعل معهم من الخير ما لم يفعله والد مع ولده ، ومع ذلك كافؤوه في أولاده وإخوته بأن استعبدوهم ، ثم ما كفاهم ذلك حتى ساموهم على يدي هذا العنيد سوء العذاب فيا بأبي الغرباء بينهم قديماً وحديثاً ، ثم بين سبحانه الاستضعاف بقوله : { يذبح } أي تذبيحاً كثيراً { أبناءهم } أي عند الولادة ، وكل بذلك أناساً ينظرون كلما ولدت امرأة ذكراً ذبحوه خوفاً على ملكه زعم من مولود منهم { ويستحيي نساءهم } أي يريد حياة الإناث فلا يذبحهن .

ولما كان هذا أمراً متناهياً في الشناعة ، ليس مأموراً به من جهة شرع ما ، ولا له فائدة أصلاً ، لأن القدر - على تقدير صدق من أخبره - لا يرده الحذر ، قال تعالى مبيناً لقبحه ، شارحاً لما أفهمه ذلك من حاله : { إنه كان } أي كوناً راسخاً { من المفسدين* } أي الذين لهم عراقة في هذا الوصف ، فلا يدع أن يقع منه هذا الجزئي المندرج تحت ما هو قائم به من الأمر الكلي .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِنَّ فِرۡعَوۡنَ عَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَجَعَلَ أَهۡلَهَا شِيَعٗا يَسۡتَضۡعِفُ طَآئِفَةٗ مِّنۡهُمۡ يُذَبِّحُ أَبۡنَآءَهُمۡ وَيَسۡتَحۡيِۦ نِسَآءَهُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ} (4)

قوله : { إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا } { أَهْلَهَا } ، و { شِيَعًا } منصوبان ، لأنهما مفعولان للفعل جعل ، وهو بمعنى صيّر{[3472]} وذلك بيان لحقيقة فرعون ، هذا الأثيم الشقي المتجبر ، الذي طغى وبغى وتجبّر في أرض مصر ، والذي ظلم واستكبر وقهر شعبه قهرا حتى أقروا له بالربوبية ؛ فعبدوه من دون الله . والشيع ، جمع شيعة : وهي كل قوم أمرهم واحد ، يتبع بعضهم رأي بعض فهم شيع . {[3473]} والمراد بالشيع هنا ؛ الفرق المتفرقة من الناس ؛ أي جعل فرعون أهل مصر فرقا يخدمونه ويطيعونه فيما يريد ، ولا يملك أحد منهم أن يخالفه . وقيل : جعلهم فرقا مختلفة قد أغرى بينهم العداوة ليكونوا أطوع له ، ولئلا يتحدوا ويتفقوا عليه .

قوله : { يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ } المراد بهذه الطائفة بنو إسرائيل ، فقد كان فرعون بطغيانه وظلمه يقتل المواليد الذكور من بني إسرائيل ويستبقي إناثهم . وفي سبب ذبح الأبناء وجوه وأقوال ذكرها كثير من أهل العلم . ونحسب أن معظم هذه الوجوه والأقوال لا ترقى إلى القبول وقناعة العقول .

ولعل الأولى بالتصديق ما ذكره ، أن الأنبياء الذين كانوا قبل موسى قد بشّروا بمجيئه . وقد سمع فرعون ذلك ؛ فمن أجل هذا أخذ يذبّح أبناء بني إسرائيل دون نسائهم .

قوله : { إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ } لقد كان فرعون من الذين يفسدون في الأرض وذلك بما جناه من الفظائع وكبريات الخطايا ، كدعوى الألوهية وتقتيل الأبرياء ظلما وعدوانا ، وجعل الناس فرقا وأحزابا وطوائف ليثير فيهم العداوات والمباغضات .


[3472]:البان لابن الأنباري جـ 2 ص 229.
[3473]:مختار الصحاح ص 353.