ولما كانت هذه البشارة - الصادقة{[27022]} من العزيز العليم الذي أهل الكتاب أعرف الناس به لمن آمن كائناً من كان - موجبة{[27023]} للدخول في الإيمان والتعجب ممن لم يسارع إليه ، وكان أكثر أهل الكتاب إنما يسارعون في الكفر ، كان الحال مقتضياً لتذكر ما مضى من قوله تعالى
{ ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم{[27024]} اثني عشر نقيباً }[ المائدة : 12 ] وزيادة العجب منهم مع ذلك ، فأعاد سبحانه الإخبار به مؤكداً له تحقيقاً لأمره وتفخيماً لشأنه ، وساقه على وجه يرد دعوى البنوة والمحبة ، ملتفتاً مع التذكير بأول قصصهم{[27025]} في هذه السورة إلى أول السورة
{ أوفوا بالعقود }[ المائدة : 1 ] وعبر في موضع الجلالة بنون العظمة ، وجعل بدل النقباء الرسل فقال مستأنفاً : { لقد أخذنا } أي على ما لنا من العظمة { ميثاق بني إسرائيل } أي على الإيمان بالله ثم بمن يأتي بالمعجز مصدقاً لما عنده{[27026]} بحيث يقوم الدليل على أنه من رسل{[27027]} الله الذين تقدم أخذ العهد عليهم بالإيمان بهم{[27028]} ، ودل على عظمة الرسل بقوله في مظهر العظمة : { وأرسلنا إليهم رسلاً } أي لم نكتف{[27029]} بهذا العهد ، بل{[27030]} لم نخلهم من بعد موسى من الرسل الذين يرونهم الآيات ويجددون لهم أوامر الرب إلى زمن عيسى عليه السلام ، روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه - البخاري في بني إسرائيل{[27031]} ومسلم في المغازي - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " كانت بنو إسرائيل تسوسهم{[27032]} الأنبياء ، كلما هلك نبي خلفه نبي ، وإنه لا نبي بعدي ، وسيكون خلفاء فيكثرون ، قالوا : فما تأمرنا ؟{[27033]} قال : فوا{[27034]} ببيعة الأول فالأول وأعطوهم حقهم ، فإن الله سائلهم عما استرعاهم " انتهى . ومع ذلك فلم يخل لهم زمان طويل من الكفر لا{[27035]} في زمن موسى ولا في زمن من بعده من الأنبياء عليهم السلام ، حتى قتلوا كثيراً من الرسل{[27036]} وهو معنى قوله{[27037]} - جواباً لمن كأنه قال : ما فعلوا بالرسل : { كلما جاءهم رسول } أي من أولئك الرسل أي رسول كان { بما لا تهوى أنفسهم } أي بشيء لا تحبه نفوسهم محبة تتساقط بها إليه ، خالفوه ، فكأنه قيل : أي مخالفة ؟ فقيل : { فريقاً } أي من الرسل { كذبوا } أي كذبهم بنو إسرائيل من غير قتل ، ودل على شدة بشاعة القتل وعظيم شناعته بالتعبير بالمضارع تصويراً للحال الماضية وتنبيهاً على أن هذا ديدنهم وهو أشد من التكذيب فقال : { وفريقاً يقتلون * } أي مع التكذيب وليدل على ما وقع منهم{[27038]} في سم{[27039]} النبي صلى الله عليه وسلم ، وقدم المفعول للدلالة على انحصار أمرهم في حال التكذيب والقتل ، فلا حظ لهم في تصديق مخالف{[27040]} لأهويتهم
قوله تعالى : { لقد أخذنا ميثاق بني إسرءيل وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون ( 70 ) وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم والله بصير بما يعملون } الميثاق معناه العهد . فقد أخذ على بني إسرائيل أنبياؤهم العهد أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وأن يعملوا بالأحكام والشرائع المكتوبة في التوراة دون إنقاص أو زيادة أو تحريف . وأرسل إليهم رسلا كثيرين منهم مبالغة في تذكرهم وتنبيههم وتحذيرهم من مخالفاتهم ونكولهم عن شرائع الله فضلا عن تلاعبهم فيها بالتغيير والتبديل والتحريف . لكنهم مع ذلك كله ظلوا سادرين في غيهم وطغيانهم ، ضالعين في التمرد على أحكام الله ، موغلين في إتيان المنكرات وكبائر المعاصي . فكان من أعتى العتو في ذلك قتلهم الأنبياء ظلما وعدوانا . لا جرم أن هذه جريمة بالغة نكراء يذهل من فداحتها العقل والجنان ، وتتزلزل من هولها الأرض والسماء ! وإلى ذلك يشير الباري في قوله { وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفرقا يقتلون } أي كلما أتاهم رسول مبعوث من عند الله هاديا لهم ومذكرا ومحذرا وداعيا لهم أن يأخذوا بأحكام الله وأن لا يخالفوها ، فرأوا أنه مخالف لهواهم ، مضاد لشهواتهم كذبوه أو قتلوه تبعا لهواهم ولما يروق لأمزجتهم وطبائعهم الغريبة . فمن الذين كذبوهم ولم يقتلوهم عيسى ابن مريم وغيره . وممن قتلوهم زكريا ويحيى وغيرهما من النبيين . وليس من سبب للتكذيب أو القتل إلا أن ما دعاهم إليه لا يوافق هواهم . فالمعيار والمسبار لدى بني إسرائيل في عامة القضايا ، ما فتىء حتى الساعة هو الهوى . فما وافق هواهم رضوا به وأخذوه ، وما خالف هواهم رفضوه وجانبوه في غلظة وأعلنوا عليه النكير والنفير .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.