ولما قدم التنبيه بإتيان مطلق العذاب في مطلق الأحوال ، وكان الإتيان بالكاف ثَمَّ مشيراً مع إفادة التأكيد إلى أن ثَمَّ نوع مهلة ، وأتبعه أن أخذ الأمم كان بغتة ، أعقبه التنبيه بعذاب خاص تصورُ شناعته يهذأ{[29643]} الأركان ويقطع الكبود ويملأ الجنان ، فإنه لا أشنع حالاً من أصم أعمى مجنون ، فقال مشيراً - بإسقاط كاف الخطاب مع التعبير بالأخذ الذي عهد أنه للبغت بالسطوة والقهر - إلى غاية التحذير من سرعة أيّ{[29644]} الأخذ{[29645]} : { قل أرءيتم } فكانت حقيقة المقترن بالكاف : هل رأيتم أنفسكم ، وهذا هل رأيتم مطلق رؤية ، لما تقدمت الإشارة إليه من الإيماء إلى طلب الإسراع بالجواب خوف المفاجأة بالعذاب وإن كان المراد في الموضعين : أخبروني { إن أخذ الله } أي القادر على كل شيء العالم بكل شيء { سمعكم } وأفرده{[29646]} لقلة المفاوتة{[29647]} فيه ، لأنه{[29648]} أعظم الطرق لإدراك القلب الذي لا أعظم من المفاوتة فيه حتى للإنسان الواحد بالنسبة إلى الأحوال المختلفة ، ليكون ذلك أدل على الفعل بالاختيار { وأبصاركم } أي فأصمكم وأعماكم عمى وصمماً ظاهرين وباطنين بسلب المنفعة { وختم على قلوبكم } فجعلها لا تعي أصلاً أو لا ينتفع بالوعي { من إله } أي معبود بحق ، لأن له{[29649]} إحاطة العلم والقدرة ؛ ثم وصف هذا الخبر بقوله : { غير الله } أي الذي له جميع العظمة { يأتيكم به } أي بذلك الذي هو أشرف معاني أشرف أعضائكم ، أو بشيء منه .
ولما بلغت هذه الآيات - من الإبلاغ في البيان في{[29650]} وحدانيته وبطلان كل معبود سواه - أعلى المقامات ، نبه على أنه{[29651]} على ذلك ، بالأمر بالنظر فيها وفي حالهم بعدها ، دالاً على{[29652]} ما تقدم{[29653]} من أن المقترحات لا تنفع{[29654]} من أراد سبحانه شقاوته فقال : { انظر كيف نصرف } أي{[29655]} بما لنا من العظمة { الآيات } أي نوحيها لهم ولغيرهم في كل وجه من وجوه البيان بالغ من الإحسان ما يأخذ بالعقول ويدهش الألباب ، ويكون كافياً في الإيصال إلى المطلوب ؛ ولما كان الإعراض عن مثل هذا في غاية البعد ، عبر بأداة التراخي فقال : { ثم هم } أي بعد هذا البيان بصميم{[29656]} ضمائرهم { يصدفون * } أي يعرضون إعراضاً لازماً لهم لزوم الصفة{[29657]} .
قوله تعالى : { قل أرءيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به انظر كيف نصرف الأيت ثم هم يصدفون ( 46 ) قل أرءيتكم إن أتكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظلمون ( 47 ) وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن ءامن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ( 48 ) والذين كذبوا بئايتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون } .
قوله : { قل أرءيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصركم } أفرد السمع ، لأنه مصدر يدل على الجمع . والأبصار جمع ومفرده بصر . والمعنى ، قل يا محمد لهؤلاء المشركين الضالين : أرأيتم أيها المشركون إن أصمكم الله فذهب سمعكم ، وكذلك ذهب بأبصاركم فأصبحتم عميانا ، وختم على قلوبكم أي طبع عليها حتى لا تعوا قولا ولا تفهموا حجة ، فمن غير الله بعد ذلك يرد عليكم ما ذهب الله به منكم من الأسماع والأبصار والأفهام . والمراد أن الذين تعبدونهم من دون الله من الأنداد والشركاء لا يملكون لكم ضرا ولا نفعا ، وإنما الله وحده يستحق العبادة عليكم ، فهو القابض الباسط القادر على كل شيء .
قوله : { انظر كيف نصرف الأيت ثم هم يصدفون } يخاطب الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن ينظر كيف يصرف لهؤلاء المشركين الآيات ، أي كيف يضرب لهم الأمثال والعبر المتتابعة ، وهي ما بين تنبيه وتذكير وتنذير وترغيب وترهيب . وغير ذلك من الأدلة والحجج ليؤمنوا ويتعظوا فيثوبوا إلى ربهم . لكنهم مع ذلك كله { يصدفون } أي يعرضون . صدف عنه يصدف ، أي أعرض عنه . وصدف صدوفا وصدفا ، انصرف ومال{[1166]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.