ولما ذكر سبحانه بعض هذا الملكوت الأرضي والسماوي ، أتبعه - كما مضى في أول السورة - الخلق المفرد الجامع لجميع الملكوت ، وهو الإنسان ، دالاً على كمال القدرة على كل ما يريد ، مبطلاً بمفاوتة أول الإبداع وآخر الآجال ما اعتقدوا في النور والظلمة والشمس والقمر وغيرهما ، لأن واحداً{[30583]} منها لا اختيار له في شيء يصدر{[30584]} عنه ، بل هو مسخر ومقهور كما هو محسوس ومشهور ، فقال : { وهو } أي لا غيره { الذي أنشأكم } أي وأنتم في غاية التفاوت في الطول والقد واللون والشكل وغير ذلك من الأعراض التي دبرها سبحانه على ما اقتضته حكمته { من نفس واحدة } ثم اقتطع منها زوجها ثم فرّعكم منهما .
ولما كان أغلب الناس في الحياة الدنيا{[30585]} يعمل عمل من لا يحول ولا يزول ، لا يكون على شرف الزوال ما دامت{[30586]} فيه بقية من{[30587]} حياة ، قال{[30588]} : { فمستقر * } أي فسبب عن ذلك أنه منكم مستقر على الأرض - هذا على قراءة ابن كثير وابن عمروبكسر القاف اسم فاعل ، والمعنى في قراءة الباقين{[30589]} بفتحه اسم مكان
{ ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين{[30590]} }[ البقرة : 26 ] .
ولما كان من في البرزخ قد كشف عنهم{[30591]} الغطاء فهم موقنون بالساعة غير{[30592]} عاملين على ضد ذلك ، وكذا من في الصلب والرحم ، عبر بما{[30593]} يدل على عدم الاستقرار فقال : { ومستودع } أي في الأصلاب أو الأرحام أو في بطن الأرض ، فدلت المفاوتة من كل منهما - مع أن الكل من نفس واحدة - على القادر المختار{[30594]} ، لا يقدر غيره أن{[30595]} يعكس شيئاً من ذلك ، وكل ذلك مضمون الآيتين في أول السورة ، وقدم الإصباح والليل ومتعلقهما لتقدمهما في الخلق ، ثم تلاه بخلق الإنسان على حسب ما مرّ أول السورة ، وذكر هنا أنه جعل ذلك الطين نفساً واحدة فرّع الإنس كلهم منها مع تفاوتهم فيما{[30596]} هناك وفي غيره .
ولما ذكر هذا المفرد{[30597]} الجامع ، وفصّله على هذه الوجوه المعجبة ، كان محلاً لتوقع التنبيه عليه فقال : { قد فصلنا } أي بعظمتنا { الآيات } أي أكثرنا بيانها في هذا المفرد{[30598]} الجامع في أطوار الخلقة وأدوار الصنعة{[30599]} ، تارة بأن يكون من التراب بشر ، وأخرى بأن يخرج الأنثى من الذكر ، وتارة بأن يفرّع من الذكر والأنثى ما لا يحيط به العد{[30600]} ولا يجمعه الخبر من النطفة إلى الولادة إلى الكبر .
ولما كان إنشاء الناس من نفس واحدة وتصريفهم على تلك الوجوه المختلفة جداً ألطف وأدق صنعة{[30601]} ، فكان ذلك محتاجاً{[30602]} إلى تدبر واستعمال فطنة وتدقيق نظر{[30603]} ، قال : { لقوم يفقهون * } أي لهم أهلية الفقه والفطنة .
قوله تعالى : { وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا الأيات لقوم يفقهون ( 98 ) وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ذلكم لأيات لقوم يؤمنون } .
قوله : { وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة } يعني بدأ خلقكم من نفس واحدة وهو آدم عليه السلام .
قوله : { فمستقر ومستودع } مرفوعان بالابتداء . وخبرهما محذوف ، وتقديره : فمنكم مستقر ومنكم مستودع{[1230]} . وفي تأويل ذلك خلاف بين العلماء . فقد قيل : منكم مستقر في الأرحام ومنكم مستودع في القبور حتى البعث يوم القيامة . وقيل : مستقر في بطون النساء وبطون الأرض أو على ظهورها . ومستودع في أصلاب الآباء . وقيل : المستقر في الدنيا ، والمستودع في الآخرة . وقيل غير ذلك .
قوله : { قد فصلنا الأيات لقوم يفقهون } أي بينا الآيات في تفصيل خلق البشر كهذه الآية ، لقوم يتدبرون مواضع العبر . فإنهم بمعاينتهم حقيقة الخلق وتدبرهم صنع الله سيوقنون أن ذلك من فعل الله القادر الذي ليس له في ملكوته وسلطانه شريك .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.