الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ ٱلۡجِنَّ وَخَلَقَهُمۡۖ وَخَرَقُواْ لَهُۥ بَنِينَ وَبَنَٰتِۭ بِغَيۡرِ عِلۡمٖۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ} (100)

{ وجعلوا لله شركاء الجن } أطاعوا الشياطين في عبادة الأوثان فجعلوهم شركاء لله { وخرقوا له بنين وبنات } افتعلوا ذلك كذبا وكفرا يعني الذين قالوا الملائكة بنات الله واليهود والنصارى حين دعوا لله ولدا { بغير علم } لم يذكروه عن علم إنما ذكروه تكذبا

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ ٱلۡجِنَّ وَخَلَقَهُمۡۖ وَخَرَقُواْ لَهُۥ بَنِينَ وَبَنَٰتِۭ بِغَيۡرِ عِلۡمٖۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ} (100)

ولما كان المشركون على أصناف : منهم عبدة أصنام ، شركوا في{[30658]} العبودية لا في الخلق ، ومنهم آزر الذي حاجه إبراهيم عليه السلام{[30659]} ومنهم عبدة الكواكب وهم فريقان : منهم من قال : هي{[30660]} واجبة الوجود ، ومنهم من قال : ممكنة ، خلقها الله وفوض إليها تدبير هذا العالم الأسفل ، وهم الذين حاجهم الخليل عليه السلام بالأفول ، ومنهم من قال : لهذا العالم كله إلهان : فاعل خير ، وفاعل شر ، وقالوا : إن الله وإبليس أخوان ، فالله خالق الناس{[30661]} والدواب والأنعام{[30662]} ، وإبليس خالق السباع والحيات والعقارب والشرور ، ويلقبون الزنادقة وهم المجوس ، لأن الكتاب الذي زعم زردشت{[30663]} أنه نزل من عند الله سمي بالزند{[30664]} ، فالمنسوب إليه زندي{[30665]} ، ثم عرب فقيل{[30666]} : زنديق ، وكان هذا كله في{[30667]} قوله { فالق الإصباح } شرحاً لآية { إن الله فالق الحب والنوى{[30668]} } دلالة على تمام القدرة الدالة{[30669]} على الوحدانية للدلالة على البعث ؛ حسن كل الحسن{[30670]} العود إلى تقبيح حال المشركين{[30671]} بالتعجيب منهم في جملة حالية من الضمير في { فالق } أو{[30672]} غيره مما تقدم ، فقال تعالى شارحاً أمر هذا الصنف ، لأن أمر غيرهم تقدم ؛ وقال ابن عباس رضي الله عنهما : إن هذه الآية نزلت{[30673]} في الزنادقة : { {[30674]} وجعلوا{[30675]} } أي هو سبحانه فعل هذا الذي لا يدع لبساً في تمام علمه وقدرته وكمال حكمته ووحدانيته والحال أن الذي فعل ذلك لأجلهم قد جعلوا وعبر بالاسم الأعظم وقدمه استعظاماً لأن يعدل به شيئاً { لله } أي الذي له جميع الأمر .

ولما كان الشرك في غاية الفظاعة والشناعة ، قدمه فقال : { شركاء } يعني وما كان ينبغي أن يكون له شريك مطلقاً ، لأن الصفة إذا ذكرت مجردة غير مجراة على شيء كان ما يتعلق بها من النفي عاماً في كل ما يجوز أن يكون له الصفة ، وحكم الإنكار حكم النفي . ولما اهتز السامع من هذا التقديم لزيادة المعنى من غير زيادة اللفظ ، تشوف إلى معرفة النوع الذي كان منه الشركاء{[30676]} فبينهم{[30677]} بقوله : { الجن } أي الذين هم أجرأ{[30678]} الموجودات عليهم وأعداهم{[30679]} لهم ، فأطاعوهم كما{[30680]} يطاع الإله{[30681]} فكان عبادة لهم وتشريكاً ، وقد رأيت ما للبيان بعد الانتهاء مما يحسن للناظرين{[30682]} { وخلقهم }{[30683]} أي والحال أنهم قد علموا أن الله خلقهم{[30684]} أي قدرهم بعلم وتدبير ، فلذلك كان خلقه لهم محكماً{[30685]} { وخرقوا } أي العابدون { له بنين } أي كعزير والمسيح { وبنات } أي من الملائكة ، فجمعوا لذلك جهالات هي غاية في الضلالات : وصف الملائكة بالأنوثة والاجتراء{[30686]} على مقام الربوبية بالحاجة ، تخصيصه بعد ذلك بما لا يرضونه لأنفسهم بوجه ؛ ومادة خرق تدور على النفوذ والاتساع والإطلاق والتقدير بغير علم ولا معرفة ليحدث عنه الفساد ، ولذلك قيل لمن لا يحسن العمل : خرق ؛ وللمرأة : خرقاء{[30687]} ، يعني أنهم كذبوا واختلفوا واتسعوا في هذا القول الكذب ، {[30688]} وأبعدوا{[30689]} به في هذه{[30690]} المجاوزة عن حقيقته ، اتساع من سار في خرق أي برية واسعة بهماء وسوفة جوفاء{[30691]} متباعدة الأرجاء إلى حيث لم يسبقه إليه بشر ، فضل عن الجادة ضلالاً لا ترجى معه هدايته إلا على بعد شديد ، فصار جديراً بالهلاك ، وإلى ذلك يرجع معنى ما قرئ في الشاذ : وحرفوا - بالمهملة والفاء .

ولما لم يكن لقولهم أصلاً حقيقة ولا شبهة{[30692]} ، وكان الخرق التقدير بغير علم{[30693]} ، دل على ذلك مصرحاً بما أفهمه محققاً له{[30694]} تنبيهاً على الدليل القطعي في اجتياح{[30695]} قولهم من أصله{[30696]} ، وذلك أنه قول لا حجة له ، ومسائل أصول الدين لا يصار إلى شيء منها إلا بقاطع{[30697]} ، وذلك بنكرة في سياق النفي فقال : { بغير علم } ثم نزه نفسه المقدسة تنبيهاً على ما يجب قوله على كل من سمع ذلك ، فقال : { سبحانه } أي أسبحه سبحاناً يليق بجلاله{[30698]} أن يضاف إليه ؛ ولما كان معنى التسبيح الإبعاد عن النقص ، وكان المقام يقتضي كونه في العلو{[30699]} ، صرح به فقال : { وتعالى } أي تباعد أمر علوه إلى حد لا حد له ولا انتهاء { عما يصفون * } .


[30658]:من ظ، وفي الأصل: من.
[30659]:زيد من ظ.
[30660]:سقط من ظ.
[30661]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[30662]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[30663]:من ظ والبدء والتاريخ 3/7، وفي الأصل: رادشت- كذا.
[30664]:في ظ: بالزيد.
[30665]:في ظ: زيدي.
[30666]:في ظ: فالمنسوب إليه- كذا.
[30667]:من ظ، وفي الأصل: من.
[30668]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[30669]:من ظ، وفي الأصل: الدال.
[30670]:تكرر ما بين الرقمين في الأصل.
[30671]:تكرر ما بين الرقمين في الأصل.
[30672]:في ظ "و".
[30673]:زيد من روح المعاني 2/541.
[30674]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[30675]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[30676]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[30677]:من ظ، وفي الأصل: ثم بينهم.
[30678]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[30679]:في ظ: أعدهم.
[30680]:في ظ: يطيعوا الآلهة.
[30681]:في ظ: يطيعوا الآلهة.
[30682]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[30683]:تكرر ما بين الرقمين من ظ.
[30684]:تكرر ما بين الرقمين من ظ.
[30685]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[30686]:من ظ، وفي الأصل: الاختيارات.
[30687]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[30688]:في ظ: فابعدوا.
[30689]:في ظ: فابعدوا.
[30690]:سقط من ظ.
[30691]:سقط من ظ.
[30692]:من ظ، وفي الأصل: شهد- كذا.
[30693]:زيد من ظ.
[30694]:زيد من ظ.
[30695]:في الأصل و ظ: احتياج.
[30696]:في ظ: أضله
[30697]:من ظ، وفي الأصل: بقطع.
[30698]:في ظ: بحاله.
[30699]:في ظ: العلوم.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ ٱلۡجِنَّ وَخَلَقَهُمۡۖ وَخَرَقُواْ لَهُۥ بَنِينَ وَبَنَٰتِۭ بِغَيۡرِ عِلۡمٖۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ} (100)

قوله تعالى : { وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون ( 100 ) بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم ( 101 ) ذلكم الله ربكم لا إله إلا هوخلق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل ( 102 ) لا تدركه الأبصر وهو يدرك الأبصر وهو اللطيف الخبير } شركاء مفعول به أول منصوب . والجن مفعول له ثان للفعل جعلوا{[1235]} كقوله : { وجعلكم ملوكا } والتقدير : وجعلوا لله الجن شركاء .

قوله : { وخلقهم } أي خلق المشركين الذين جعلوا الجن شركاء لله . وقيل : خلق الجن الشركاء أنفسهم . ومعنى إشراكهم بالجن أنهم أذعنوا لهم بالطاعة كإذعانهم لله . والمراد بهم هنا الشياطين الذين أطاعهم المشركون كما يطاع الله سبحانه أو عبدوا الأوثان لما حرضهم الشياطين على ذلك وسولوه لهم . وقيل : المراد بالجن هنا : الملائكة . إذ قالت العرب : إنهم بنات الله فعبدوهم . وقد سموا جنا على سبيل المجاز . وذلك لاجتنانهم واستتارهم عن الأعين كالجن .

قوله : { وخرقوا له بنين وبنات بغير علم } خرقوا أي كذبوا . وهو من التخريق ومعناه كثرة الكذب . والتخرق : خلق الكذب أو التخلق من الكذب . اخترق الكذب أي اختلقه{[1236]} .

وتأويل الآية أن المشركين السفهاء كذبوا على الله بجعلهم له بنين وبنات وبيان ذلك أن العرب جعلوا له بنات ، إذ قالوا : الملائكة بنات الله وقالت اليهود : عزيز ابن الله . وقالت النصارى المسيح ابن الله . وكل ذلك تخريق وتخريص وافتراء فاضح ونكر مشين . والله تعالى منزه عما وصفه به هؤلاء الخراصون من خلقه له شركاء من الجن وتخريقهم له البنين والبنات . تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا . وإن ما وصفوه إن هو إلا من شأن البشر حيث التناكح والشهوات والنسب والصهرية . والله جل في علاه منزه عن مثل هاتيك الصفات المختصة بالبشر حيث الضعف والإحساس باللذة والهجوم على المنافع الدنيوية والركون للشهوات .


[1235]:- البيان لابن الأنباري ج 1 ص 333.
[1236]:- القاموس المحيط ج 3 ص 234.