{ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم } أخرج الله تعالى ذريه آدم بعضهم من ظهور بعض على نحو ما يتوالد الأبناء من الأباء وجميع ذلك أخرجه من صلب آدم مثل الذر وأخذ عليهم الميثاق أنه خالقهم وأنهم مصنوعون فاعترفوا بذلك وقبلوا ذلك بعد أن ركب فيهم عقولا وذلك قوله { وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم } أي قال ألست بربكم { قالوا بلى } فأقروا له بالربوبية فقالت الملائكة عند ذلك { شهدنا } أي على إقراركم { إن } لا { تقولوا } لئلا تقولوا أي لئلا يقول الكفار { يوم القيامة إنا كنا عن هذا } الميثاق { غافلين } لم نحفظه ولم نذكره ويذكرون الميثاق ذلك اليوم فلا يمكنهم الانكار مع شهادة الملائكة وهذه الآية تذكير لجميع المكلفين ذلك الميثاق لأنها وردت على لسان صاحب المعجزة فقامت في النفوس مقام ما هو على ذكر منها
ولما ذكر أنه ألزمهم أحكام الكتاب على هذه الهيئة القاهرة الملجئة القاسرة التي هي من أعظم المواثيق عند أهل الأخذ وأنه أكد عليهم المواثيق في كثير من فصول الكتاب ، وكان ذلك كله خاصاً بهم ؛ أمره أن يذكر لهم أنه ركب لهم في عموم هذا النوع الآدمي من العقول ونصب من الأدلة الموضحة للأمر إيضاح المشهود للشاهد ما لو عذب تاركه والمتهاون به لكان تعذيبه جارياً على المناهج ملائماً للعقول ، ولكنه لسبق رحمته وغلبة رأفته لم يؤاخذ بذلك حتى ضم إليه الرسل ، وأنزل معهم الكتب ، وأكثر فيها من المواثيق ، وزاد في الكشف والبيان ، وإلى ذلك الإشارة باسم الرب ، فكأن من عنده علم أشد ملامة من الجاهل{[33948]} ، فقال : { وإذ } أي واذكر لهم إذ { أخذ } أي خلق بقوله وقدرته { ربك } أي المحسن إليك بالتمهيد لرسالتك كما يؤخذ القمل بالمشط{[33949]} من الرأس .
ولما كان السياق لأخذ المواثيق والأخذ بقوة ، ذكر أخذ الذرية من أقوى نوعي الآدمي ، وهم الذكور فقال : { من بني آدم } وذكر أنه جعلها من أمتن الأعضاء فقال : { من ظهورهم } كل واحد من ظهر أبيه { ذريتهم{[33950]} } إشارة إلى أنه [ لما{[33951]} ] أكد عليهم المواثيق وشددها لهم وأمرهم{[33952]} - بالقوة في أمرها ، أعطاهم من القوة{[33953]} في التركيب والمزاج ما يكونون{[33954]} به مطيعين لذلك ، فهو تكليف بما في الوسع ، وجعل لهم عقولاً عند من قال : هو على حقيقته كنملة سليمان عليه الصلاة والسلام { وأشهدهم{[33955]} على أنفسهم } أي أوضح لهم من البراهين من الإنعام بالعقول مع خلق السماوات والأرض وما فيهما على هذا المنوال الشاهد له بالوحدانية وتمام العلم والقدرة ، ومن إرسال الرسل المؤيدين بالمعجزات ما كانوا{[33956]} كالشهود بأنه لا رب غيره ؛ {[33957]}وقد ذكر معنى هذا الإمام حجة الإسلام الغزالي في الكلام على العقل من باب العلم من الإحياء فإنه قال في معنى هذه الآية : والمراد إقرار{[33958]} نفوسهم ، لا إقرار الألسنة ، فإنهم انقسموا{[33959]} في إقرار الألسنة حيث وجدت الألسنة والأشخاص ؛ ثم ذكر أن النفوس فطرت على معرفة الأشياء على ما هي عليه لقرب الاستعداد للإدراك .
ولما{[33960]} تبين أنه فرد لا شريك له فلا راد لأمره ، وأنه رب فلا أرأف منه ولا أرحم ، كان ذلك أدعى إلى طاعته خوفاً من سطوته ورجاء لرحمته ، فكانوا بذلك بمنزلة من سئل عن الحق فأقر به ، فلذلك قال : { ألست بربكم } أي المحسن إليكم بالخلق والتربية بالرزق وغيره { قالوا بلى شهدنا } أي كان علمنا بذلك علماً شهودياً ، وذلك لأنهم وصلوا بعد البيان إلى حد لا يكون فيه الجواب إلا ذلك فكأنهم قالوه ؛ فهو - والله أعلم - من{[33961]} وادي قوله تعالى
{ ولله يسجد من في السماوات والأرض {[33962]}طوعاً وكرهاً{[33963]} }[ الرعد : 15 ] - الآية و
{ لله يسجد ما في السماوات والأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون }{[33964]}[ النحل : 49 ] .
ولما كان كأنه قيل : لم فعل ذلك ؟ قيل : دلالة على أن المتقدم إنما هو على طريق التمثيل يجعل تمكينهم من الاستدلال كالإشهاد ، فعله كراهة { أن يقولوا{[33965]} يوم القيامة } أي إن لم ينصب{[33966]} لهم الأدلة { إنا كنا عن هذا } أي وحدانيتك وربوبيتك { غافلين* } أي لعدم الأدلة فلذلك{[33967]} أشركنا
قوله تعالى : { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين 172 أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون 173 وكذلك نفصل الآيات لعلهم يرجعون } إذ ، في موضع نصب بتقدير الفعل اذكر . و { من ظهورهم } ، بدل من بني آدم{[1572]} ، ذلك إخبار من الله تعالى أنه استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم وخالقهم وأنه لا إله إلا هو ؛ فقد خلق الله الإنسان في الأصل على الفطرة ليجيء مؤمنا موحدا لا يعرف الشرك . لكن الإنسان قد تعثر فيما بعد . وذلك لما تبدلت يفه الفطرة الأصلية السليمة إلى أخرى مقلوبة أو مشهورة تشويها . وذلك بفعل المؤثرات الخارجية الكثيرة وبإيحاء من النوازع الشيطانية من الداخل . لا جرم أن العوامل الخارجية والمؤثرات التي تصطنعها أفكار الشياطين وأقلامهم لقلب الفطرة وتشويهها كثيرة وكبيرة . وهي متعثر متعددة وترى : ولا تقف عند نهاية أو حد بل إنها تزداد على مر الزمن ضراوة وفداحة وخبرة في تدمير الفطرة الأساسية للإنسان . الفطرة السليمة القويمة التي يجيء عليها الإنسان مبرأ من كل الأدران والأوضار النفسية والخلقية . ثم تستحيل فطرته بعد ذلك إلى فطرة ضالة ممسوخة متمردة على الله وعلى منهجه الحق بعد أن كانت سوية مؤمنة مخبتة إلى ربها إخباتا . وذلك كله بفعل العوامل الخبيثة التي برعت في إعدادها وتنشئتها أقلام الشياطين وأدمغتهم التي لا تفتر ولا تني عن الكيد للإنسان كيما ينقلب إلى إنسان مضلل شائه ممسوخ الطبع ، مقلوب الفطرة تمام . إنسان قد تزاحمت فيه ظواهر العتو والاستكبار والاغترار من الداخل فإذا هو عاث كنود بعد أن جيء به إلى هذه الدنيا مبرأ من كل العيوب . وفي هذا المعنى روي الصحيحان عن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كل مولود يولد على الفطرة ) وفي رواية ( على هذه الملة ؛ فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه ؛ كما تولد بهيمة جمعاء{[1573]} هل تحسون فيها من جدعاء ) {[1574]} .
وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يقول الله : إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم ، وحرمت عليهم ما أحللت لهم ) .
أما كيف أخذ الله ذرية بني آدم من ظهورهم ؛ فهو موضع تفصيل كبير نقتضب منه ما قاله كثير من أهل العلم ومنهم الرازي والزمخشري ، وهو أن الله أخرجهم من أصلاب آبائهم ذرية . وكيفية ذلك : أنهم كانوا نطفة فأخرجهم الله تعالى في أرحام الأمهات ، ثم جعلها علقة ، ثم مضغة ، ثم جعلهم بشرا سويا وخلقا كاملا ، ثم أشهدهم على أنفسهم بما ركب فيهم من دلائل وحدانيته وعجائب خلقه . وبالإشهاد صاروا كأنهم قالوا بلى ، وإن لم يكن ثمة قول منطوق باللسان . وذلك مقتضى قوله سبحانه وتعالى : { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا } .
وسئل ابن عباس عن تأويل هذه الآية فقال : لما خلق الله آدم عليه السلام أخذ ميثاقه فمسح ظهره فاخذ ذريته كهيئة الذر فكتب أجالهم وأرزقهم ومصائبهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى{[1575]} .
قوله : { أن تقولوا القيامة غنا كنا عن هذا غافلين } { أن تقولوا } ، في موضع نصب مفعول له ؛ أي فعلنا ذلك ، من نصب الأدلة الشاهدة على صحتها العقول ، كراهة أن تقولوا ، أو لئلا يقولوا{[1576]} . أي خلقكم الله على الفطرة والتوحيد وجعل فيكم كامل الاستعداد للإيمان بالله ثم أشهدكم على أنه خالقكم ومالككم ومعبودكم دون غيره فشهدتم ؛ إذ كنتم على الفطرة صادقين . غير مضللين ولا منحرفين . وذلك لئلا تقولوا يوم القيامة : { إنا كنا عن هذا غافلين } أي كنا غافلين عن وحدانية ربنا فضللنا