{ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم } الآية نزلت في بيعة العقبة لما بايعت الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا وأن يمنعوه مما يمنعون أنفسهم قالوا فإذا فعلنا ذلك يا رسول الله فماذا لنا قال الجنة قالوا ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل فنزلت هذه الاية ومعنى { اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة } أن المؤمن إذا قاتل في سبيل الله حتى يقتل وأنفق ماله في سبيل الله أخذ من الله الجنة في الآخرة جزاء لما فعل وقوله { وعدا } أي وعدهم الله الجنة وعدا { عليه حقا } لا خلف فيه { في التوراة والإنجيل والقرآن } أي إن الله بين في الكتابين أنه اشترى من أمة محمد أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة كما بين في القرآن { ومن أوفى بعهده من الله } أي لا أحد أوفى بما وعد من الله
ولما تقدم الإنكار على المتثاقلين عن النفر في سبيل الله في قوله تعالى{ {[37220]}ما لكم إذا قيل لكم{[37221]} انفروا }[ التوبة : 38 ] ثم الجزم بالأمر{[37222]} بالجهاد بالنفس والمال في قوله{ انفروا خفافاً وثقالاً }[ التوبة : 41 ] وكان أمره تعالى كافياً للمؤمن الذي صدق إيمانه بالإسلام في امتثاله لذلك{[37223]} في منشطه ومكرهه ، وكان كثير منهم قد فعلوا بتثاقلهم ما يقدح في إيمانهم طمعاً في ستره بمعاذيرهم وأيمانهم ، اقتضى المقام تبكيت المتثاقلين وتأنيب{[37224]} المنافقين على وجه مهتك لأستارهم مكشف لأسرارهم ، فلما استوفى تعالى في ذلك أقسامهم ، ونكس ألويتهم وأعلامهم ، وختمهم بهذه الطائفة التي ظهر{[37225]} فيها امتثاله صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى { جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم } بأن هدّ{[37226]} مسجدهم وحرقه بالنار وأزال بنيانه وفرقه ، وقدّ أديمه عن جديد الأرض ومزقه ، أتبع ذلك سبحانه بتذكير المؤمنين ما أمرهم به في قوله تعالى { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر } وقوله { انفروا خفافاً وثقالاًً } ليفعلوا فيه ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أمر{[37227]} به ، فساق مساق الجواب لسؤال من كأنه قال : لقد طال المدى وعظم الخطب في هذه السورة في إبانة الفضائح وهتك السرائر وإظهار القبائح ، فلم فعل ذلك وقد جرت عادته بالأمر بالستر وأخذ العفو ؟ قوله : { إن الله } أي الملك الذي لا ملك في الحقيقة غيره ولا يخشى إلا عذابه ولا يرجى إلا خيره { اشترى } أي{[37228]} بعهود أكيدة ومواثيق غليظة شديدة ، ولذلك عبر بما يدل على اللجاج فيها فقال : { من المؤمنين } أي بالله وما جاء من عنده ، وقدم النفس إشارة إلى المبايعة سابقة على اكتساب المال فقال مقدماً للأعز : { أنفسهم } أي التي تفرد بخلقها { وأموالهم } أي التي تفرد برزقها وهو يملكها دونهم .
ولما ذكر المبيع أتبعه الثمن فقال : { بأن لهم الجنة } أي خاصة بهم مقصورة{[37229]} عليهم ، لا يكون لغير مؤمن ، فميزهم حتى يقابل{[37230]} كل بما يستحقه ، فكأنه قيل : اشترى منهم ذلك بماذا{[37231]} ؟ فقيل : { يقاتلون في سبيل الله } أي الملك الأعلى{[37232]} بسبب دينه الذي لا يرضي غيره ، قتالاً يكون الدين محيطاً به وظرفاً ، فلا يكون فيه شائبة لغيره ؛ ثم سبب عن ذلك{[37233]} ما هو حقيق به ، فقال : { فيقتلون و يقتلون } أعم من يكون ذلك بالقوة أو بالفعل ، فيخصهم بالجنة كما وعدهم ، وقراءة{[37234]} حمزة والكسائي بتقديم المبني للمفعول أمدح ، لأن من طلب الموت - لا يقف له خصمه فيكون المعنى : فطلبوا أن يكونوا مقتولين فقتلوا أقرانهم ، ويجوز أن يكون النظر إلى المجموع فيكون المعنى أنهم يقاتلون بعد رؤية مصارع أصحابهم{[37235]} من غير أن يوهنهم{[37236]} ذلك ، وعن بعض الأعراب أنه لما سمع هذه الآية قال : بيع والله مربح ! لا نقيل ولا نستقيل ، فخرج إلى الغزو{[37237]} فاستشهد .
ولما كان القتل لكونه سبباً للجنة بشارة ووعداً ، أكد{[37238]} ذلك بقوله : { وعداً } وزاده{[37239]} بحرف الإيجاب فقال : { عليه } وأتم التأكيد بقوله : { حقاً } ولما أكد هذه المبايعة{[37240]} الكريمة هذه التأكيدات العظيمة ، زاد ذلك بذكره في جميع الكتب القديمة فقال : { في التوراة } كتاب موسى عليه السلام { والإنجيل } {[37241]}كتاب عيسى عليه السلام{[37242]} { والقرآن } أي الكتاب الجامع لكل ما قبله ولكل خير ، وهؤلاء المذكورون{[37243]} في هذه السورة كلهم ممن{[37244]} ادعى الإيمان وارتدى به حلل الأمان{[37245]} ، ثم إنهم فعلوا بتخلفهم عن الإقباض وتوقفهم عن الإسراع والإيقاض وغير ذلك من أقوالهم ومساوىء أفعالهم فعل الكاذب في دعواه أو الشاك أعم{[37246]} من أن يكون كذب بالآخرة المشتملة على الجنة أو يكون شك في وعد الله بإيراثهم إياها أو بتخصيصهم بها ، وجوز أن يدخلها غيرهم وطمع أن يكون هو ممن يدخلها مع التكذيب ، والله تعالى منزه عن جميع ذلك وهو وفي بعهده { ومن } أي وعد بذلك والحال أنه أوفى المعاهدين فهو مقول{[37247]} فيه على طريق الاستفهام الإنكاري : من { أوفى بعهده من الله } أي الذي له جميع صفات الكمال لأن الإخلاف لا يقدم عليه الكرام من الناس فكيف بخالقهم{[37248]} الذي له الغنى المطلق .
ولما كان ذلك سبباً للتبشير{[37249]} ، لأنه لا ترغيب في الجهاد أحسن منه ، قال مهنئاً لهم : { فاستبشروا } أي فأوجدوا في نفوسكم غاية البشر يا معاشر المجاهدين ولما ذكره في ابتداء العقد بلفظ يدل على التأكيد ، ذكره في آخر بلفظ يدل على السعة إشارة إلى سعة الجزاء فقال : { ببيعكم الذي بايعتم } أي أوقعتم المبايعة لله { به } فإنه موفيكم لا محالة فذلك هو الأجر الكريم { وذلك } أي إيراثكم الجنة وتخصيصكم بها { هو } أي خاصة لا غيره { الفوز العظيم* } فالحاصل أن هذه الآية واقعة موقع التعليل للأمر بالنفر بالنفس والمال .
قوله تعالى : { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم } .
روي في سبب نزول هذه الآية عن عبد الله بن رواحة ( رضي الله عنه ) أنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة : اشتراط لربك ولنفسك ما شئت . فقال : ( أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم ) قالوا : فما لنا إذا فعلنا ذلك ؟ فقال ( الجنة ) قالوا : ربح البيع ، لا نقيل ولا نستقيل ، فنزلت { إن الله اشترى من المؤمنين } الآية{[1907]} لتحمل للمسلمين على مر الزمن وتوالي العصور والأدهار هذا الإخبار الرباني المجلجل . إخبار كريم ومؤثر وفياض فيه ترغيب للمسلمين وتحضيض على الجهاد في سبيل الله بالأنفس والأموال . وذلك لدفع الأشرار والمعتدين المتربصين ، وليدرأوا عن أنفسهم المفاسد والأضرار والفتن .
ولقد جاء التحضيض هذه المرة على صورة عقد كريم متين . العاقد فيه رب العالمين جل وجلاله ، والثمن فيه هي الجنة . وعي عطاء من الله كريم وعظيم ودائم ، وفيه من الخير والنعمة والبهجة ما لا تقوى على تصوره طبائع البشر . والمعقود عليه في هذا العقد هو القتل أو القتال ؛ فالقتال يصيب المجاهد ليحظى بالجنة . والقتال بمجرد مفض إلى نفس العاقبة من الحسنى .
وهذا المعنى الكبير يتجلى في أحسن ما تكون عليه العبارة ، وأورع ما يأتي عليه الكلم من رصانة الألفاظ ، وتمام الإيجاز وكمال الإعجاز ، وبالغ التأثير .
وذلك كله في كلمات قليلة معدودة توحي بعظم الشأن للمجاهدين بأموالهم ولأنفسهم في سيبل الله ، لا يبغون بذلك غير مرضاته سبحانه ، ولا يزجي بهم إلى أرض المعركة سوى الحب لله والغيرة على الإسلام والمسلمين .
ويستوي في نيل هذا الثمن الكريم الهائل { الجنة } كل من قاتل وقتل . فكلاهما محظوظ بالفوز بالجنة ليرتع في نعيمها وما حلفت به من عطايا عظام وخيرات حسان .
قوله : { وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن } { وعدا } ، منصوب على المصدر المؤكد لمضون الجملة . { حقا } لتقديمه عليه{[1908]} . وهذا الوعد الق من الله مثبت ومذكور في الكتب السماوية الثلاثة وهي التوراة والإنجيل والقرآن . و { في } تأكيد للمؤمنين المجاهدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بأن مآلهم إلى خير عاقبة وأكرم مصير وهو رضوان الله والفوز بالجنة .
قوله : { ومن أوفى بعهده من الله } استفهام على سبيل التقرير ؛ أي ليس من أحد أوفى بعهده من الله جل جلاله . وقد أظهر الوعد هنا في صورة العهد ؛ لأن هذا آكد وأوثق من الوعد ؛ إذ الوعد في حق المخاليق جائز إخلافه عند الحاجة . لكن العهد لا يجوز إلا الوفاء به ؛ إذ هو آكد من الوعد .
قوله : { فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به } ليس السنين هنا للطلب بل بمعنى افعل . وذلك كفعل الأمر : استوقد ؛ أي أوقد . فيكون المعنى : اغتبطوا وابتهجوا وأظهروا السرور بما حظيتم به من فوزكم العظيم في بيعكم مع الله الذي أفضى بكم إلى الجنة . لا جرم أنه { الفوز العظيم } الذي يتضاءل دونه أيما فوز{[1909]} .
قبل أن نبرح الكلام عن تحضيض الإسلام على الجهاد ، نريد أن نستبق الظالمين والمبغضين والمتعصبين من أولى العقائد والملل والتصورات الضالة . أولئك الذين يستمرئون الطعن في الإسلام ، والذين تعتصر قلوبهم وأعصابهم تغيظا وكراهية للإسلام وأهله . وأولئك هم الحاقدون المتربصون الجهلة الذيسن لا يعرفون عن الإسلام إلا بعض اللمامات من بسيط الكفار . ومع ذلك فغنهم يتزاحمون في الكيد للإسلام بتوجيه سهام الطعون له من أجل تشويه والإساءة إلى سمعته المباركة وقدره العظيم ؛ فقد احتجوا بمثل هذه الآية ونظائرها من آيات الجهاد على أن الإسلام قد بني على الحرب والقتال والدم والعنف ! !
إن ذلكم لغط فاجر كذوب تردده أقلام المفكرين المضلين من استعماريين والصليبيين ووثنيين وملحدين وصهيونيين وماسونيين وأتباعهم من العملاء والتابعين الناعقين .
إن الذي يتحذلق به هؤلاء الخصوم عن تشريع الجهاد في الإسلام ، لهو افتراء غاشم ، وتخريص جهول يتقوله الشياطين وأهل الباطل على الإسلام .
ولقد بينا في فقرات سابقة أن الإسلام ما بني على العنف والقسوة ، ولا قام على الحرب والقتال ؛ بل إن الإسلام أساسه المودة والرحمة تفيض بهما قلوب المسلمين على الدنيا وعلى سائر شعوب الأرض بعيدا عن كل ظواهر التعنيف والترهيب .
الإسلام إنما بني على الحق والترشيد واحترام الإنسان والحدب عليه ؛ فهو إذا شاع في الدنيا وعمت كلمته وعقيدته ونظامه الآفاق والعالمين ، إنما كان ذلك بفضل أساليبه الفكرية والوجدانية البالغة في التأثير ؛ فقد شق الإسلام طريقه إلى أذهان الناس وقلوبهم ، فشاع وذاع بالحجة والبرهان ، ودعوة البشرية إليه بالتي هي أحسن ، وأصدق دليل على ذلك قوله سبحانه وتعالى : { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن } ومن أدل الدلائل على هذه الحقيقة ، هذا الإقبال الطوعي السريع من الشعوب المختلفة التي بادرت للدخول في دين الإسلام . وكان ذلك طواعية ورغبة وود ، إذ لم يحملهم على ذلك قسر أو إكراه أو وعيد .
والشعوب على اختلافها إذا ما أتيح لها أن تتعرف على الإسلام وما حواه من ظواهر الخير والتعارف والمودة والرحمة والخلق الكريم ، سوف لا تردد في الإقبال عليه واعتناقه والتزام عقيدته وشرائعه في مودة وتشوف . ولو حيل بين الإسلام وسائر المعوقات والفتن التي يضعها الشياطين في الطريق ؛ لعم الإسلام سائر أنحاء الدنيا ، ولأصبح جل البشرية إخوانا في دين الله ؛ دين الاسلام !
إن الإسلام لم يوجب الجهاد إلا ليكون آخر وسيلة من وسائله بعد أن يستنفد كل أسباب المنطق والاحتجاج بالبراهين والأدلة الظاهرة ؛ فلا مناص بعد ذلك كله من تشريع الجهاد دفعا لصولة الطغاة من المعتدين الظالمين ، وكسرا لشوكة أهل الباطل الذين يكرهون الإسلام والمسلمين ، فما فتئوا يكيدون لهم كل المكائد والمؤامرات .
لا يجد الإسلام مندوحة عن دعوة المسلمين وتحريضهم على قتال أهل الباطل والعدوان من شرار البشر الذين لو سلطوا على رقاب المسلمين لا يرعون فيهم إلا ولا ذمة . والذين إذا جاسوا خلال ديار المسلمين أبادوهم إبادة واصطلموهم شر اصطلام ، وأذاقوهم الويل والثبور وعظائم الأمور ، ما بين تقتيل وتشريد وتدمير وتدنيس للكرامات والقيم وهتك للأعراض والأستار . ومن اجل ذلك شرع الإسلام الجهاد .