الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ} (3)

الثالثة عشرة : قوله تعالى : " الرحمن الرحيم " وصف نفسه تعالى بعد " رب العالمين " بأنه " الرحمن الرحيم " لأنه لما كان في اتصافه ب " رب العالمين " ترهيب قرنه ب " الرحمن الرحيم " لما تضمن من الترغيب ؛ ليجمع في صفاته بين الرهبة منه والرغبة إليه ، فيكون أعون على طاعته وأمنع كما قال : " نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم{[75]} . وأن عذابي هو العذاب الأليم " [ الحجر : 49 ، 50 ] . وقال : " غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول{[76]} " [ غافر : 3 ] . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد ، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد ) . وقد تقدم ما في هذين الاسمين من المعاني فلا معنى لإعادته .


[75]:آية 49- 50 سورة الحجر
[76]:آية 3 سورة غافر.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ} (3)

وقوله : ( الرحمن الرحيم( صفتان لله تحملان الثناء والتعظيم لله رب العالمين .

والله عز وعلا موصوف بالرحمة البالغة بالخلق ، وقد تقدم الكلام عن معنى الرحمة .

ذلك أن الله عظيم الرحمة بالعباد على الكيفية التي ليس لها في درجات الرحمة نظير ، وكذلك الرحيم صفة لله أخرى ، وكلتا الصفتين تنبضان بكامل الرحمة ، إذ تفيض على الوجود من خالق الوجود ، فما يكون من شيء في الأرض أو في السماء إلا جاء في خلقه وطبيعته من خالق الوجود ، فما يكون من شيء في الأرض أو في السماء إلا جاء في خلقه وطبيعته مكتملا ، موزونا ، لا يخالطه عوج ، ولا يمسه في وجوده من الله ظلم ، وفوق ذلك كله فإن رحائم الله بالعباد لا تحصى ، بل إنها تتجاوز في كثرتها وعظمتها كل حسبان ، وفي طليعة المعاني الكريمة من رحمة الله سبحانه وتعالى غفار للذنوب ، يتجاوز عن معاصي الخلق مهما كثرت وعظمت ، والإنسان من جهته كثير الزلات والمساءات ، مستديم العدوان على حدود الله ، ولا يبرح المعاصي والأخطاء ، لضعفه ولفرط انشداده للشهوات ونفسه الأمارة بالسوء ، لكن الله عز وعلا غفار لكل ما يفارقه الإنسان في حياته من الآثام إن استغفر وأناب أو ندم وتاب ما اجتنبت الخطيئة الكبرى وهي الإشراك بالله .