قوله تعالى : " ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر " هؤلاء قوم أسلموا ثم ارتدوا خوفا من المشركين ، فاغتم النبي صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله عز وجل : " ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر " . وقال الكلبّي : يعني به المنافقين ورؤساء اليهود ، كتموا صفة النبي صلى الله عليه وسلم في الكتاب فنزلت . ويقال : إن أهل الكتاب لما لم يؤمنوا شق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن الناس ينظرون إليهم ويقولون إنهم أهل كتاب ، فلو كان قوله حقا لاتبعوه ، فنزلت " ولا يحزنك " . قراءة نافع بضم الياء وكسر الزاي حيث وقع إلا في - الأنبياء - " لا يحزنهم الفزع الأكبر " {[3720]} فإنه بفتح الياء وبضم الزاي . وضده أبو جعفر . وقرأ ابن محيصن كلها بضم الياء وكسر{[3721]} الزاي . والباقون كلها بفتح الياء وضم الزاي . وهما لغتان : حزنني الأمر يحزنني ، وأحزنني أيضا وهي لغة{[3722]} قليلة ، والأولى أفصح اللغتين ، قاله النحاس . وقال الشاعر في أحزن :
وقراءة العامة " يسارعون " . وقرأ طلحة " يسرعون في الكفر " . قال الضحاك : هم كفار قريش . وقال غيره : هم المنافقون . وقيل : هو ما ذكرناه قبل . وقيل : هو عام في جميع الكفار . ومسارعتهم في الكفر المظاهرة على محمد صلى الله عليه وسلم . قال القشيري : والحزن على كفر الكافر طاعة ، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفرط في الحزن على كفر قومه ، فنهي عن ذلك ، كما قال : " فلا تذهب نفسك عليهم حسرات " {[3723]} [ فاطر : 8 ] وقال : " فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا " {[3724]} [ الكهف : 6 ] .
قوله تعالى : " إنهم لن يضروا الله شيئا " أي لا ينقصون من ملك الله وسلطانه شيئا ، يعني لا ينقص بكفرهم . وكما روي عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال : ( يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا . يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم . يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم . يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم . يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم . يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني . يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا . يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا . يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر . يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ) . خرجه مسلم في صحيحه والترمذي وغيرهما ، وهو حديث عظيم فيه طول يكتب كله . وقيل : معنى " لن يضروا الله شيئا " أي لن يضروا أولياء الله حين تركوا نصرهم إذ كان الله عز وجل ناصرهم .
قوله تعالى : " يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم " أي نصيبا .
والحظ النصيب والجد . يقال : فلان أحظ من فلان ، وهو محظوظ . وجمع الحظ أحاظ على غير قياس{[3725]} . قال أبو زيد : يقال رجل حظيظ ، أي جديد إذا كان ذا حظ من الرزق . وحظظت في الأمر أحظ . وربما جمع الحظ أُحُظًّا . أي لا يجعل لهم نصيبا في الجنة . وهو نص في أن الخير والشر بإرادة الله تعالى .
قوله تعالى : ( ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئا ولهم عذاب أليم ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين ) .
ونزلت هذه الآية في قوم أسلموا ثم ارتدوا ، وقيل : المراد بذلك المنافقون ورؤساء اليهود فقد كتموا صفة النبي صلى الله عليه و سلم ؛ إذ كان مذكورا ومبينا في كتابهم .
وقيل : المراد أصناف الكافرين جميعهم . فقد كانوا يسارعون في الكفر ، ويظاهرون على النبي صلى الله عليه و سلم والمسلمين بالكيد والعدوان . ومن أجل هذه المسارعة في الكفر من الكافرين الحاقدين كان النبي صلى الله عليه و سلم يغتم وينتابه الحزن ، فنهاه الله عند ذلك مع أن الحزن والاغتمام والغضب من كفر الكافرين ومعاصيهم ومكائدهم عبادة يثاب عليها المسلم ، فكيف يأتي النهي عن ذلك . وتأويل ذلك أن النهي يقع على الإفراط أو الإسرف في الحزن والاغتمام مما يفضي إلى لحوق الضرر بالمحزون المغتم . كقوله تعالى : ( فلا تذهب نفسك عليهم حسارات ) أي لا تهلك نفسك عليك من فرط تحسرك على غيهم وإصرارهم على العتو والتمرد والتكذيب . وعلى هذا فإن النهي هنا عن الإفراط في التحسر المفضي إلى ضرر المحسر . لا جرم أن الإفراط المغالي في كظم الحزن والحسرة يودي بالمحزون المغموم إلى الاعتلال أو الهلاك . وهو ما وقع عليه النهي في الآية ( ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم ) هؤلاء الناكبون عن دين الله لا يضرون بمسارعتهم في الكفر غير أنفسهم ، فهم لا يضرون الله بذلك ، والله سبحانه منزه عن طبائع البشر الين يضرهم الأذى والكيد ، لكن الله خالق كل شيء وخالق الحياة والأحياء جميعا لا يضره كفران الكافرين ولا ضلال الضالين المضلين .
إن هؤلاء الناكبين التعساء الذين يسارعون في الكفر لا يضرون سوى أنفسهم ولا يعود وبال ذلك إلا عليهم دون غيرهم . وكيفية ذلك في قوله : ( يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ) أي نصيبا من الثواب العظيم الذي أعده الله لعباده المؤمنين ؛ إذ كتب لهم الجنة ، لكن أولئك التعساء المتنكبين عن منهج الله لا جرم أنهم محرومون من نعيم الله في الجنة ، وفوق حرمانهم هذا أعد الله لهم النار يتعذبون فيها لزاما ودون مبارحة . وهو مقتضى قوله : ( ولهم عذاب عظيم ) .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.