اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{أُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡوَٰرِثُونَ} (10)

ثم قال : { أولئك هُمُ الوارثون } «أُولَئِكَ » أي : أهل هذه الصفة «هُمُ الوارِثُونَ » فإن قيل{[32236]} : كيف سمى ما يجدونه من الثواب والجنة بالميراث ؟ مع أنه سبحانه حكم بأنَّ الجنة حقهم في قوله : { إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجنة }{[32237]} [ التوبة : 111 ] . فالجواب من وجوه :

الأول : روى أبو هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «ما منكم من أحد إلاَّ وله منزلان منزل في الجنّة ومنزلٌ في النار ، فإنْ مات ودخل النار وَرِثَ أهلُ الجنة مَنْزله ، وذلك قوله : { أولئك هُمُ الوارثون }{[32238]} . وأيضاً : فقد قال الفقهاء إنه لا فرق بين ما ملكه الميت وبين ما يقدر فيه الملك في أنه يورث عنه ، كذلك قالوا في الدية التي إنما تجب بالقتل إنها تورث مع أنه مالكها على التحقيق وهذا يؤيد ما{[32239]} ذكر فإن قيل : إنه تعالى وصف كل الذي{[32240]} يستحقونه إرثاً ، وعلى ما قلتم فإنه يدخل في الإرث ما كان يستحقه غيرهم{[32241]} لو أطاع .

فالجواب : لا يمتنع أنه تعالى جعل ما هو ( منزلة ){[32242]} لهذا المؤمن بعينه منزلة لذلك الكافر لو أطاع لأنه عند ذلك كان يزيد في المنازل فإذا أمن هذا عدل بذلك إليه .

الثاني : أنَّ انتقال الجنة إليهم من دون محاسبة ومعرفة بمقاديره يشبه انتقال المال إلى الوارث .

الثالث : أنَّ الجنة كانت مسكن أبينا آدم - عليه السلام - فإذا انتقلت إلى أولاده كان ذلك شبيهاً بالميراث . فإن قيل : كيف حكم على الموصوفين بالصفات السبعة بالفلاح مع أنه تعالى ما تمم ذكر العبادات الواجبة كالصوم والحج ؟

فالجواب : أنَّ قوله : { لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ } يأتي على جميع الواجبات من الأفعال والتروك كما تقدم والطهارات{[32243]} دخلت في جملة المحافظة على الصلوات{[32244]} لكونها من شرائطها{[32245]} . واعلم أنَّ قوله : «هُمُ الوَارِثُونَ » يفيد الحصر لكنه يجب ترك العمل به ، لأنه ثبت أنَّ الجنة يدخلها الأطفال والمجانين والولدان والحور ، ويدخلها الفساق من أهل القبلة بعد العفو لقوله تعالى : { وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ }{[32246]} [ النساء : 48 ] . وتقدم الكلام في الفردوس في سورة الكهف{[32247]} .


[32236]:من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي 23/ 82 – 83.
[32237]:[التوبة: 111].
[32238]:أخرجه ابن ماجه (زهد) 2/1453، وذكره السيوطي في الدر المنثور 5/6.
[32239]:في ب: مما.
[32240]:في الأصل: الذين.
[32241]:في الأصل: غيره. وهو تحريف.
[32242]:ما بين القوسين تكملة من الفخر الرازي.
[32243]:في ب: فالطهارات.
[32244]:في الأصل: الصلاة.
[32245]:آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي 23/82 – 83.
[32246]:من قوله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما} [النساء: 48]. انظر الفخر الرازي 23/83.
[32247]:عند قوله تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا} [الكهف: 107] وذكر ابن عادل هناك: والفردوس الجنة من الكرم خاصة. وقيل: ما كان غالبها كرما. وقيل: كل ما حوط فهو فردوس، والجمع فراديس، قال المبرد: والفردوس فيما سمعت من العرب الشجر الملتف، والأغلب عليه أن يكون من العنب، وحكى الزجاج أنها الأودية التي تنبت ضروبا من النبت، واختلف فيه فقيل: هو عربي، وقيل: أعجمي، وقيل هو رومي، وقيل: فارسي، وقيل: سرياني. انظر اللباب 5/394.