اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلۡمُقَرَّبُونَ} (11)

قوله : { والسابقون السابقون } . فيه أوجه{[54724]} :

أحدها : أنها مبتدأ وخبر ، وفي ذلك تأويلان :

أحدهما : أنه بمعنى : السابقون هم الذين اشتهرت حالتهم بذلك .

كقولهم : «أنت أنت ، والناس الناس » .

وقوله : [ الرجز ]

أنَا أبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي{[54725]} *** . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وهذا يقال في تعظيم الأمر وتفخيمه ، وهو مذهب سيبويه{[54726]} .

التأويل الثاني : أن متعلق السابقين مختلف ؛ إذ التقدير : والسَّابقون إلى الإيمان السابقون إلى الجنة ، أو السابقون إلى طاعة الله السَّابقون إلى رحمته ، أو السابقون إلى الخير السابقون إلى الجنَّة .

الوجه الثاني : أن يكون السَّابقون الثاني تأكيداً للأول تأكيداً لفظيًّا ، و«أولئك المُقرَّبُون » جملة ابتدائية في موضع خبر الأول ، والرابط : اسم الإشارة ، كقوله تعالى : { وَلِبَاسُ التقوى ذلك خَيْرٌ } [ الأعراف : 26 ] ، في قراءة برفع «لِبَاس » في أحد الأوجه .

الثالث : أن يكون «السابقون » الثاني نعتاً للأول ، والخبر الجملة المذكورة .

وهذا ينبغي ألا يعرج عليه ، كيف يوصف الشيء بلفظه ، وأي فائدة في ذلك ؟ .

قال شهاب الدين{[54727]} : والأقرب عندي إن وردت هذه العبارة ممن يعتبر أن يكون سمى التَّأكيد صفة ، وقد فعل سيبويه قريباً من هذا{[54728]} .

الرابع : أن يكون الوقف [ على قوله ]{[54729]} «والسَّابقون » ، ويكون قوله { السَّابقون ، أولئك المقربون } ابتداء وخبراً .

وهذا يقتضي أن يعطف «والسَّابقون » على ما قبله ، لكن لا يليق عطفه على ما قبله ، وإنما يليق عطفه على أصحاب الميمنة ، كأنه قيل : وأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة والسابقون ، أي : وما السابقون ؟ تعظيماً لهم ، فيكونون شركاء أصحاب الميمنة في التعظيم ، ويكون قوله على هذا : { وأصحاب المَشْأمة ما أصحاب المشأمة } اعتراضاً بين المتعاطفين ، وفي هذا الوجه تكلف كثير جداً{[54730]} .

فصل في المراد بالسابقين{[54731]}

قال عليه الصلاة والسلام : «السَّابقُون الَّذينَ إذَا أعْطُوا الحقَّ قبلوهُ ، وإذا سُئِلُوه بذلُوهُ ، وحَكمُوا للنَّاسِ كحُكْمِهِمْ لأنفُسِهِمْ »{[54732]} .

ذكره المهدوي .

وقال محمد بن كعب القرظي : هم الأنبياء{[54733]} .

وقال الحسن وقتادة : هم السابقون إلى الإيمان من كل أمة{[54734]} .

وقال محمد بن سيرين : هم الذين صلّوا إلى القبلتين{[54735]} ، قال تعالى : { والسابقون الأولون مِنَ المهاجرين والأنصار } [ التوبة : 100 ] .

وقال مجاهد والضحاك : هم السَّابقون إلى الجهاد ، وأول الناس رواحاً إلى صلاة الفرائض في الجماعة{[54736]} وقال علي رضي الله عنه : هم السابقون إلى الصَّلوات الخمس{[54737]} .

وقال سعيد بن جبير : إلى التوبة ، وأعمال البر ، قال تعالى : { وسارعوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السماوات والأرض } [ آل عمران : 133 ] ثم أثنى عليهم فقال : { أولئك يُسَارِعُونَ فِي الخيرات وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ } [ المؤمنون : 61 ] .

وقيل : إنهم أربعة : منهم سابق أمة موسى ، وهو حزقيل مؤمن آل فرعون ، وسابق أمة عيسى ، وهو حبيب النَّجَّار صاحب «أنْطَاكية » ، وسابقان في أمّة محمد صلى الله عليه وسلم ، وهما أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - قاله ابن عباس .

حكاه الماوردي .

وقال شميط بن العجلان : النَّاس ثلاثة : فرجل ابتكر للخير في حداثة سنه ، ثم داوم عليه حتى خرج من الدنيا ، فهذا هو السَّابق المقرب ثم طول الغفلة ثم رجع بتوبته حتى ختم له بها ، فهذا من أصحاب اليمين ، ورجل ابتكر عمره بالذنوب ، ثم لم يزل عليها حتى ختم له بها ، فهذا من أصحاب الشمال .

وروي عن كعب قال : هم أهل القرآن المتوجون يوم القيامة{[54738]} .

وقيل : هم أول الناس رواحاً إلى المسجد ، وأولهم خروجاً في سبيل الله { أولئك المقربون في جنات النعيم } .


[54724]:ينظر: الدر المصون 6/254.
[54725]:تقدم.
[54726]:ينظر: الكتاب 1/381، والبحر المحيط 8/204، والدر المصون 6/254.
[54727]:ينظر: الدر المصون 6/254.
[54728]:ينظر: الكتاب 1/277.
[54729]:سقط من ب.
[54730]:ينظر: الدر المصون 6/254.
[54731]:ينظر: القرطبي 17/129.
[54732]:ذكره القرطبي في "تفسيره" (17/129).
[54733]:ينظر المصدر السابق.
[54734]:ينظر المصدر السابق.
[54735]:ذكره البغوي في "تفسيره" (4/180).
[54736]:ينظر المصدر السابق.
[54737]:ذكره القرطبي في "تفسيره" (17/129).
[54738]:ذكره البغوي في "تفسيره" (4/280) عن كعب.