مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوۡ كَانَ خَيۡرٗا مَّا سَبَقُونَآ إِلَيۡهِۚ وَإِذۡ لَمۡ يَهۡتَدُواْ بِهِۦ فَسَيَقُولُونَ هَٰذَآ إِفۡكٞ قَدِيمٞ} (11)

ثم قال تعالى : { وقال الذين كفروا للذين ءامنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : هذه شبهة أخرى للقوم في إنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، وفي سبب نزوله وجوه : ( الأول ) أن هذا كلام كفار مكة قالوا إن عامة من يتبع محمدا الفقراء والأراذل مثل عمار وصهيب وابن مسعود ، ولو كان هذا الدين خيرا ما سبقنا إليه هؤلاء ، ( الثاني ) قيل لما أسلمت جهينة ومزينة وأسلم وغفار ، قالت بنو عامر وغطفان وأسد وأشجع لو كان هذا خيرا ما سبقنا إليه رعاء البهم ، ( الثالث ) قيل إن أمة لعمر أسلمت وكان عمر يضربها حتى يفتر ، ويقول لولا أني فترت لزدتك ضربا ، فكان كفار قريش يقولون لو كان ما يدعو محمد إليه حقا ما سبقتنا إليه فلانة ، ( الرابع ) قيل كان اليهود يقولون هذا الكلام عند إسلام عبد الله بن سلام .

المسألة الثانية : اللام في قوله تعالى : { للذين ءامنوا } ذكروا فيه وجهين : ( الأول ) أن يكون المعنى : وقال الذين كفروا للذين آمنوا ، على وجه الخطاب كما تقول قال زيد لعمرو ، ثم تترك الخطاب وتنتقل إلى الغيبة كقوله تعالى : { حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم } ( الثاني ) قال صاحب «الكشاف » { للذين ءامنوا } لأجلهم يعني أن الكفار قالوا لأجل إيمان الذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه ، وعندي فيه وجه ( ثالث ) وهو أن الكفار لما سمعوا أن جماعة آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم خاطبوا جماعة من المؤمنين الحاضرين ، وقالوا لهم لو كان هذا الدين خيرا لما سبقنا إليه أولئك الغائبون الذين أسلموا .

واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم هذا الكلام أجاب عنه بقوله { وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم } والمعنى أنهم لما لم يقفوا على وجه كونه معجزا ، فلا بد من عامل في الظرف في قوله { وإذ لم يهتدوا به } ومن متعلق لقوله { فسيقولون } وغير مستقيم أن يكون { فسيقولون } هو العامل في الظرف لتدافع دلالتي المضي والاستقبال ، فما وجه هذا الكلام ؟ وأجاب عنه بأن العامل في إذ محذوف لدلالة الكلام عليه ، والتقدير { وإذ لم يهتدوا به } ظهر عنادهم { فسيقولون هذا إفك قديم } .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوۡ كَانَ خَيۡرٗا مَّا سَبَقُونَآ إِلَيۡهِۚ وَإِذۡ لَمۡ يَهۡتَدُواْ بِهِۦ فَسَيَقُولُونَ هَٰذَآ إِفۡكٞ قَدِيمٞ} (11)

{ وَقَالَ الذين كَفَرُواْ } إلى آخره ، وهو حكاية لبعض آخر من أقاويلهم الباطلة في حق القرآن العظيم والمؤمنين به . وفيه تحقيق لاستكبارهم أي وقال كفار مكة : { لِلَّذِينَ ءامَنُواْ } أي لأجلهم وفي شأنهم فاللام للتعليل كما سمعت في { قَالَ الذين كَفَرُواْ لِلْحَقّ } [ الأحقاف : 7 ] .

وقيل : هي لام المشافهة والتبليغ والتفتوا في قولهم : { لَّوْ كَانَ } أي ما جاء به صلى الله عليه وسلم من القرآن ، وقيل : الإيمان { خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ } ولولاه لقالوا : سبقتمونا بالخطاب أو لما سمعوا أن جماعة آمنوا لو كان خيراً ما سبقنا إليه أولئك الذين بلغنا إيمانهم .

وتعقب بأن هذا ليس من مواطن الالتفات ، وكونهم قصدوا تحقير المؤمنين بالغيبة لا وجه له ، وكون المشافهين طائفة من المؤمنين والمخبر عنهم طائفة أخرى خلاف الظاهر ، فالأولى كونها للتعليل وقالوا ذلك لما رأوا أن أكثر المؤمنين كانوا فقراء ضعفاء كعمار . وصهيب . وبلال . وكانوا يزعمون أن الخير الديني يتبع الخير الدنيوي وأنه لا يتأهل للأول إلا من كان له القدح المعلى من الثاني ، ولذا قالوا : { لَوْلاَ نُزّلَ هذا القرءان على رَجُلٍ مّنَ القريتين عَظِيمٍ } [ الزخرف : 31 ] وخطؤهم في ذلك مما لا يخفى .

وأخرج ابن المنذر عن عون بن أبي شداد قال : كانت لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أمة أسلمت قبله يقاله لها زنيرة فكان رضي الله تعالى عنه عنه يضربها على إسلامها وكان كفار قريش يقولون : لو كان خيراً ما سبقتنا إليه زنيرة فأنزل الله تعالى في شأنها { وَقَالَ الذين كَفَرُواْ } الآية ، ولعلهم لم يريدوا زنيرة بخصوصها بل من شابهها أيضاً . وفي الآية تغليب المذكر على المؤنث ، وقال أبو المتوكل : أسلم أبو ذر ثم أسلمت غفار فقالت قريش ذلك ، وقال الكلبي . والزجاج . قال ذلك بنو عامر بن صعصعة . وغطفان . وأسد . وأشجع لما أسلم . أسلم . وجهينة . ومزينة . وغفار . وقال الثعلبي : هي مقالة اليهود حين أسلم ابن سلام وأصحابه منهم ، ويلزم عليه القول بأن الآية مدنية وعدها في المستثنيات أو كون { قَالَ } فيها كنادي في قوله تعالى : { ونادى أصحاب الاعراف } [ الأعراف : 48 ] وهذا كما ترى والمعول عليه ما تقدم { وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ } أي بالقرآن ، وقيل : بالرسول صلى الله عليه وسلم ، و { إِذْ } على ما اختاره جار الله ظرف لمقدر دل عليه السابق واللاحق أي وإذ لم يهتدوا به ظهر عنادهم واستكبارهم ، وقوله تعالى : { فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ } أي يتحقق منهم هذا القول والطعن حيناً فحيناً كما يؤذن بذلك صيغة المضارع مسبب عن العناد والاستكبار ، وإذا جاز مثل حينئذ الآن أي كان ذلك حينئذ واسمع الآن بدليل قرينة الحال فهذا أجوز ، والإشارة ءلى القرآن العظيم ، وقولهم : ذلك فيه كقولهم : { أساطير الاولين } [ الأنعام : 25 ] ولم يجوز أن يكون { فَسَيَقُولُونَ } عاملاً في الظرف لتدافع دلالتي المضي والاستقبال ، وإنما لم يجعله من قبيل { فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الأغلال } [ غافر : 70 ، 71 ] نظماً للمستقبل في سلك المقطوع كما اختاره ابن الحاجب في الأمالي لأن المعنى ههنا كما في «الكشف » على أن عدم الهداية محقق واقع لا أنه سيقع البتة ، ألا ترى إلى قوله تعالى : { وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ } بعدما بين استكبارهم وعنادهم كيف ينص على أنهم مجادلون معرضون عن القرآن وتدبره غير مهتدين ببشائره ونذره .

وقال بعضهم : الظرف معمول لسيقولون والفاء لا تمنع عن عمل ما بعدها فيما قبلها كما ذكره الرضي ، والتسبب المشعرة به عن كفرهم ، و { سَيَقُولُونَ } بمعنى قالوا ، والعدول إليه للإشعار بالاستمرار . وتعقب بأن ذلك مع السين بعيد ، وقيل : إذ تعليلية للقول . وتعقب بأنه معلل كما آذنت به الفاء ، وقدر بعضهم العامل المحذوف قالوا ما قالوا ، ورجحه على التقدير السابق وليس براجح عليه كما لا يخفى على راجح .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوۡ كَانَ خَيۡرٗا مَّا سَبَقُونَآ إِلَيۡهِۚ وَإِذۡ لَمۡ يَهۡتَدُواْ بِهِۦ فَسَيَقُولُونَ هَٰذَآ إِفۡكٞ قَدِيمٞ} (11)

{ 11-12 } { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ * وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ }

أي : قال الكفار بالحق معاندين له ورادين لدعوته : { لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ } أي : ما سبقنا إليه المؤمنون أي : لكنا أول مبادر به وسابق إليه وهذا من البهرجة في مكان ، فأي دليل يدل على أن علامة الحق سبق المكذبين به للمؤمنين ؟ هل هم أزكى نفوسا ؟ أم أكمل عقولا ؟ أم الهدى بأيديهم ؟ ولكن هذا الكلام الذي صدر منهم يعزون به أنفسهم بمنزلة من لم يقدر على الشيء ثم طفق يذمه ولهذا قال : { وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ } أي : هذا السبب الذي دعاهم إليه أنهم لما لم يهتدوا بهذا القرآن وفاتهم أعظم المواهب وأجل الرغائب قدحوا فيه بأنه كذب وهو الحق الذي لا شك فيه ولا امتراء يعتريه .