وأما قوله تعالى : { الرحمان الرحيم } فاعلم أن الرحمة عبارة عن التخليص من أنواع الآفات ، وعن إيصال الخيرات إلى أصحاب الحاجات ، أما التخليص عن أقسام الآفات فلا يمكن معرفته إلا بعد معرفة أقسام الآفات ، وهي كثيرة لا يعلمها إلا الله تعالى ، ومن شاء أن يقف على قليل منها فليطالع كتب الطب حتى يقف عقله على أقسام الأسقام التي يمكن تولدها في كل واحد من الأعضاء والأجزاء ، ثم يتأمل في أنه تعالى كيف هدى عقول الخلق إلى معرفة أقسام الأغذية والأدوية من المعادن والنبات والحيوان ، فإنه إذا خاض في هذا الباب وجده بحرا لا ساحل له .
وقد حكى جالينوس أنه لما صنف كتابه في منافع أعضاء العين قال : بخلت على الناس بذكر حكمة الله تعالى في تخليق العصبين المجوفين ملتقيين على موضع واحد ، فرأيت في النوم كأن ملكا نزل من السماء وقال يا جالينوس ، إن إلهك يقول : لم بخلت على عبادي بذكر حكمتي ؟ قال : فانتبهت فصنفت فيه كتابا ، وقال أيضا : إن طحالي قد غلظ فعالجته بكل ما عرفت فلم ينفع ، فرأيت في الهيكل كأن ملكا نزل من السماء وأمرني بفصد العرق الذي بين الخنصر والبنص ؛ وأكثر علامات الطب في أوائلها تنتهي إلى أمثال هذه التنبيهات والإلهامات ، فإذا وقف الإنسان على أمثال هذه المباحث عرف أن أقسام رحمة الله تعالى على عباده خارجة عن الضبط والإحصاء .
بعدما ذكر سبحانه وتعالى عموم تربيته صرح بعظيم رحمته فقال عز شأنه : { الرحمن الرحيم } وقد تقدم الكلام عليهما والجمهور على خفضهما ، ونصبهما زيد وأبو العالية وابن السميقع وعيسى بن عمور ، ورفعهما أبو رزين العقيلي والربيع بن خيثم وأبو عمران الجولي( {[94]} ) واستدل بعض ساداتنا بتكرارهما على أن البسملة ليست آية من الفاتحة ، وليس بالقوي لأن التكرار لفائدة ، فذكرهما في البسملة تعليل للابتداء باسمه عز شأنه ، وذكرهما هنا تعليل لاستحقاقه تعالى الحمد ، وقال الإمام الرازي قدس سره في بيان حكمة التكرار : التقدير كأنه قيل له اذكر أني إله ورب مرة واحدة واذكر أني رحمن رحيم مرتين ؛ لتعلم أن العناية بالرحمة أكثر منها بسائر الأمور ، ثم لما بين الرحمة المضاعفة فكأنه قال لا تغتروا بذلك فإني مالك يوم الدين ونظيره قوله تعالى :
{ غَافِرِ الذنب وَقَابِلِ التوب شَدِيدِ العقاب } [ غافر : 3 ] انتهى ، وفي القلب منه شيء فإن الألوهية مكررة أيضاً كما ترى ، وعندي بمسلك صوفي أن ذكر الرحمن الرحيم تفصيل من وجه لما في رب العالمين من الإجمال ، وذلك أن التربية تنقسم ببعض الاعتبارات إلى قسمين ، أحدهما التربية بغير واسطة كالكلمة لأنه لا يتصور في حقه واسطة ألبتة ، وثانيهما التربية بواسطة كما فيمن دون الكلمة وهذا الثاني له قسمان أيضاً ، قسم ممزوج بألم كما في تربية العبد بأمور مؤلمة له شاقة عليه ، وقسم لا مزج فيه كما في تربية كثير ممن شمله اللطف السبحاني :
غافل والسعادة احتضنته *** وهو عنها مستوحش نفار
فالرحمن يشير إلى التربية بالوسائط وغيرها في عالمه ، والرحيم يشير إلى التربية بلا واسطة في كلماته ورحمة الرحمن أيضاً قد تمزج بالألم كشرب الدواء الكره الطعم والرائحة فإنه وإن كان رحمة بالمريض لكن فيه ما لا يلائم طبعه ورحمة الرحيم لا يمازجها شوب فهي محض النعم ، ولا توجد إلا عند أهل السعادات الكاملة . اللهم اجعلنا سعداء الدارين بحرمة سيد الثقلين صلى الله عليه وسلم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.