وأما قوله جل جلاله { صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين } فما أجل هذه المقامات وأعظم مراتب هذه الدرجات ! ومن وقف على ما ذكرناه من البيانات أمكنه أن يطلع على مبادئ هذه الحالات ، فقد ظهر بالبيان الذي سبق أن هذه السورة مشتملة على مباحث لا نهاية لها ، وأسرار لا غاية لها ، وأن قول من يقول هذه السورة مشتملة على عشرة آلاف مسألة ، كلام خرج على ما يليق بأفهام السامعين .
في تقرير مشرع آخر يدل على أنه يمكن استنباط المسائل الكثيرة من الألفاظ القليلة :
ولنتكلم في قولنا : { أعوذ بالله } فنقول : أعوذ نوع من أنواع الفعل المضارع ، والفعل المضارع نوع من أنواع الفعل ، وأما الباء في قوله بالله فهي باء الإلصاق ، وهي نوع من أنواع حروف الجر ، وحروف الجر نوع من أنواع الحروف . وأما قولنا الله فهو اسم معين : إما من أسماء الأعلام ، أو من الأسماء المشتقة ، على اختلاف القولين فيه ، والاسم العلم والاسم المشتق كل واحد منهما نوع من أنواع مطلق الاسم ، وقد ثبت في العلوم العقلية ، أن معرفة النوع ممتنع حصولها إلا بعد معرفة الجنس ، لأن الجنس جزء من ماهية النوع ، والعلم بالبسيط مقدم على العلم بالمركب لا محالة ، فقولنا : { أعوذ بالله } لا يمكن تحصيل به العلم كما ينبغي إلا بعد معرفة الاسم والفعل والحرف أولا ، وهذه المعرفة لا تحصل إلا بعد ذكر حدودها وخواصها ، ثم بعد الفراغ منه لابد من تقسيم الاسم إلى الاسم العلم ، وإلى الاسم المشتق ، وإلى اسم الجنس ، وتعريف كل واحد من هذه الأقسام بحده ورسمه وخواصه ، ثم بعد الفراغ منه يجب الكلام في أن لفظة { الله } اسم علم ، أو اسم مشتق ، وبتقدير أن يكون مشتقا فهو مشتق من ماذا ؟ ويذكر فيه الوجوه الكثيرة التي قيل بكل واحد منها ، وأيضا يجب البحث عن حقيقة الفعل المطلق ، ثم يذكر بعده أقسام الفعل ، ومن جملتها الفعل المضارع ، ويذكر حده وخواصه وأقسامه ، ثم يذكر بعده المباحث المتعلقة بقولنا أعوذ على التخصيص ، وأيضا يجب البحث عن حقيقة الحرف المطلق ، ثم يذكر بعده حرف الجر وحده وخواصه وأحكامه ثم يذكر بعده باء الإلصاق وحده وخواصه ، وعند الوقوف على تمام هذه المباحث يحصل الوقوف على تمام المباحث اللفظية المتعلقة بقوله { أعوذ بالله } ومن المعلوم أن المباحث التي أشرنا إلى معاقدها كثيرة جدا .
ثم نقول : والمرتبة الرابعة من المراتب أن نقول : الاسم والفعل والحرف أنواع ثلاثة داخلة تحت جنس الكلمة ، فيجب البحث أيضا عن ماهية الكلمة وحدها وخواصها ، وأيضا فههنا ألفاظ أخرى شبيهة بالكلمة ، وهي : الكلام ، والقول ، واللفظ ، واللغة ، والعبارة ، فيجب البحث عن كل واحد منها ، ثم يجب البحث عن كونها من الألفاظ المترادفة ، أو من الألفاظ المتباينة ، وبتقدير أن تكون ألفاظا متباينة فإنه يجب ذكر تلك الفروق على التفصيل والتحصيل .
ثم نقول : والمرتبة الخامسة من البحث أن نقول : لا شك أن هذه الكلمات إنما تحصل من الأصوات والحروف ، فعند ذلك يجب البحث عن حقيقة الصوت ، وعن أسباب وجوده ولا شك أن حدوث الصوت في الحيوان إنما كان بسبب خروج النفس من الصدر ، فعندها يجب البحث عن حقيقة النفس ، وأنه ما الحكمة في كون الإنسان متنفسا على سبيل الضرورة وأن هذا الصوت يحصل بسبب استدخال النفس أو بسبب إخراجه ، وعند هذا تحتاج هذه المباحث إلى معرفة أحوال القلب والرئة ، ومعرفة الحجاب الذي هو المبدأ الأول لحركة الصوت ومعرفة سائر العضلات المحركة للبطن والحنجرة واللسان والشفتين ، وأما الحرف فيجب البحث أنه هل هو نفس الصوت ، أو هيئة موجودة في الصوت مغايرة له ؟ وأيضا لا شك أن هذه الحروف إنما تتولد عند تقطيع الصوت ، وهي مخارج مخصوصة في الحلق واللسان والأسنان والشفتين ، فيجب البحث عن أحوال تلك المحابس ، ويجب أيضا البحث عن أحوال العضلات التي باعتبارها تتمكن الحيوانات من إدخال الأنواع الكثيرة من الجنس في الوجود وهذه المباحث لا تتم دلالتها إلا عند الوقوف على علم التشريح .
ثم نقول : والمرتبة السادسة من البحث هي أن الحرف والصوت كيفيات محسوسة بحاسة السمع ، وأما الألوان والأضواء فهي كيفيات محسوسة بحاسة البصر ، والطعوم كيفيات محسوسة بحاسة الذوق ، وكذا القول في سائر الكيفيات المحسوسة ، فهل يصح أن يقال : هذه الكيفيات أنواع داخلة تحت جنس واحد وهي متباينة بتمام الماهية ، وأنه لا مشاركة بينها إلا باللوازم الخارجية أم لا ؟
ثم نقول : والمرتبة السابعة من البحث أن الكيفيات المحسوسة نوع واحد من أنواع جنس الكيف في المشهور ، فيجب البحث عن تعريف مقولة الكيف ، ثم يجب البحث أن وقوعه على ما تحته هل هو قول الجنس على الأنواع أم لا ؟
ثم نقول : والمرتبة الثامنة أن مقولة الكيف ، ومقولة الكم ، ومقولة النسبة عرض ، فيجب البحث عن مقولة العرض وأقسامه ، وعن أحكامه ولوازمه وتوابعه .
ثم نقول : والمرتبة التاسعة أن العرض والجوهر يشتركان في الدخول تحت الممكن والممكن والواجب مشتركان في الدخول تحت الموجود ، فيجب البحث عن لواحق الوجود والعدم ، وهي كيفية وقوع الموجود على الواجب والممكن أنه هل هو قول الجنس على أنواعه أو هو قول اللوازم على موصوفاتها وسائر المباحث المتعلقة بهذا الباب .
ثم نقول : والمرتبة العاشرة أن نقول : لا شك أن المعلوم والمذكور والمخبر عنه يدخل فيها الموجود والمعدوم ، فكيف يعقل حصول أمر أعم من الموجود ، ومن الناس من يقول المظنون أعم من المعلوم ، وأيضا فهب أن أعم الاعتبارات هو المعلوم ، ولا شك أن المعلوم مقابله غير المعلوم ، لكن الشيء ما لم تعلم حقيقته امتنع الحكم عليه بكونه مقابلا لغيره ، فلما حكمنا على غير المعلوم بكونه مقابلا للمعلوم ، وجب أن يكون غير المعلوم معلوما ، فحينئذ يكون المقابل للمعلوم معلوما ، وذلك محال .
واعلم أن من اعتبر هذه المراتب العشرة في كل جزء من جزئيات الموجودات فقد انفتحت عليه أبواب مباحث لا نهاية لها ، ولا يحيط عقله بأقل القليل منها ، فظهر بهذا كيفية الاستنباط للعلوم الكثيرة من الألفاظ القليلة .
في تقرير مشرع آخر لتصحيح ما ذكرناه من استنباط المسائل الكثيرة من هذه السورة :
اعلم أنا إذا ذكرنا مسألة واحدة في هذا الكتاب ودللنا على صحتها بوجوه عشرة فكل واحد من تلك الوجوه والدلائل مسألة بنفسها ، ثم إذا حكينا فيها مثلا شبهات خمسة فكل واحد منها أيضا مسألة مستقلة بنفسها ، ثم إذا أجبنا عن كل واحد منها بجوابين أو ثلاثة فتلك الأجوبة الثلاثة أيضا مسائل ثلاثة ، وإذا قلنا مثلا : الألفاظ الواردة في كلام العرب جاءت على ستين وجها ، وفصلنا تلك الوجوه ، فهذا الكلام في الحقيقة ستون مسألة ، وذلك لأن المسألة لا معنى لها إلا موضع السؤال والتقرير ، فلما كان كل واحد من هذه الوجوه كذلك كان كل واحد منها مسألة على حدة ، وإذا وقفت على هذه الدقيقة فنقول : إنا لو اعتبرنا المباحث المتعلقة بالاسم والفعل ، ثم ننزل منها إلى المباحث المتعلقة بتقسيم الأفعال بالمعلوم والمذكور ، والمباحث المتعلقة بالموجود والمعدوم ، والمباحث المتعلقة بالواجب والممكن ، والمباحث المتعلقة بالجوهر والعرض ، والمباحث المتعلقة بمقولة الكيف وكيفية انقسامه إلى الكيفية المحسوسة وغير المحسوسة ، والمباحث المتعلقة بالصوت وكيفية حدوثه وكيفية العضلات المحدثة للأصوات والحروف - عظم الخطب ، واتسع الباب ، ولكنا نبدأ في هذا الكتاب بالمباحث المتعلقة بالكلمة والكلام والقول واللفظ والعبارة ، ثم ننزل منها إلى المباحث المتعلقة بالاسم والفعل والحرف ، ثم ننزل منها إلى المباحث المتعلقة بتقسيمات الأسماء والأفعال والحروف حتى ننتهي إلى الأنواع الثلاثة الموجودة في قوله : { أعوذ بالله } ونرجو من فضل الله العميم أن يوفقنا للوصول إلى هذا المطلوب الكريم .
في العلوم المستنبطة من قوله : { أعوذ بالله من الشيطان الرجيم } :
اعلم أن العلوم المستنبطة من هذه الكلمة نوعان : أحدهما : المباحث المتعلقة باللغة والإعراب والثاني : المباحث المتعلقة بعلم الأصول والفروع .
القسم الأول من هذا الكتاب في المباحث الأدبية المتعلقة بهذه الكلمة ، وفيه أبواب .
في المباحث المتعلقة بالكلمة ، وما يجري مجراها ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن أكمل الطرق في تعريف مدلولات الألفاظ هو طريقة الاشتقاق ، ثم إن الاشتقاق على نوعين : الاشتقاق الأصغر ، والاشتقاق الأكبر ، أما الاشتقاق الأصغر فمثل اشتقاق صيغة الماضي والمستقبل من المصدر ، ومثل اشتقاق اسم الفاعل واسم المفعول وغيرهما منه ، وأما الاشتقاق الأكبر فهو أن الكلمة إذا كانت مركبة من الحروف كانت قابلة للانقلابات لا محالة ، فنقول : أول مراتب هذا التركيب أن تكون الكلمة مركبة من حرفين ومثل هذه الكلمة لا تقبل إلا نوعين من التقليب ، كقولنا «من » وقلبه «نم » وبعد هذه المرتبة أن تكون الكلمة مركبة من ثلاثة أحرف كقولنا «حمد » وهذه الكلمة تقبل ستة أنواع من التقليبات ، وذلك لأنه يمكن جعل كل واحد من تلك الحروف الثلاثة ابتداء لتلك الكلمة ، وعلى كل واحد من التقديرات الثلاث فإنه يمكن وقوع الحرفين الباقيين على وجهين لكن ضرب الثلاثة في اثنين بستة فهذه التقليبات الواقعة في الكلمات الثلاثيات يمكن وقوعها على ستة أوجه ، ثم بعد هذه المرتبة أن تكون الكلمة رباعية كقولنا «عقرب ، وثعلب » وهي تقبل أربعة وعشرين وجها من التقليبات ، وذلك لأنه يمكن جعل كل واحد من تلك الحروف الأربعة ابتداء لتلك الكلمة ، وعلى كل واحد من تلك التقديرات الأربعة فإنه يمكن وقوع الحروف الثلاثة الباقية على ستة أنواع من التقليبات ، وضرب أربعة في ستة يفيد أربعة وعشرين وجها ، ثم بعد هذه المرتبة أن تكون الكلمة خماسية كقولنا «سفرجل » وهي تقبل مائة وعشرين نوعا من التقليبات ، وذلك لأنه يمكن جعل كل واحد من تلك الحروف الخمسة ابتداء لتلك الكلمة وعلى كل واحد من هذه التقديرات فإنه يمكن وقوع الحروف الأربعة الباقية على أربعة وعشرين وجها على ما سبق تقريره ، وضرب خمسة في أربعة وعشرين بمائة وعشرين والضابط في الباب أنك إذا عرفت التقاليب الممكنة في العدد الأقل ثم أردت أن تعرف عدد التقاليب الممكنة في العدد الذي فوقه فاضرب العدد الفوقاني في العدد الحاصل من التقاليب الممكنة في العدد الفوقاني ، والله أعلم .
المسألة الثانية : اعلم أن اعتبار حال الاشتقاق الأصغر سهل معتاد مألوف ، أما الاشتقاق الأكبر فرعايته صعبة ، وكأنه لا يمكن رعايته إلا في الكلمات الثلاثية لأن تقاليبها لا تزيد على الستة ، أما الرباعيات والخماسيات فإنها كثيرة جدا ، وأكثر تلك التركيبات تكون مهملة فلا يمكن رعاية هذا النوع من الاشتقاق فيها إلا على سبيل الندرة .
وأيضا الكلمات الثلاثية قلما يوجد فيها ما يكون جميع تقاليبها الممكنة معتبرة . بل يكون في الأكثر بعضها مستعملا وبعضها مهملا ، ومع ذلك فإن القدر الممكن منه هو الغاية القصوى في تحقيق الكلام في المباحث اللغوية .
المسألة الثالثة في تفسير الكلمة : اعلم أن تركيب الكاف واللام والميم بحسب تقاليبها الممكنة الستة تفيد القوة والشدة ، خمسة منها معتبرة ، وواحدة ضائع ، فالأول «ك ل م » فمنه الكلام ، لأنه يقرع السمع ويؤثر فيه ، وأيضا يؤثر في الذهن بواسطة إفادة المعنى ، ومنه الكلم للجرح ، وفيه شدة ، والكلام ما غلظ من الأرض ، وذلك لشدته ، الثاني : «ك م ل » لأن الكامل أقوى من الناقص ، والثالث : «ل ك م » ومعنى الشدة في اللكم ظاهر ، والرابع «م ك ل » ومنه «بئر مكول » إذا قل ماؤها ، وإذا كان كذلك كان ورودها مكروها فيحصل نوع شدة عند ورودها ، الخامس «م ل ك » يقال «ملكت العجين » إذا أمعنت عجنه فاشتد وقوى ، ومنه «ملك الإنسان » لأنه نوع قدرة ، و«أملكت الجارية » لأن بعلها يقدر عليها .
المسألة الرابعة : لفظ الكلمة قد يستعمل في اللفظة الواحدة ويراد بها الكلام الكثير الذي قد ارتبط بعضه ببعض كتسميتهم القصيدة بأسرها «كلمة » ، ومنها يقال : «كلمة الشهادة » ، ويقال : «الكلمة الطيبة صدقة » ، ولما كان المجاز أولى من الاشتراك علمنا أن إطلاق لفظ الكلمة على المركب مجاز ، وذلك لوجهين ، الأول : أن المركب إنما يتركب من المفردات ، فإطلاق لفظ الكلمة على الكلام المركب يكون إطلاقا لاسم الجزء على الكل ، والثاني : أن الكلام الكثير إذا ارتبط بعضه ببعض حصلت له وحدة فصار شبيها بالمفرد في تلك الوجوه ، والمشابهة سبب من أسباب حسن المجاز ، فأطلق لفظ الكلمة على الكلام الطويل لهذا السبب .
المسألة الخامسة : لفظ الكلمة جاء في القرآن لمفهومين آخرين : أحدهما : يقال لعيسى كلمة الله ، إما لأنه حدث بقوله «كن » أو لأنه حدث في زمان قليل كما تحدث الكلمة كذلك ، والثاني : أنه تعالى سمى أفعاله كلمات ، كما قال تعالى في الآية الكريمة : { قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي } والسبب فيه الوجهان المذكوران فيما تقدم والله أعلم .
المسألة السادسة في القول : هذا التركيب بحسب تقاليبه الستة يدل على الحركة والخفة ، فالأول «ق و ل » فمنه القول ؛ لأن ذلك أمر سهل على اللسان ، الثاني «ق ل و » ومنه القلو وهو حمار الوحش ، وذلك لخفته في الحركة ومنه «قلوت البر والسويق » فهما مقلوان ، لأن الشيء إذا قلى جف وخف فكان أسرع إلى الحركة ، ومنه القلولي ، وهو الخفيف الطائش ، والثالث «و ق ل » الوقل الوعل ، وذلك لحركته ، ويقال «توقل في الجبل » إذا صعد فيه ، والرابع «و ل ق » يقال : ولق يلق إذا أسرع ، وقرئ { إذ تلقونه بألسنتكم } أي : تخفون وتسرعون ، والخامس «ل و ق » كما جاء في الحديث «لا آكل الطعام إلا ما لوق لي » أي : أعملت اليد في تحريكه وتليينه حتى يصلح ، ومنه اللوقة وهي الزبدة قيل لها ذلك لخفتها وإسراع حركتها لأنه ليس بها مسكة الجبن والمصل ، والسادس «ل ق و » ومنه اللقوة وهي العقاب ، قيل لها ذلك لخفتها وسرعة طيرانها ، ومنه اللقوة في الوجه لأن الوجه اضطرب شكله فكأنه خفة فيه وطيش ، واللقوة الناقة السريعة اللقاح .
المسألة السابعة : قال ابن جني رحمه الله تعالى : اللغة فعلة من لغوت أي : تلكمت ، وأصلها لغوة ككرة وقلة فإن لاماتها كلها واوات ، بدليل قولهم كروت بالكرة وقلوت بالقلة ، وقيل فيه لغى يلغى إذا هذا ، ومنه قوله تعالى : { وإذا مروا باللغو مروا كراما } قلت : إن ابن جني قد اعتبر الاشتقاق الأكبر في الكلمة والقول ولم يعتبره ههنا ، وهو حاصل فيه ، فالأول «ل غ و » ومنه اللغة ومنه أيضا الكلام اللغو ، والعمل اللغو ، والثاني «ل و غ » ويبحث عنه ، والثالث «غ ل و » ومنه يقال : لفلان غلو في كذا ، ومنه الغلوة ، والرابع «غ و ل » ومنه قوله تعالى { لا فيها غول } والخامس «و غ ل » ومنه يقال : فلان أوغل في كذا والسادس «و ل غ » ومنه يقال : ولغ الكلب في الإناء ، ويشبه أن يكون القدر المشترك بين الكل هو الإمعان في الشيء والخوض التام فيه .
المسألة الثامنة في اللفظ : وأقول : أظن أن إطلاق اللفظ على هذه الأصوات والحروف على سبيل المجاز ، وذلك لأنها إنما تحدث عنه إخراج النفس من داخل الصدر إلى الخارج فالإنسان عند إخراج النفس من داخل الصدر إلى الخارج يحبسه في المحابس المعينة ، ثم يزيل ذلك الحبس ، فتتولد تلك الحروف في آخر زمان حبس النفس وأول زمان إطلاقه ، والحاصل أن اللفظ هو : الرمي ، وهذا المعنى حاصل في هذه الأصوات والحروف من وجهين : الأول أن الإنسان يرمي ذلك النفس من داخل الصدر إلى خارجه ويلفظه ، وذلك هو الإخراج ، واللفظ سبب لحدوث هذه الكلمات ، فأطلق اسم اللفظ على هذه الكلمات لهذا السبب ، والثاني : أن تولد الحروف لما كان بسبب لفظ ذلك الهواء من الداخل إلى الخارج صار ذلك شبيها بما أن الإنسان يلفظ تلك الحروف ويرميها من الداخل إلى الخارج ، والمشابهة إحدى أسباب المجاز .
المسألة التاسعة ، العبارة : وتركيبها من «ع ب ر » وهي في تقاليبها الستة تفيد العبور والانتقال ، فالأول «ع ب ر » ومنه العبارة لأن الإنسان لا يمكنه أن يتكلم بها إلا إذا انتقل من حرف إلى حرف آخر ؛ وأيضا كأنه بسبب تلك العبارة ينتقل المعنى من ذهن نفسه إلى ذهن السامع ، ومنه العبرة لأن تلك الدمعة تنتقل من داخل العين إلى الخارج ، ومنه العبر لأن الإنسان ينتقل فيها من الشاهد إلى الغائب . ومنه المعبر لأن الإنسان ينتقل بواسطته من أحد طرفي البحر إلى الثاني ، ومنه التعبير لأنه ينتقل مما يراه في النوم إلى المعاني الغائبة ، والثاني «ع ر ب » ومنه تسمية العرب بالعرب لكثرة انتقالاتهم بسبب رحلة الشتاء والصيف ومنه «فلان أعرب في كلامه » لأن اللفظ قبل الإعراب يكون مجهولا فإذا دخله الإعراب انتقل إلى المعرفة والبيان ، والثالث «ب ر ع » ومنه «فلان برع في كذا » إذا تكامل وتزايد ، الرابع «ب ع ر » ومنه البعر لكونه منتقلا من الداخل إلى الخارج ، الخامس «ر ع ب » ومنه يقال للخوف رعب لأن الإنسان ينتقل عند حدوثه من حال إلى حال أخرى ، والسادس «ر ب ع » ومنه الربع لأن الناس ينتقلون منها وإليها .
المسألة العاشرة : قال أكثر النحوين : الكلمة غير الكلام ، فالكلمة هي اللفظة المفردة ، والكلام هو الجملة المفيدة ، وقال أكثر الأصوليين إنه لا فرق بينهما ، فكل واحد منهما يتناول المفرد والمركب ، وابن جني وافق النحويين واستبعد قول المتكلمين ، وما رأيت في كلامه حجة قوية في الفرق سوى أنه نقل عن سيبويه كلاما مشعرا بأن لفظ الكلام مختص بالجملة المفيدة ، وذكر كلمات أخرى إلا أنها في غاية الضعف ، أما الأصوليون فقد احتجوا على صحة قولهم بوجوه ، الأول : أن العقلاء قد اتفقوا على أن الكلام ما يضاد الخرس والسكوت ، والتكلم بالكلمة الواحدة يضاد الخرس والسكوت ، فكان كلاما ، الثاني : أن اشتقاق الكلمة من الكلم ، وهو الجرح والتأثير ، ومعلوم أن من سمع كلمة واحدة فإنه يفهم معناها ، فههنا قد حصل معنى التأثير ، فوجب أن يكون كلاما ، والثالث : يصح أن يقال : إن فلانا تكلم بهذه الكلمة الواحدة ، ويصح أن يقال أيضا : أنه ما تكلم إلا بهذه الكلمة الواحدة ، وكل ذلك يدل على أن الكلمة الواحدة كلام ، وإلا لم يصح أن يقال تكلم بالكلمة الواحدة ، الرابع : أنه يصح أن يقال تكلم فلان بكلام غير تام ، وذلك يدل على أن حصول الإفادة التامة غير معتبر في اسم الكلام .
المسألة الحادية عشرة : تفرع على الاختلاف المذكور مسألة فقهية ، وهي أولى مسائل أيمان الجامع الكبير لمحمد بن الحسن رحمه الله تعالى ، وهي أن الرجل إذا قال لامرأته التي لم يدخل بها : إن كلمتك فأنت طالق ثلاث مرات ، قالوا : إن ذكر هذا الكلام في المرة الثانية طلقت طلقة واحدة ، وهل تنعقد هذه الثانية طلقة ؟ قال أبو حنيفة وصاحباه : تنعقد ، وقال زفر : لا تنعقد ، وحجة زفر أنه لما قال في المرة الثانية إن كلمتك فعند هذا القدر من الكلام حصل الشرط ، لأن اسم الكلام اسم لكل ما أفاد شيئا ، سواء أفاد فائدة تامة أو لم يكن كذلك وإذا حصل الشرط حصل الجزاء ، وطلقت عند قوله إن كلمتك ، فوقع تمام قوله : «أنت طالق » خارج تمام ملك النكاح ، وغير مضاف إليه ، فوجب أن لا تنعقد ، وحجة أبي حنيفة أن الشرط -وهو قوله إن كلمتك- غير تام ، والكلام اسم للجملة التامة ، فلم يقع الطلاق إلا عند تمام قوله إن كلمتك فأنت طالق ، وحاصل الكلام أنا إن قلنا إن اسم الكلام يتناول الكلمة الواحدة كان القول قول زفر ، وإن قلنا إنه لا يتناول إلا الجملة فالقول قول أبي حنيفة ومما يقوي قول زفر أنه لو قال في المرة الثانية «إن كلمتك » وسكت عليه ولم يذكر بعده قوله «فأنت طالق » طلقت ، لولا أن هذا القدر كلام وإلا لما طلقت ، ومما يقوي قول أبي حنيفة أنه لو قال «كلما كلمتك فأنت طالق » ثم ذكر هذه الكلمة في المرة الثانية فكلمة «كلما » توجب التكرار فلو كان التكلم بالكلمة الواحدة كلاما لوجب أن يقع عليه الطلقات الثلاث عند قوله في المرة الثانية «كلما كلمتك » وسكت عليه ولم يذكر بعده قوله «فأنت طالق » لأن هذا المجموع مشتمل على ذكر الكلمات الكثيرة ، وكل واحد منها يوجب وقوع الطلاق وأقول : لعل زفر يلتزم ذلك .
المسألة الثانية عشرة : محل الخلاف المذكور بين أبي حنيفة وزفر ينبغي أن يكون مخصوصا بما إذا قال «إن كلمتك فأنت طالق » أما لو قال «إن تكلمت بكلمة فأنت طالق » أو قال «إن نطقت » أو قال : «إن تلفظت بلفظة » أو قال «إن قلت قولا فأنت طالق » وجب أن يكون الحق في جميع هذه المسائل قول زفر قولا واحدا ، والله أعلم .
المسألة الثالثة عشرة : لفظ الكلمة والكلام هل يتناول المهمل أم لا ؟ منهم من قال يتناوله لأنه يصح أن يقال الكلام منه مهمل ومنه مستعمل ، ولأنه يصح أن يقال تكلم بكلام غير مفهوم ، ولأن المهمل يؤثر في السمع فيكون معنى التأثير والكلام حاصلا فيه ، ومنهم من قال الكلمة والكلام مختصان بالمفيد ، إذ لو لم يعتبر هذا القيد لزم تجويز تسمية أصوات الطيور بالكلمة والكلام .
المسألة الرابعة عشرة : إذا حصلت أصوات متركبة تركيبا يدل على المعاني إلا أن ذلك التركيب كان تركيبا طبيعيا لا وضعيا فهل يسمى مثل تلك الأصوات كلمة وكلاما ؟ مثل أن الإنسان عند الراحة أو الوجع قد يقول أخ ، وعند السعال قد يقول أح أح ، فهذه أصوات مركبة ، وحروف مؤلفة ، وهي دالة على معان مخصوصة ، لكن دلالتها على مدلولاتها بالطبع لا بالوضع ، فهل تسمى أمثالها كلمات ؟ وكذلك صوت القطا يشبه كأنه يقول قطا ، وصوت اللقلق يشبه كأنه يقول لق لق ، فأمثال هذه الأصوات هل تسمى كلمات ؟ اختلفوا فيه ، وما رأيت في الجانبين حجة معتبرة ، وفائدة هذا البحث تظهر فيما إذا قال : إن سمعت كلمة فعبدي حر ، فهل يترتب الحنث والبر على سماع هذه الألفاظ أم لا ؟ .
المسألة الخامسة عشرة : قال ابن جني : لفظ القول يقع على الكلام التام ، وعلى الكلمة الواحدة ، على سبيل الحقيقة ، أما لفظ الكلام فمختص بالجملة التامة ، ولفظ الكلمة مختص بالمفرد وحاصل كلامه في الفرق بين البابين أنا إذا بينا أن تركيب القول يدل على الخفة والسهولة وجب أن يتناول الكلمة الواحدة ، أما تركيب الكلام فيفيد التأثير ، وذلك لا يحصل إلا من الجملة التامة ؛ إلا أن هذا يشكل بلفظ الكلمة ، ومما يقوي ذلك قول الشاعر :
قلت لها قفي فقالت قاف *** . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المسألة السادسة عشرة : قال أيضا إن لفظ القول يصح جعله مجازا عن الاعتقادات والآراء ، كقولك : فلان يقول بقول أبي حنيفة ، ويذهب إلى قول مالك ، أي : يعتقد ما كانا يريانه ويقولان به ، ألا ترى أنك لو سألت رجلا عن صحة رؤية الله تعالى فقال : لا تجوز رؤيته ، فتقول : هذا قول المعتزلة ، ولا تقول هذا كلام المعتزلة إلا على سبيل التعسف ، وذكر أن السبب في حسن هذا المجاز أن الإعتقاد لا يفهم إلا بغيره ، فلما حصلت المشابهة من هذا الوجه لا جرم حصل سبب جعله مجازا عنه .
المسألة السابعة عشرة : لفظ قال قد يستعمل في غير النطق ، قال أبو النجم :
قالت له الطير تقدم راشدا *** إنك لا ترجع إلا حامدا
وقالت له العينان سمعا وطاعة *** وحدرتا كالدر لما يثقب
امتلأ الحوض وقال : قطني *** مهلا رويدا قد ملأت بطني
ويقال في المثل : قال الجدار للوتد لم تشقني ، قال : سل من يدقني ، فإن الذي ورايي ما خلاني ورايي ، ومنه قوله تعالى : { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } وقوله تعالى : { فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين } .
المسألة الثامنة عشرة : الذين ينكرون كلام النفس اتفقوا على أن الكلام والقول اسم لهذه الألفاظ والكلمات ، أما مثبتو كلام النفس فقد اتفقوا على أن ذلك المعنى النفساني يسمى بالكلام وبالقول ، واحتجوا عليه بالقرآن والأثر والشعر : أما القرآن فقوله تعالى : { والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } وظاهر أنهم ما كانوا كاذبين في اللفظ لأنهم أخبروا أن محمدا رسول الله وكانوا صادقين فيه ، فوجب أن يقال إنهم كانوا كاذبين في كلام آخر سوى اللفظ وما هو إلا كلام النفس ، ولقائل أن يقول : لا نسلم أنهم ما كانوا كاذبين في القول اللساني ، قوله : «أخبروا أن محمدا رسول الله » قلنا : لا نسلم بل أخبروا عن كونهم شاهدين بأن محمدا رسول الله ، لأنهم كانوا قالوا : { نشهد إنك لرسول الله } والشهادة لا تحصل إلا مع العلم ، وهم ما كانوا عالمين به ، فثبت أنهم كانوا كاذبين ، فيما أخبروا عنه بالقول اللساني ، وأيما الأثر فما نقل أن عمر قال يوم السقيفة : كنت قد زورت في نفسي كلاما فسبقني إليه أبو بكر ، وأما الشاعر فقول الأخطل :
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما *** جعل اللسان على الفؤاد دليلا
وأما اللذين أنكروا كون المعنى القائم بالنفس يسمى بالكلام فقد احتجوا عليه بأن من لم ينطق ولم يتلفظ بالحروف يقال إنه لم يتكلم ، وأيضا الحنث والبر يتعلق بهذه الألفاظ ، ومن أصحابنا من قال : اسم القول والكلام مشترك بين المعنى النفساني وبين اللفظ اللساني .
المسألة التاسعة عشرة : هذه الكلمات والعبارات قد تسمى أحاديث ، قال الله تعالى : { فليأتوا بحديث مثله } والسبب في هذه التسمية أن هذه الكلمات إنما تتركب من الحروف المتعاقبة المتوالية فكل واحد من تلك الحروف يحدث عقيب صاحبه ، فلهذا السبب سميت بالحديث ويمكن أيضا أن يكون السبب في هذه التسمية أن سماعها يحدث في القلوب العلوم والمعاني ، والله أعلم .
المسألة العشرون : ههنا ألفاظ كثيرة ، فأحدها الكلمة ، وثانيها الكلام ، وثالثها القول ، ورابعها اللفظ ، وخامسها العبارة ، وسادسها الحديث ، وقد شرحناها بأسرها ، وسابعها النطق ويجب البحث عن كيفية اشتقاقه ، وأنه هل هو مرادف لبعض تلك الألفاظ المذكورة أو مباين لها ، وبتقدير حصول المباينة فما الفرق .
المسألة الحادية والعشرون : في حد الكلمة ، قال الزمخشري في أول المفصل : الكلمة هي اللفظة الدالة على معنى مفرد بالوضع ، وهذا التعريف ليس بجيد ، لأن صيغة الماضي كلمة مع أنها لا تدل على معنى مفرد بالوضع ، فهذا التعريف غلط ، لأنها دالة على أمرين : حدث وزمان وكذا القول في أسماء الأفعال ، كقولنا : مه ، صه ، وسبب الغلط أنه كان يجب عليه جعل المفرد صفة للفظ ، فغلط وجعله صفة للمعنى .
المسألة الثانية والعشرون : اللفظ إما أن يكون مهملا ، وهو معلوم ، أو مستعملا وهو على ثلاثة أقسام : أحدها : أن لا يدل شيء من أجزائه على شيء من المعاني البتة ، وهذا هو اللفظ المفرد كقولنا فرس وجمل ، وثانيها : أن لا يدل شيء من أجزائه على شيء أصلا حين هو جزؤه أما باعتبار آخر فإنه يحصل لأجزائه دلالة على المعاني ، كقولنا : «عبد الله » فإنا إذا اعتبرنا هذا المجموع اسم علم لم يحصل لشيء من أجزائه دلالة على شيء أصلا ، أما إذا جعلناه مضافا ومضافا إليه فإنه يحصل لكل واحد من جزأيه دلالة على شيء آخر ، وهذا القسم نسميه بالمركب ، وثالثها : أن يحصل لكل واحد من جزأيه دلالة على مدلول آخر على جميع الاعتبارات ، وهو كقولنا : «العالم حادث ، والسماء كرة ، وزيد منطلق » وهذا نسميه بالمؤلف .
المسألة الثالثة والعشرون : المسموع المفيد ينقسم إلى أربعة أقسام : لأنه إما أن يكون اللفظ مؤلفا والمعنى مؤلفا كقولنا «الإنسان حيوان ، وغلام زيد » وإما أن يكون المسموع مفردا والمعنى مفردا ، وهو كقولنا «الوحدة » و«النقطة » بل قولنا «الله » سبحانه وتعالى ، وإما أن يكون اللفظ مفردا والمعنى مؤلفا وهو كقولك «إنسان » فإن للفظ مفرد والمعنى ماهية مركبة من أمور كثيرة ، وإما أن يكون اللفظ مركبا والمعنى مفردا ، وهو محال .
المسألة الرابعة والعشرون : الكلمة هي اللفظة المفردة الدالة بالاصطلاح على معنى ، وهذا التعريف مركب من قيود أربعة : فالقيد الأول كونه لفظا ، والثاني كونه مفردا ، وقد عرفتهما ، والثالث كونه دالا وهو احتراز عن المهملات ، والرابع كونه دالا بالاصطلاح وسنقيم الدلالة على أن دلالات الألفاظ وضعية لا ذاتية .
المسألة الخامسة والعشرون : قيل : الكلمة صوت مفرد دال على معنى بالوضع : قال أبو علي بن سينا في كتاب الأوسط : وهذا غير جائز لأن الصوت مادة واللفظ جنس ، وذكر الجنس أولى من ذكر المادة ، وله كلمات دقيقة في الفرق بين المادة والجنس ، ومع دقتها فهي ضعيفة قد بينا وجه ضعفها في العقليات ، وأقول : السبب عندي في أنه لا يجوز ذكر الصوت أن الصوت ينقسم إلى صوت الحيوان وإلى غيره ، وصوت الإنسان ينقسم إلى ما يحدث من حلقه وإلى غيره ، والصوت الحادث من الحلق ينقسم إلى ما يكون حدوثه مخصوصا بأحوال مخصوصة مثل هذه الحروف ، وإلى ما لا يكون كذلك مثل الأصوات الحادثة عند الأوجاع والراحات والسعال وغيرها ، فالصوت جنس بعيد ، واللفظ جنس قريب ، وإيراد الجنس القريب أولى من الجنس البعيد .
المسألة السادسة والعشرون : قالت المعتزلة : الشرط في كون الكلمة مفيدة أن تكون مركبة من حرفين فصاعدا ، فنقضوه بقولهم «ق » و «ع » وأجيب عنه بأنه مركب في التقدير فإن الأصل أن يقال «قي » و «عي » بدليل أن عند التثنية يقال «قيا » و «عيا » وأجيب عن هذا الجواب بأن ذلك مقدر ، أما الواقع فحرف واحد ، وأيضا نقضوه بلام التعريف وبنون التنوين وبالإضافة فإنها بأسرها حروف مفيدة ، والحرف نوع داخل تحت جنس الكلمة ، ومتى صدق النوع فقد صدق الجنس ، فهذه الحروف كلمات مع أنها غير مركبة .
المسألة السابعة والعشرون : الأولى أن يقال : كل منطوق به أفاد شيئا بالوضع فهو كلمة وعلى هذا التقدير يدخل فيه المفرد والمركب ، وبقولنا : منطوق به ، يقع الاحتراز عن الخط والإشارة .
المسألة الثامنة والعشرون : دلالة الألفاظ على مدلولاتها ليست ذاتية حقيقية ، خلافا لعباد لنا أنها تتغير باختلاف الأمكنة والأزمنة ، والذاتيات لا تكون كذلك ، حجة عباد أنه لو لم تحصل مناسبات مخصوصة بين الألفاظ المعينة والمعاني المعينة وإلا لزم أن يكون تخصيص كل واحد منها بمسماه ترجيحا للممكن من غير مرجح ، وهو محال ، وجوابنا أنه ينتقض باختصاص حدوث العالم بوقت معين دون ما قبله وما بعده ، وإلا لم يرجح ، ويشكل أيضا باختصاص كل إنسان باسم علمه المعين .
المسألة التاسعة والعشرون : وقد يتفق في بعض الألفاظ كونه مناسبا لمعناه مثل تسميتهم القطا بهذا الاسم ، لأن هذا اللفظ يشبه صوته ، وكذا القول في اللقلق ، وأيضا وضعوا لفظ «الخضم » لأكل الرطب نحو البطيخ والقثاء ، ولفظ «القضم » لأكل اليابس نحو قضمت الدابة شعيرها ، لأن حرف الخاء يشبه صوت أكل الشيء الرطب وحرف القاف يشبه صوت أكل الشيء اليابس ، ولهذا الباب أمثلة كثيرة ذكرها ابن جني في الخصائص .
المسألة الثلاثون : لا يمكننا القطع بأن دلالة الألفاظ توقيفية ، ومنهم من قطع به ، واحتج فيه بالعقل والنقل : أما العقل فهو أن وضع الألفاظ المخصوصة للمعاني المخصوصة لا يمكن إلا بالقول ، فلو كان ذلك القول بوضع آخر من جانبهم لزم أن يكون كل وضع مسبوقا بوضع آخر لا إلى نهاية ، وهو محال ، فوجب الانتهاء إلى ما حصل بتوقيف الله تعالى ، وأما النقل فقوله تعالى : { وعلم آدم الأسماء كلها } وأجيب عن الأول بأنه لم لا يجوز أن يكون وضع الألفاظ للمعاني يحصل بالإشارة ، وعن الثاني لم لا يجوز أن يكون المراد من التعليم الإلهام ؟ وأيضا لعل هذه اللغات وضعها أقوام كانوا قبل آدم عليه السلام ، ثم إنه تعالى علمها لآدم عليه السلام .
المسألة الحادية والثلاثون : لا يمكن القطع بأنها حصلت بالاصطلاح ، خلافا للمعتزلة ، واحتجوا بأن العلم بالصفة إذا كان ضروريا كان العلم بالموصوف أيضا ضروريا ، فلو خلق الله تعالى العلم في قلب العاقل بأنه وضع هذا اللفظ لهذا المعنى لزم أن يكون العلم بالله ضروريا وذلك يقدح في صحة التكليف ، وأجيب عنه بأنه لم لا يجوز أن يقال : إنه تعالى يخلق علما ضروريا في القلب بأن واضعا وضع هذا اللفظ لهذا المعنى من غير أن يخلق العلم بأن ذلك الواضع هو الله تعالى ؟ وعلى هذا التقدير فيزول الإشكال .
المسألة الثانية والثلاثون : لما ضعفت هذه الدلائل جوزنا أن تكون كل اللغات توقيفية وأن تكون كلها اصطلاحية ، وأن يكون بعضها توقيفيا وبعضها اصطلاحيا .
المسألة الثالثة والثلاثون : اللفظ المفرد لا يفيد البتة مسماه لأنه ما لم يعلم كون تلك اللفظة موضوعة لذلك المعنى لم يفد شيئا ، لكن العلم بكونها موضوعة لذلك المعنى علم بنسبة مخصوصة بين ذلك اللفظ وذلك المعنى ، والعلم بالنسبة المخصوصة بين أمرين مسبوق بكل واحد منهما فلو كان العلم بذلك المعنى مستفادا من ذلك اللفظ لزم الدور . وهو محال ، وأجيب عنه بأنه يحتمل أنه إذا استقر في الخيال مقارنة بين اللفظ المعين والمعنى المعين فعند حصول الشعور باللفظ ينتقل الخيال إلى المعنى ، وحينئذ يندفع الدور .
المسألة الرابعة والثلاثون : والأشكال المذكور في المفرد غير حاصل في المركب ؛ لأن إفادة الألفاظ المفردة لمعانيها إفادة وضعية ، أما التركيبات فعقلية ، فلا جرم عند سماع تلك المفردات يعتبر العقل تركيباتها ثم يتوصل بتلك التركيبات العقلية إلى العلم بتلك المركبات ، فظهر الفرق .
المسألة الخامسة والثلاثون : للألفاظ دلالات على ما في الأذهان لا على ما في الأعيان ولهذا السبب يقال : الألفاظ تدل على المعاني ، لأن المعاني هي التي عناها العاني ، وهي أمور ذهنية ، والدليل على ما ذكرناه من وجهين : الأول : أنا إذا رأينا جسما من البعد وظنناه صخرة قلنا إنه صخرة ، فإذا قربنا منه وشاهدنا حركته وظنناه طيرا قلنا أنه طير ، فإذا ازداد القرب علمنا أنه إنسان فقلنا إنه إنسان ، فاختلاف الأسماء عند اختلاف التصورات الذهنية يدل على أن مدلول الألفاظ هو الصور الذهنية لا الأعيان الخارجة ، الثاني : أن اللفظ لو دل على الموجود الخارجي لكان إذا قال إنسان العالم قديم وقال آخر العالم حادث لزم كون العالم قديما حادثا معا ، وهو محال ، أما إذا قلنا إنها دالة على المعاني الذهنية كان هذان القولان دالين على حصول هذين الحكمين من هذين الإنسانين ، وذلك لا يتناقض .
المسألة السادسة والثلاثون : لا يمكن أن تكون جميع الماهيات مسميات بالألفاظ ، لأن الماهيات غير متناهية ، وما لا نهاية له لا يكون مشعورا به على التفصيل ، وما لا يكون مشعورا به امتنع وضع الاسم بإزائه .
المسألة السابعة والثلاثون : كل معنى كانت الحاجة إلى التعبير عنه أهم ، كان وضع اللفظ بإزائه أولى ، مثل صيغ الأوامر والنواهي ، والعموم والخصوص ، والدليل عليه أن الحاجة إلى التعبير عنها ماسة فيكون الداعي إلى ذلك الوضع كاملا ، والمانع زائلا ، وإذا كان الداعي قويا والمانع زائلا ، كان الفعل به واجب الحصول .
المسألة الثامنة والثلاثون : المعنى الذي يكون خفيا عند الجمهور يمتنع كونه مسمى باللفظ المشهور ، مثاله لفظة الحركة لفظة مشهورة وكون الجسم منتقلا من جانب إلى جانب أمر معلوم لكل أحد ، أما الذي يقول به بعض المتكلمين -وهو المعنى الذي يوجب ذلك الانتقال- فهو أمر خفي لا يتصوره إلا الخواص من الناس ، وإذا كان كذلك وجب أن يقال : الحركة اسم لنفس هذا الانتقال لا للمعنى الذي يوجب الانتقال وكذلك يجب أن يكون العلم اسما لنفس العالمية ، والقدرة اسما للقادرية ، لا للمعنى الموجب للعالمية والقادرية .
المسألة التاسعة والثلاثون في المعنى : المعنى اسم للصورة الذهنية لا للموجودات الخارجية لأن المعنى عبارة عن الشيء الذي عناه العاني وقصده القاصد ، وذاك بالذات هو الأمور الذهنية ، وبالعرض الأشياء الخارجية ، فإذا قيل : أن القائل أراد بهذا اللفظ هذا المعنى ، فالمراد أنه قصد بذكر ذلك اللفظ تعريف ذلك الأمر المتصور .
المسألة الأربعون : قد يقال في بعض المعاني : إنه لا يمكن تعريفها بالألفاظ ، مثل أنا ندرك بالضرورة تفرقة بين الحلاوة المدركة من النبات والحلاوة المدركة من الطبرزذ ، فيقال : إنه لا سبيل إلى تعريف هذه التفرقة بحسب اللفظ ، وأيضا ربما اتفق حصول أحوال في نفس بعض الناس ولا يمكنه تعريف تلك الحالة بحسب التعريفات اللفظية ، إذا عرفت هذا فنقول : أما القسم الأول فالسبب فيه أن ما به يمتاز حلاوة النبات من حلاوة الطبرزذ ما وضعوا له في اللغة لفظة معينة ، بل لا يمكن ذكرها إلا على سبيل الإضافة ، مثل أن يقال حلاوة النبات وحلاوة الطبرزذ ، فلما لم توضع لتلك التفرقة لفظة مخصوصة لا جرم لا يمكن تعريفها باللفظ ، ولو أنهم وضعوا لها لفظة لقد كان يمكن تعريفها باللفظ على ذلك التقدير ، وأما القسم الثاني : وهو أن الإنسان إذا أدرك من نفسه حالة مخصوصة وسائر الناس ما أدركوا تلك الحالة المخصوصة استحال لهذا المدرك وضع لفظ لتعريفه ، لأن السامع ما لم يعرف المسمى أولا لم يمكنه أن يفهم كون هذا اللفظ موضوعا له ، فلما لم يحصل تصور تلك المعاني عند السامعين امتنع منهم أن يتصوروا كون هذه الألفاظ موضوعة لها ، فلا جرم امتنع تعريفها ، أما لو فرضنا أن جماعة تصوروا تلك المعاني ثم وضعوا لها ألفاظا مخصوصة فعلى هذا التقدير كان يمكن تعريف تلك الأحوال بالبيانات اللفظية -فهكذا يجب أن يتصور معنى ما يقال إن كثيرا من المعاني لا يمكن تعريفها بالألفاظ .
المسألة الحادية والأربعون : في الحكمة في وضع الألفاظ للمعاني : وهي أن الإنسان خلق بحيث لا يستقل بتحصيل جميع مهماته فاحتاج إلى أن يعرف غيره ما في ضميره ليمكنه التوسل به إلى الاستعانة بالغير ، ولابد لذلك التعريف من طريق ، والطرق كثيرة مثل الكتابة والإشارة والتصفيق باليد والحركة بسائر الأعضاء ، إلا أن أسهلها وأحسنها هو تعريف ما في القلوب والضمائر بهذه الألفاظ ، ويدل عليه وجوه : أحدها : أن النفس عند الإخراج سبب لحدوث الصوت ، والأصوات عند تقطيعاتها أسباب لحدوث الحروف المختلفة ، وهذه المعاني تحصل من غير كلفة ومعونة بخلاف الكتابة والإشارة وغيرهما ، والثاني : أن هذه الأصوات كما توجد تفنى عقيبه في الحال ، فعند الاحتياج إليه تحصل وعند زوال الحاجة تفنى وتنقضي ، والثالث : أن الأصوات بحسب التقطيعات الكثيرة في مخارج الحروف تتولد منها الحروف الكثيرة ، وتلك الحروف الكثيرة بحسب تركيباتها الكثيرة يتولد منها كلمات تكاد أن تصير غير متناهية ، فإذا جعلنا لكل واحد من المعاني واحدا من تلك الكلمات توزعت الألفاظ على المعاني من غير التباس واشتباه ، ومثل هذا لا يوجد في الإشارة والتصفيق ، فلهذه الأسباب الثلاثة قضت العقول السليمة ، بأن أحسن التعريفات لما في القلوب هو الألفاظ .
المسألة الثانية والأربعون : كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته ، والخير لأجل العمل به ، وجوهر النفس في أصل الخلقة عار عن هذين الكمالين ، ولا يمكنها اكتساب هذه الكمالات إلا بواسطة هذا البدن ، فصار تخليق هذا البدن مطلوبا لهذه الحكمة ، ثم إن مصالح هذا البدن ما كانت تتم إلا إذا كان القلب ينبوعا للحرارة الغريزية ، ولما كانت هذه الحرارة قوية احتاجت إلى الترويح لأجل التعديل ، فدبر الخالق الرحيم الحكيم هذا المقصود بأن جعل للقلب قوة انبساط بها يجذب الهواء البارد من خارج البدن إلى نفسه ، ثم إذا بقي ذلك الهواء في القلب لحظة تسخن واحتد وقويت حرارته ، فاحتاج القلب إلى دفعه مرة أخرى ، وذلك هو الانقباض فإن القلب إذا انقبض انعصر ما فيه من الهواء وخرج إلى الخارج ، فهذا هو الحكمة في جعل الحيوان متنفسا ، والمقصود بالقصد الأول هو تكميل جوهر النفس بالعلم والعمل ، فوقع تخليق البدن في المرتبة الثانية من المطلوبية ، ووقع تخليق القلب وجعله منبعا للحرارة الغريزية في المرتبة الثالثة ، ووقع إقدار القلب على الانبساط الموجب لانجذاب الهواء الطيب من الخارج لأجل الترويح في المرتبة الرابعة ، ووقع إقدار القلب على الانقباض الموجب لخروج ذلك الهواء المحترق في المرتبة الخامسة ، ووقع صرف ذلك الهواء الخارج عند انقباض القلب إلى مادة الصوت في المرتبة السادسة ، ثم إن المقدر الحكيم والمدبر الرحيم جعل هذا الأمر المطلوب على سبيل الغرض الواقع في المرتبة السابعة مادة للصوت ، وخلق محابس ومقاطع للصوت في الحلق واللسان والأسنان والشفتين . وحينئذ يحدث بذلك السبب هذه الحروف المختلفة ، ويحدث من تركيباتها الكلمات التي لا نهاية لها ، ثم أودع في هذا النطق والكلام حكما عالية وأسرارا باهرة عجزت عقول الأولين والآخرين عن الإحاطة بقطرة من بحرها وشعلة من شمسها ، فسبحان الخالق المدبر بالحكمة الباهرة والقدرة الغير متناهية .
المسألة الثالثة والأربعون : ظهر بما قلناه أنه لا معنى للكلام اللساني إلا الاصطلاح من الناس على جعل هذه الأصوات المقطعة والحروف المركبة معرفات لما في الضمائر ، ولو قدرنا أنهم كانوا قد تواضعوا على جعل أشياء غيرها معرفات لما في الضمائر لكانت تلك الأشياء كلاما أيضا ، وإذا كان كذلك لم يكن الكلام صفة حقيقية مثل العلم والقدرة والإرادة ، بل أمرا وضعيا اصطلاحيا ، والتحقيق في هذا الباب : أن الكلام عبارة عن فعل مخصوص يفعله الحي القادر لأجل أن يعرف غيره ما في ضميره من الإرادات والاعتقادات ، وعند هذا يظهر أن المراد من كون الإنسان متكلما بهذه الحروف مجرد كونه فاعلا لها لهذا الغرض المخصوص ، وأما الكلام الذي هو صفة قائمة بالنفس فهي صفة حقيقية كالعلوم والقدر والإرادات .
المسألة الرابعة والأربعون : لما ثبت أن الألفاظ دلائل على ما في الضمائر والقلوب ، والمدلول عليه بهذه الألفاظ هو الإرادات والاعتقادات أو نوع آخر ، قالت المعتزلة : صيغة «افعل » لفظة موضوعة لإرادة الفعل ، وصيغة الخبر لفظة موضوعة لتعريف أن ذلك القائل يعتقد أن الأمر لفلاني كذا وكذا ، وقال أصحابنا : الطلب النفساني مغاير للإرادة ، والحكم الذهني أمر مغاير للاعتقاد ، أما بيان أن الطلب النفساني مغاير للإرادة فالدليل عليه أنه تعالى أمر الكافر بالإيمان ، وهذا متفق عليه ، ولكن لم يرد منه الإيمان ، ولو أراده لوقع ، ويدل عليه وجهان : الأول : أن قدرة الكافر إن كانت موجبة للكفر كان خالق تلك القدرة مريدا للكفر ، لأن مريد العلة مريد للمعلول ، وإن كانت صالحة للكفر والإيمان امتنع رجحان أحدهما على الآخر إلا بمرجح ، وذلك المرجح إن كان من العبد عاد التقسيم الأول فيه ، وإن كان من الله تعالى فحينئذ يكون مجموع القدرة مع الداعية موجبا للكفر ، ومريد العلة مريد للمعلول ، فثبت أنه تعالى مريد الكفر من الكافر ، والثاني : أنه تعالى عالم بأن الكافر يكفر وحصول هذا العلم ضد لحصول الإيمان ، والجمع بين الضدين محال ، والعالم بكون الشيء ممتنع الوقوع لا يكون مريدا له ، فثبت أنه تعالى أمر الكافر بالإيمان ، وثبت أنه لا يريد منه الإيمان فوجب أن يكون مدلول أمر الله تعالى فعل شيء آخر سوى الإرادة ، وذلك هو المطلوب ، وأما بيان أن الحكم الذهني مغاير للاعتقاد والعلم فالدليل عليه أن القائل إذا قال : العالم قديم فمدلول هذا االلفظ هو حكم هذا القائل بقدم العالم ، وقد يقول القائل بلسانه هذا مع أنه يعتقد أن العالم ليس بقديم ، فعلمنا أن الحكم الذهني حاصل ، والاعتقاد غير حاصل ، فالحكم الذهني مغاير للاعتقاد .
المسألة الخامسة والأربعون : مدلولات الألفاظ قد تكون أشياء مغايرة للألفاظ : كلفظة السماء والأرض ، وقد تكون مدلولاتها أيضا ألفاظا كقولنا : اسم ، وفعل ، وحرف ، وعام ، وخاص ، ومجمل ، ومبين ، فإن هذه الألفاظ أسماء ومسمياتها أيضا ألفاظ .
المسألة السادسة والأربعون : طريق معرفة اللغات إما العقل وحده وهو محال ، وإما النقل المتواتر أو الآحاد وهو صحيح ، وإما ما يتركب عنهما : كما إذا قيل : ثبت بالنقل جواز إدخال الاستثناء على صيغة من ، وثبت بالنقل أن حكم الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل فيه ، فيلزم من مجموعهما بحكم العقل كون تلك الصيغة موضوعة للعموم ، وعلى هذا الطريق تعويل الأكثرين في إثبات أكثر اللغات ، وهو ضعيف ، لأن هذا الاستدلال إنما يصح لو قلنا إن واضع تينك المقدمتين وجب أن يكون معترفا بهذه الملازمة ، وإلا لزم التناقض ، لكن الواضع للغات لو ثبت أنه هو الله تعالى وجب تنزيهه عن المناقضة ، أما لو كان هو الناس لم يجب ذلك ولما كان هذا الأصل مشكوكا كان ذلك الدليل مثله .
المسألة السابعة والأربعون : اللغات المنقولة إلينا بعضها منقول بالتواتر ، وبعضها منقول بالآحاد ، وطعن بعضهم في كونها متواترة فقال : أشهر الألفاظ هو قولنا الله ، وقد اختلفوا فيها فقيل : إنها ليست عربية بل هي عبرية ، وقيل : إنها اسم علم ، وقيل : إنها من الأسماء المشتقة ، وذكروا في اشتقاقها وجوها عشرة ، وبقي الأمر في هذه الإختلافات موقوفا إلى الآن وأيضا فلفظة الإيمان والكفر قد اختلفوا فيهما اختلافا شديدا ، وكذا صيغ الأوامر والنواهي ، والعموم والخصوص ، مع أنها أشد الألفاظ شهرة ، وإذا كان الحال كذلك في الأظهر الأقوى فما ظنك بما سواها ؟ والحق أن ورود هذه الألفاظ في أصول هذه الموارد معلوم بالتواتر ، فأم
{ صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } بدل من الصراط الأول بدل الكل من الكل ، وهو الذي يسميه ابن مالك البدل الموافق أو المطابق تحاشياً من إطلاق الكل على الله تعالى في مثل { صراط العزيز الحميد الله } [ إبراهيم : 1و2 ] . وفائدة الإبدال تأكيد النسبة بناءً على أن البدل في حكم تكرير العامل والإشعار بأن الصراط المستقيم بيانه وتفسيره صراط المسلمين فيكون ذلك شهادة لاستقامة صراطهم على أبلغ وجه وآكده ، وقيل صفة له .
ومن غريب المنقول أن الصراط الثاني غير الأول وكأنه نوى فيه حرف العطف وفي تعيين ذلك اختلاف ، فعن جعفر بن محمد هو العلم بالله والفهم عنه ، وقيل موافقة الباطن للظاهر في إسباغ النعمة ، وقيل التزام الفرائض والسنن ، ولا يخفى أن هذا القول خروج عن الصراط المستقيم فلا نتعب جواد القلم فيه . وقرأ ابن مسعود وزيد بن علي صراط من أنعمت عليهم ، وهو المروي عن عمر وأهل البيت رضي الله تعالى عنهم . قال الشهاب : وفيه دليل على جواز إطلاق الأسماء المبهمة { كَمَنْ } على الله تعالى انتهى .
وهو خبط ظاهر إذ الإضافة إلى المفعول لا الفاعل . والإنعام إيصال الإحسان إلى الغير من العقلاء كما قاله الراغب ، فلا يقال أنعم على فرسه ، ولذا قيل : إن النعمة نفع الإنسان من دونه لغير عوض ، واختلف في هؤلاء المنعم عليهم فقيل المؤمنون مطلقاً وقيل الأنبياء وقيل أصحاب موسى وعيسى عليهما السلام قبل التحريف والنسخ . وقيل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم . وقيل محمد صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما . وقيل الأولى ما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المراد بالذين أنعمت عليهم الأنبياء والملائكة والشهداء والصديقون ومن أطاع الله تعالى وعبده وإليه يشير قوله تعالى : { فأُولَئِكَ مع الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مّنَ النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً } [ النساء : 69 ] فما في هاتيك الأقوال اقتصار على بعض الأفراد . ولم يقيد الأنعام ليعم { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا } [ إبراهيم : 34 ] وقيل أنعم عليهم بخلقهم للسعادة . وقيل بأن نجاهم من الهلكة . وقيل بالهداية وفي بناء أنعمت للفاعل استعطاف فكأن الداعي يقول أطلب منك الهداية إذ سبق إنعامك فاجعل من إنعامك إجابة دعائنا وإعطاء سؤالنا وسبحانه ما أكرمه كيف يعلمنا الطلب ليجود على كل بما طلب :
لو لم ترد نيل ما نرجو ونطلبه *** من فيض جودك ما علمتنا الطلبا
وحكى اللغويون في { عَلَيْهِمْ } عشر لغات : ضم الهاء وإسكان الميم وهي قراءة حمزة ، وكسرها وإسكان الميم وهي قراءة الجمهور ، وكسر الهاء والميم وياء بعدها وهي قراءة الحسن ، قيل وعمر بن خالد ، وكذلك بغير ياء وهي قراءة عمر بن فائد ، وكسر الهاء وضم الميم بواو بعدها وهي قراءة ابن كثير وقالون بخلاف عنه وضم الهاء والميم وواو بعدها ، وهي قراءة الأعرج ومسلم بن جندب وجماعة ، وضمهما بغير واو ونسبت لابن هرمز وكسر الهاء وضم الميم بغير واو ونسبت للأعرج والخفاف عن أبي عمرو وضم الهاء وكسر الميم بياء بعدها وكذلك بغير ياء وقرئ بهما أيضاً . وحاصلها ضم الهاء مع سكون الميم أو ضمها بإشباع أو دونه أو كسرها بإشباع أو دونه وكسر الهاء مع سكون الميم أو كسرها بإشباع أو دونه أو ضمها بإشباع أو دونه . وحجج كل في كتب العربية .
{ غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِمْ وَلاَ الضالين } بدل من { الذين } بدل كل من كل . وقيل من ضمير { عَلَيْهِمْ } ولا يخلو من الركاكة بحسب المعنى وأما أنه يلزم عليه خلو الصلة عن الضمير فلا لأن المبدل منه ليس في نية الطرح حقيقة والقول بأن { غَيْرِ } في الأصل صفة بمعنى مغاير والبدل بالوصف ضعيف ضعيف لأنها غلبت عليها الاسمية ولذا لم تجر على موصوف في الأكثر . وعن سيبويه أنها صفة { الذين } مبينة أو مقيدة ولا يرد أن { غَيْرِ } من الأسماء المتوغلة في الإبهام فلا تتعرف بالإضافة فلا توصف بها المعرفة بل ولا تبدل منها على المشهور ؛ لأنا نقول الموصوف هنا معنى كالنكرة فيصح أن يوصف بها وذلك لأن الموصول بعد اعتبار تعريفه بالصلة يكون كالمعرف باللام في استعمالاته فإذا استعمل في بعض ما اتصف بالصلة كان كالمعرف باللام للعهد الذهني ، فكما أن المعرف المذكور لكون التعريف فيه للجنس يكون معرفة بالنظر إلى مدلوله وفي حكم النكرة بالنظر إلى قرينة البعضية المبهمة ولذا يعامل به معاملتهما كذلك الموصول المذكور بالنظر إلى التعيين الجنسي المستفاد من مفهوم الصلة معرفة ، وبالنظر إلى البعضية المستفادة من خارج كالنكرة فيعامل به معاملتهما أيضاً فالذين أنعمت عليهم إذا لم يقصد به معهود كذلك إذ لا صحة لإرادة جنس المنعم عليهم من حيث هو إذ لا صراط له ولا غرض يتعلق بطلب صراط من أنعم عليهم على سبيل الاستغراق سواء أريد استغراق الأفراد والجماعات أو المجموع من حيث المجموع فالمطلوب صراط جماعة ممن أنعم عليهم بالنعم الأخروية أعني طائفة من المؤمنين لا بأعيانها فإن نظر إلى البعضية المبهمة المستفادة من إضافة الصراط إليهم كان كالنكرة وإن نظر إلى مفهومه الجنسي أعني المنعم عليهم كان معرفة قاله العلامة الساليكوتي وغيره ، ولا يخلو عن دغدغة ، أو يقال وهو المعول عليه عند من يعول عليه : أن { غَيْرِ } هنا معرفة ؛ لأن المحققين من علماء العربية قالوا إنها قد تتعرف بالإضافة وذلك إذا وقعت بين متضادين معرفتين نحو : عليك بالحركة غير السكون ، وقال ابن السري وغيره : إذا أضيفت { غَيْرِ } إلى معرف له ضد واحد فقط تعرفت لانحصار الغيرية وهنا المنعم عليهم ضد لما بعده ولا يرد على هذا قوله تعالى :{ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صالحا غَيْرَ الذي كُنَّا نَعْمَلُ } [ فاطر : 7 3 ] لجواز أن يكون { صالحا } حالاً قدمت على صاحبها وهو غير الذي أو غير الذي بدلاً من صالحاً ولو قيل ضد الصالح الطالح والذي كانوا يعملون فرد من أفراده فليس بضد لم يبعد ، وقرأ عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه { غَيْرِ } بالنصب ، وروي ذلك شاذاً عن ابن كثير وهو حال من ضمير { عَلَيْهِمْ } والعامل فيه { أَنْعَمْتَ } ويضعف أن يكون حالاً من { الذين } لأنه مضاف إليه ، والصراط لا يصح بنفسه أن يعمل في الحال ، وقيل : يجوز والعامل فيه معنى الإضافة ، وجوز الأخفش أن يكون النصب على الاستثناء المنقطع أو المتصل إن فسر الإنعام بما يعم ومنعه الفراء لأنه حينئذٍ بمعنى سوى فلا يجوز أن يعطف عليه ( بلا ) لأنها نفي وجحد ولا يعطف الجحد إلا على مثله ، وأجيب بزيادة لا مثلها في قوله تعالى : { مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ } [ الأعراف : 12 ] وفي قول الأحوص :
ويلحينني في اللهو أن لا أحبه *** وللهو داع دائب غير غافل
واعترض بأنه لم تسمع زيادتها بعد واو العطف والكلام فيه ، وحكى بعضهم عن الأخفش أن الاستثناء في معنى النفي ، فيجوز العطف عليه ( بلا ) حملاً على المعنى فحينئذٍ لا يرد ما ورد ، وعند الخليل النصب بفعل محذوف أعني : أعني وبه أقول لأن الاستثناء كما ترى والحالية تقتضي التنكير ، ولا يتحقق إلا بعدم تحقق التضاد أو يجعل { غَيْرِ } بمعنى مغاير لتكون إضافته لفظية وكلاهما غير مرضي لما علمت . وقال بعضهم : في الآية حذف والتقدير غير صراط المغضوب عليهم ، وهو ممكن على هذه القراءة فيكون { غَيْرِ } حينئذٍ إما صفة لقوله الصراط وهو ضعيف لتقدم البدل على الوصف إذا قلنا به والأصل العكس أو بدل أو صفة للبدل أو بدل منه أو حال من أحد الصراطين والصراط السوي عدم التقدير .
والغضب أصله الشدة ، ومنه الغضبة الصخرة الصلبة الشديدة المركبة في الجبل والغضوب الحية الخبيثة والناقة العبوس ، وفسر تارة بحركة للنفس مبدؤها إرادة الانتقام كما في «شرح المفتاح » للسعد وتارة بإرادة الانتقام كما في «شرح الكشاف » له وأخرى بكيفية تعرض للنفس فيتبعها حركة الروح إلى خارج طلباً للانتقام كما في «شرح المقاصد » . ويقرب منه ما قيل تغير يحدث عند غليان دم القلب ، وفي الحديث : " اتقوا الغضب فإنه جمرة تتوقد في قلب ابن آدم ألم تروا إلى انتفاخ أوداجه وحمرة عينيه " وفي «الكشاف » معنى غضب الله تعالى إرادة الانتقام من العصاة وإنزال العقوبة بهم وأن يفعل بهم ما يفعله الملك إذا غضب على من تحت يده ، وأنا أقول كما قال سلف الأمة : هو صفة لله تعالى لائقة بجلال ذاته لا أعلم حقيقتها ولا كيف هي والعجز عن درك الإدراك إدراك والكلام فيه كالكلام في الرحمة حذو القذة بالقذة فهما صفتان قديمتان له سبحانه وتعالى .
وحديث " سبقت رحمتي غضبي " محمول على الزيادة في الآثار أو تقدم ظهورها .
وأصل الضلال الهلاك ومنه قوله تعالى : { أَإذَا ضَلَلْنَا في الأرض } [ السجدة : 0 1 ] أي هلكنا وقوله تعالى : { وَأَضَلَّ أعمالهم } [ محمد : 8 ] أي أهلكها والضلال في الدين الذهاب عن الحق ، وقرأ أبو أيوب السختياني { وَلاَ الضألين } بإبدال الألف همزة فراراً من التقاء الساكنين مع أنه في مثله جائز . وحكى أبو زيد دأبة وشأبة وعلى هذه اللغة قراءة عمرو بن عبيد : { فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَأنٌّ } [ الرحمن : 9 3 ] قوله :
والأرض أما سودها فتجللت *** بياضاً وأما بيضها فادهأمت
وهل يقاس عليه أم لا ؟ قولان وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وعبد الله بن الزبير أنهما كانا يقرآن ( وغير الضالين ) والمتواتر لا كما في الإمام ، وهو سيف خطيب أتى بها لتأكيد ما في { غَيْرِ } من معنى النفي والكوفيون يجعلونها هنا بمعناها والمراد بالمغضوب عليهم اليهود وبالضالين النصارى ، وقد روى ذلك أحمد في «مسنده » وحسنه ابن حبان في «صحيحه » مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وأخرجه ابن جرير عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم ، وقال ابن أبي حاتم : لا أعلم فيه خلافاً للمفسرين ، فمن زعم أن الحمل على ذلك ضعيف لأن منكري الصانع والمشركين أخبث ديناً من اليهود والنصارى فكان الاحتراز منهم أولى ، بل الأولى أن يحمل المغضوب عليهم على كل من أخطأ في الأعمال الظاهرة وهم الفساق ويحمل الضالون على كل من أخطأ في الاعتقاد ؛ لأن اللفظ عام والتقييد خلاف الأصل فقد ضل ضلالاً بعيداً إن كان قد بلغه ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإلا فقد تجاسر على تفسير كتاب الله تعالى مع الجهل بأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وما قاله في منكري الصانع لا يعتد به ؛ لأن من لا دين له لا يعتد بذكره ، والعجب من الإمام الرازي أنه نقل هذا ولم يتعقبه بشيء سوى أنه زاد في الشطرنج بغلاً فقال : ويحتمل أن يقال المغضوب عليهم هم الكفار والضالون هم المنافقون وعلله بما في أول البقرة من ذكر المؤمنين ثم الكفار ثم المنافقين فقاس ما هنا على ما هناك وهل بعد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الصادق الأمين قول لقائل أو قياس لقائس هيهات هيات دون ذلك أهوال ، واستدل بعضهم على أن المغضوب عليهم هم اليهود بقوله تعالى : { مَن لَّعَنَهُ الله وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ القردة والخنازير } [ المائدة : 0 6 ] وعلى أن الضالين النصارى بقوله تعالى : { وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ } [ المائدة : 77 ] والأولى الاستدلال بالحديث لأن الغضب والضلال وردا جميعاً في القرآن لجميع الكفار على العموم فقد قال تعالى : { ولكن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مّنَ الله } [ النحل : 6 10 ] وقال تعالى : { إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله قَدْ ضَلُّواْ ضلالا بَعِيداً } [ النساء : 7 16 ] ووردا لليهود والنصارى جميعاً على الخصوص كما ذكره المستدل وإنما قدم سبحانه المغضوب عليهم على الضالين مع أن الضلال في بادئ النظر سبب للغضب إذ يقال ضل فغضب عليه لتقدم زمان المغضوب عليهم وهم اليهود على زمان الضالين وهم النصارى أو لأن الإنعام يقابل بالانتقام ولا يقابل بالضلال فبينهما تقابل معنوي بناءً على أن الأول إيصال الخير إلى المنعم عليه والثاني إيصال الشر إلى المغضوب عليه أو لأن اليهود أشد في الكفر والعناد وأعظم في الخبث والفساد و أشد عداوة للذين آمنوا ولداً ضربت عليهم الذلة والمسكنة . وورد في الحديث : «من لم يكن عنده صدقة فليلعن اليهود » رواه السلفي والديلمي وابن عدي ، والنصارى دون ذلك وأقرب للإسلام منهم ولذا وصفوا بالضلال لأن الضال قد يهتدي ، ومما يدل على أن اليهود أسوأ حالاً من النصارى أنهم كفروا بنبيين محمد صلى الله عليه وسلم وعيسى عليه السلام والنصارى كفروا بنبي واحد وهو نبينا صلى الله عليه وسلم وفضائحهم وفظائعهم أكثر مما عند النصارى كما ستقرؤه وتراه إن شاء الله تعالى ، وقول النصارى/ بالتثليث ليس أفظع من قول اليهود { إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء } [ آل عمران : 181 ] وقولهم : { يَدُ الله مَغْلُولَةٌ } [ المائدة : 4 6 ] وقولهم : { عُزَيْرٌ ابن الله } [ التوبة : 0 3 ] فمن زعم أن النصارى أسوأ حالاً متوكئاً على ما في دلائل الأسرار لم يعرف أسرار الدلائل وهي بعد العيوق عنه ، وليست المسألة من الفروع ليكتفي مثلنا فيها بالتقليد المحض لا سيما وفضل الله تعالى ليس بمقصور على البعض . وقال بعضهم : تأخير الضالين لموافقة رؤوس الآي ولا بأس بضمه إلى تلك الوجوه وإلا فالاقتصار عليه من ضيق العطن وإنما أسند النعمة إليه تعالى تقرباً والمقصود طلب الهداية إلى صراط من ثبت إنعام الله تعالى عليه وتحقق ، ولذلك أتى بالفعل ماضياً وانحرف عن ذلك عند ذكر الغضب إلى الغيبة تأدباً ولأن من طلب منه الهداية ونسب الإنعام إليه لا يناسب نسبة الغضب إليه لأنه مقام تلطف وترفق وتذلل لطلب الإحسان فلا يناسب مواجهته بوصف الانتقام .
وقد عد ابن الأثير في «كنز البلاغة » والتنوخي في «الأقصى القريب » بناء الفعل للمفعول بعد خطاب فاعله نوعاً غريباً من الالتفات ، فإن كان الالتفات كما في استعمال الأدباء والمتقدمين بمعنى الافتنان فلا غبار عليه ، وإن كان بالمعنى المتعارف فلك أن تقول على رأي السكاكي الذي لا يشترط تعدد التعبير بل مخالفة مقتضى الظاهر أن المخاطب إذا ترك خطابه وبنى ما أسند إليه للمفعول والمحذوف كالغائب فلا مانع من أن يسمى التفاتاً فكما يجري في الانتقال من مقدر إلى محقق يجري في عكسه وهو معنى بديع كما قاله الشهاب .
ويسن بعد الختام أن يقول القارئ : آمين فقد روى ابن أبي شيبة في «مصنفه » والبيهقي في «الدلائل » عن أبي ميسرة : «أن جبريل أقرأ النبي صلى الله عليه وسلم فاتحة الكتاب فلما قال ولا الضالين قال له قل آمين «فقال آمين » ويقولها المأموم لقراءة إمامه ، فقد أخرج مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن أبي شيبة عن أبي موسى الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا قرأ يعني الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين يحبكم الله " وإخفاؤها مذهب ساداتنا الحنفية ، وهو مذهب أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه وعبد الله بن مسعود ، وعند الشافعية يجهر بها . وعن الحسن لا يقولها الإمام لأنه الداعي . وعن أبي حنيفة في رواية غير مشهورة مثله والمشهور أنه يخفيها ، وروى الإخفاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن مغفل وأنس رضي الله تعالى عنهما كما في «الكشاف » ورواية الجمهور محمولة على التعليم والبحث فقهي ، وهذا القدر يكفي فيه ، وليست من القرآن إجماعاً ولذا سن الفصل بينها وبين السورة بسكتة لطيفة ، وما قيل إنها من السورة عند مجاهد فمما لا ينبغي أن يلتفت إليه إذ هو في غاية البطلان إذ لم يكتب في الإمام ولا في غيره من المصاحف أصلاً حتى ذكر غير واحد أن من قال : إن آمين من القرآن كفر ، وهي اسم فعل مبني على الفتح كأين لالتقاء الساكنين والبحث عن أسماء الأفعال مفروغ عنه في «كتب النحو » والصحيح أنها كلمة عربية ومعناها استجب ، وقيل موضوعة لما هو أعم منه ومن مرادفه ، ومن الغريب ما قيل إنه عجمي معرب همين لما أن فاعيل كقابيل ليس من أوزان العرب وردّ بأنه يكون وزناً لا نظير له وله نظائر ، ولذا قيل إنه في الأصل مقصور ووزنه فعيل فأشبع ، ومن العجيب ما قيل إنه اسم الله تعالى والقول في توجيهه أنه لما كان مشتملاً على الضمير المستتر الراجع إليه تعالى قيل إنه من أسمائه أعجب منه وقد تمد ألفه وتقصر وإلى أصالة كل ذهب طائفة ، وأما تشديد ميمه فذكر الواحدي أنه لغة فيه ، وقيل إنه جمع آم بمعنى قاصد منصوب باجعلنا ونحوه مقدراً ، وقيل إنه خطأ ولحن وحيث إنه ليس من القرآن بل دعاء ومعناه صحيح قال بعضهم : لا تفسد به الصلاة وإن كان لحناً .
وفضل هذه السورة مما لا يخفى ويكفي في فضلها ما روي بأسانيد صحيحة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه : «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على أبي بن كعب فقال : يا أبيّ وهو يصلي فالتفت أبيّ فلم يجبه فصلى أبيّ فخفف ثم انصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : السلام عليك يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما منعك أن تجيبني إذ دعوتك ؟ فقال : يا رسول الله إني كنت في الصلاة قال : أفلم تجد فيما أوحى الله إليّ أن استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ؟ قال : بلى ولا أعود إن شاء الله تعالى قال تحب أن أعلمك سورة لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها ؟ قال : نعم يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كيف تقرأ في الصلاة فقرأ بأم القرآن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده ما نزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها وإنها للسبع من المثاني أو قال السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيته » والأحاديث في ذلك كثيرة ولا بدع فهي أم الكتاب والحاوية من دقائق الأسرار العجب العجاب حتى إن بعض الربانيين استخرج منها الحوادث الكونية وأسماء الملوك الإسلامية وشرح أحوالهم وبيان مآلهم ، وبالجملة هي كنز العرفان بل اللوح المحفوظ لما يلوح في عالم الإمكان . نسأل الله تعالى أن يمن علينا بإشراق أنوارها والاطلاع على مخزونات أسرارها إنه ولي التوفيق والهادي إلى معالم التحقيق .