مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{مَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُ مَالُهُۥ وَمَا كَسَبَ} (2)

قوله تعالى : { ما أغنى عنه ماله وما كسب } في الآية مسائل :

المسألة الأولى : ما في قوله : { ما أغنى } يحتمل أن يكون استفهاما بمعنى الإنكار ، ويحتمل أن يكون نفيا ، وعلى التقدير الأول يكون المعنى أي تأثير كان لماله وكسبه في دفع البلاء عنه ، فإنه لا أحد أكثر مالا من قارون فهل دفع الموت عنه ، ولا أعظم ملكا من سليمان فهل دفع الموت عنه ، وعلى التقدير الثاني يكون ذلك إخبارا بأن المال والكسب لا ينفع في ذلك .

المسألة الثانية : ( ما كسب ) مرفوع وما موصولة أو مصدرية يعني مكسوبه أو كسبه ، يروى أنه كان يقول : إن كان ما يقول ابن أخي حقا فأنا أفتدي منه نفسي بمالي وأولادي ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، ثم ذكروا في المعنى وجوها : ( أحدها ) لم ينفعه ماله وما كسب بماله يعني رأس المال والأرباح ( وثانيها ) : أن المال هو الماشية وما كسب من نسلها ، ونتاجها ، فإنه كان صاحب النعم والنتاج ( وثالثها ) : { ماله } الذي ورثه من أبيه والذي كسبه بنفسه ( ورابعها ) : قال ابن عباس : { ما كسب } ولده ، والدليل عليه قوله عليه السلام : «إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه » وقال عليه السلام : «أنت ومالك لأبيك » وروي أن بني أبي لهب احتكموا إليه فاقتتلوا فقام يحجز بينهم فدفعه بعضهم فوقع : فغضب فقال : أخرجوا عني الكسب الخبيث ( وخامسها ) قال الضحاك : ما ينفعه ماله وعمله الخبيث يعني كيده في عداوة رسول الله ( وسادسها ) قال قتادة : { وما كسب } أي عمله الذي ظن أنه منه على شيء كقوله : { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل } وفي الآية سؤالات :

السؤال الأول : قال ههنا : { ما أغنى عنه ماله وما كسب } وقال في سورة : { والليل إذا يغشى } { وما يغني عنه ماله إذا تردى } فما الفرق ؟ ( الجواب ) : التعبير بلفظ الماضي يكون آكد كقوله : { ما أغنى عني ماليه } وقوله : { أتى أمر الله }

السؤال الثاني : ما أغنى عنه ماله وكسبه فيماذا ؟ ( الجواب ) : قال بعضهم في عداوة الرسول : فلم يغلب عليه ، وقال بعضهم : بل لم يغنيا عنه في دفع النار ولذلك قال : { سيصلى } .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{مَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُ مَالُهُۥ وَمَا كَسَبَ} (2)

{ مَا أغنى عَنْهُ مَالُهُ } أي لم يغن عنه ماله حين حل به التباب على أن ما نافية ويجوز أن تكون استفهامية في محل نصب بما بعدها على أنها مفعول به أو مفعول مطلق أي أي اغناه أو أي شيء أغنى عنه ماله { وَمَا كَسَبَ } أي والذي كسبه على أن ما موصولة وجوز أن تكون مصدرية أي وكسبه وقال أبو حيان إذا كان ما الأولى استفهامية فيجوز أن تكون هذه كذلك أي وأي شيء كسب أي لم يكسب شيئاً وقال عصام الدين يحتمل أن تكون نافية والمعنى ما أعبد عنه ماله مضرة وما كسب منفعة وظاهره أنه جعل فاعل كسب ضمير المال وهو كما ترى واستظهر في البحر موصوليتها فالعائد محذوف أي ولذي كسبه به من الأرباح والنتائج والمنافع والوجاهة والاتباع أو ما أغنى عنه ماله الموروث من أبيه والذي كسبه بنفسه أو ماله والذي كسبه من عمله الخبيث الذي هو كيده في عداوة النبي صلى الله عليه وسلم كما قال الضحاك أو من عمله الذي يظن انه منه على شيء كقوله تعالى { وقدمنا إلى ما علموا من عمل فجعلناه هباء منثوراً } [ الفرقان : 23 ] كما قال قتادة وعن ابن عباس ومجاهد ما كسب من الولد أخرج أبو داود عن عائشة مرفوعاً أن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه وان ولده من كسبه وروي أنه كان يقول إن كان ما يقول ابن أخي حقاً فإنا أفتدى منه نفسي بمالي وولدي وكان له ثلاثة أبناء عتبة ومعتب وقد أسلما يوم الفتح وسر النبي عليه الصلاة والسلام بإسلامهما ودعا لهما وشهدا حنيناً والطائف وعتيبة بالتصغير ولم يسلم وفي ذلك يقول صاحب كتاب الالباء .

كرهت عتيبة إذ أجرما *** وأحببت عتبة إذ أسلما

كذا معتب مسلم فاحترز *** وخف أن تسب فتى مسلماً

وكانت أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند عتيبة ورقية أختها عند أخيه عتبة فلما نزلت السورة قال أبو لهب لهما رأسي ورأسكما حرام إن لم تطلقا ابنتي محمد صلى الله عليه وسلم فطلقاهما إلا أن عتيبة المصغر كان قد أراد الخروج إلى الشام مع أبيه فقال لآتين محمداً عليه الصلاة والسلام وأوذينه فأتاه فقال يا محمد أني كافر بالنجم إذا هوى وبالذي دنا فتدلى ثم تفل تجاه رسول الله : صلى الله عليه وسلم ولم يصبه عليه الصلاة والسلام شيء وطلق ابنته أم كلثوم فأغضبه عليه الصلاة والسلام بما قال وفعل فقال صلى الله عليه وسلم اللهم سلط عليه كلبا من كلابك وكان أبو طالب حاضراً فكره ذلك وقال له ما أغناك يا ابن أخي عن هذه الدعوة فرجع إلى أبيه ثم خرجوا إلى الشام فنزلوا منزلاً فأشرف عليهم راهب من دير وقال لهم إن هذه أرض مسبعة فقال أبو لهب أغيثوني يا معشر قريش في هذه الليلة فإني أخاف على ابني دعوة محمد صلى الله عليه وسلم فجمعوا جمالهم وأناخوها حولهم خوفاً من الأسد فجاء أسد يتشمم وجوههم حتى أتى عتيبة فقتله وفي ذلك يقول حسان :

من يرجع العام إلى أهله *** فما أكيل السبع بالراجع

وهلك أبو لهب نفسه بالعدسة بعد وقعة بدر لسبع ليال فاجتنبه أهله مخافة العدوى وكانت قريش تتقيها كالطاعون فبقي ثلاثاً حتى انتن فلما خافوا العار استأجروا بعض السودان فاحتملوه ودفنوه وفي رواية حفروا له حفرة ودفعوه بعود حتى وقع فيها فقذفوه بالحجارة حتى واروه وفي أخرى انهم لم يحفروا له وإنما أسندوه لحائط وقذفوا عليه الحجارة من خلفه حتى توارى فكان الأمر كما أخبر به القرآن وقرأ عبد الله وما اكتسب بناء الافتعال .