قوله تعالى : { وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم }
المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما ذكر في أول السورة : { كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور } كان هذا إنعاما على الرسول من حيث أنه فوض إليه هذا المنصب العظيم ، وإنعاما أيضا على الخلق من حيث أنه أرسل إليهم من خلصهم من ظلمات الكفر وأرشدهم إلى نور الإيمان ، فذكر في هذه الآية ما يجري مجرى تكميل النعمة والإحسان في الوجهين . أما بالنسبة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ، فلأنه تعالى بين أن سائر الأنبياء كانوا مبعوثين إلى قومهم خاصة ، وأما أنت يا محمد فمبعوث إلى عامة الخلق ، فكان هذا الإنعام في حقك أفضل وأكمل ، وأما بالنسبة إلى عامة الخلق ، فهو أنه تعالى ذكر أنه ما بعث رسولا إلى قوم إلا بلسان أولئك القوم ، فإنه متى كان الأمر كذلك ، كان فهمهم لأسرار تلك الشريعة ، ووقوفهم على حقائقها أسهل ، وعن الغلط والخطأ أبعد . فهذا هو وجه النظم .
المسألة الثانية : احتج بعض الناس بهذه الآية على أن اللغات اصطلاحية لا توقيفية . قال لأن التوقيف لا يحصل إلا بإرسال الرسل ، وقد دلت هذه الآية على أن إرسال جميع الرسل لا يكون إلا بلغة قومهم ، وذلك يقتضي تقدم حصول اللغات على إرسال الرسل ، وإذا كان كذلك امتنع حصول تلك اللغات بالتوقيف ، فوجب حصولها بالاصطلاح .
المسألة الثالثة : زعم طائفة من اليهود يقال لهم : العيسوية أن محمدا رسول الله لكن إلى العرب لا إلى سائر الطوائف ، وتمسكوا بهذه الآية من وجهين : الأول : أن القرآن لما كان نازلا بلغة العرب لم يعرف كونه معجزة بسبب ما فيه من الفصاحة إلا العرب . وحينئذ لا يكون القرآن حجة إلا على العرب ، ومن لا يكون عربيا لم يكن القرآن حجة عليه . الثاني : قالوا : إن قوله : { وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه } المراد بذلك اللسان لسان العرب ، وذلك يقتضي أن يقال : إنه ليس له قوم سوى العرب ، وذلك يدل على أنه مبعوث إلى العرب فقط .
والجواب : لم لا يجوز أن يكون المراد من { قومه } أهل بلده ، وليس المراد من { قومه } أهل دعوته . والدليل على عموم الدعوة قوله تعالى : { قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا } بل إلى الثقلين ، لأن التحدي كما وقع مع الإنس فقد وقع مع الجن بدليل قوله تعالى : { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا } .
المسألة الرابعة : تمسك أصحابنا بقوله تعالى : { فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء } على أن الضلال والهداية من الله تعالى ، والآية صريحة في هذا المعنى . قال الأصحاب : ومما يؤكد هذا المعنى ما روي : أن أبا بكر وعمر أقبلا في جماعة من الناس وقد ارتفعت أصواتهما ، فقال عليه السلام " ما هذا " فقال بعضهم : يا رسول الله يقول أبو بكر الحسنات من الله والسيئات من أنفسنا ، ويقول : عمر كلاهما من الله ، وتبع بعضهم أبا بكر وبعضهم عمر ، فتعرف الرسول صلى الله عليه وسلم ما قاله أبو بكر ، وأعرض عنه حتى عرف ذلك في وجهه ، ثم أقبل على عمر فتعرف ما قاله وعرف البشر في وجهه . ثم قال : " أقضي بينكما كما قضى به إسرافيل بين جبريل وميكائيل ، قال جبريل مثل مقالتك يا عمر وقال ميكائيل مثل مقالتك يا أبا بكر ، فقضاء اسرافيل أن القدر كله خيره وشره من الله تعالى وهذا قضائي بينكما " ، قالت المعتزلة : هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها وبيانه من وجوه : الأول : أنه تعالى قال : { وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم } والمعنى : أنا إنما أرسلنا كل رسول بلسان قومه ليبين لهم تلك التكاليف بلسانهم ، فيكون إدراكهم لذلك البيان أسهل ووقوفهم على المقصود والغرض أكمل ، وهذا الكلام إنما يصح لو كان مقصود الله تعالى من إرسال الرسل حصول الإيمان للمكلفين ، فأما لو كان مقصوده الإضلال وخلق الكفر فيهم لم يكن ذلك الكلام ملائما لهذا المقصود . والثاني : أنه عليه السلام إذا قال لهم إن الله يخلق الكفر والضلال فيكم ، فلهم أن يقولوا له فما الفائدة في بيانك ، وما المقصود من إرسالك ، وهل يمكننا أن نزيل كفرا خلقه الله تعالى فينا عن أنفسنا وحينئذ تبطل دعوة النبوة وتفسد بعثة الرسل . الثالث : أنه إذا كان الكفر حاصلا بتخليق الله تعالى ومشيئته ، وجب أن يكون الرضا به واجبا لأن الرضا بقضاء الله تعالى واجب ، وذلك لا يقوله عاقل . والرابع : أنا قد دللنا على أن مقدمة هذه الآية وهو قوله : { لتخرج الناس من الظلمات إلى النور } يدل على مذهب العدل ، وأيضا مؤخرة الآية يدل عليه ، وهو قوله : { وهو العزيز الحكيم } فكيف يكون حكيما من كان خالقا للكفر والقبائح ومريدا لها ، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يمكن حمل قوله : { فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء } على أنه تعالى يخلق الكفر في العبد ، فوجب المصير إلى التأويل ، وقد استقصينا ما في هذه التأويلات في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : { يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا } ولا بأس بإعادة بعضها ، فالأول : أن المراد بالإضلال : هو الحكم بكونه كافرا ضالا كما يقال : فلان يكفر فلانا ويضلله ، أي يحكم بكونه كافرا ضالا ، والثاني : أن يكون الإضلال عبارة عن الذهاب بهم عن طريق الجنة إلى النار ، والهداية عبارة عن إرشادهم إلى طريق الجنة . والثالث : أنه تعالى لما ترك الضال على إضلاله ولم يتعرض له صار كأنه أضله ، والمهتدي لما أعانه بالألطاف صار كأنه هو الذي هداه . قال صاحب «الكشاف » : المراد بالإضلال : التخلية ومنع الألطاف وبالهداية التوفيق واللطف .
والجواب عن قولهم أولا أن قوله تعالى : { ليبين لهم } لا يليق به أن يضلهم .
قلنا : قال الفراء : إذا ذكر فعل وبعده فعل آخر ، فإن كان الفعل الثاني مشاكلا للأول نسقته عليه ، وإن لم يكن مشاكلا له استأنفته ورفعته . ونظيره قوله تعالى : { يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله } فقوله : { ويأبى الله } في موضع رفع لا يجوز إلا ذلك ، لأنه لا يحسن أن يقال : يريدون أن يأبى الله ، فلما لم يمكن وضع الثاني موضع الأول بطل العطف ، ونظيره أيضا قوله : { لنبين لكم ونقر في الأرحام } ومن ذلك قولهم : أردت أن أزورك فيمنعني المطر ، بالرفع غير منسوق على ما قبله لما ذكرناه ، ومثله قول الشاعر :
يريد أن يعربه فيعجمه *** . . .
إذا عرفت هذا فنقول : ههنا قال تعالى : { ليبين لهم } ثم قال : { فيضل الله من يشاء } ذكر فيضل بالرفع فدل على أنه مذكور على سبيل الاستئناف وأنه غير معطوف على ما قبله ، وأقول تقرير هذا الكلام من حيث المعنى ، كأنه تعالى قال : وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ، ليكون بيانه لهم تلك الشرائع بلسانهم الذي ألفوه واعتادوه ، ثم قال ومع أن الأمر كذلك فإنه تعالى يضل من يشاء ويهدي من يشاء ، والغرض منه التنبيه على أن تقوية البيان لا توجب حصول الهداية فربما قوي البيان ولا تحصل الهداية وربما ضعف البيان وحصلت الهداية ، وإنما كان الأمر كذلك لأجل أن الهداية والضلال لا يحصلان إلا من الله تعالى . أما قوله ثانيا : لو كان الضلال حاصلا بخلق الله تعالى لكان الكافر أن يقول له : ما الفائدة في بيانك ودعوتك ؟ فنقول : يعارضه أن الخصم يسلم أن هذه الآيات إخبار عن كونه ضالا فيقول له الكافر : لما أخبر إلهك عن كوني كافرا فإن آمنت صار إلهك كاذبا فهل أقدر على جعل إلهك كاذبا ، وهل أقدر على جعل علمه جهلا ؟ وإذا لم أقدر عليه فكيف يأمرني بهذا الإيمان ؟ فثبت أن هذا السؤال الذي أورده الخصم علينا هو أيضا وارد عليه . وأما قوله ثالثا : يلزم أن يكون الرضا بالكفر واجبا ، لأن الرضا بقضاء الله تعالى واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب .
قلنا : ويلزمك أيضا على مذهبك أنه يجب على العبد السعي في تكذيب الله وفي تجهيله ، وهذا أشد استحالة مما ألزمته علينا ، لأنه تعالى لما أخبر عن كفره وعلم كفره فإزالة الكفر عنه يستلزم قلب علمه جهلا وخبره الصدق كذبا . وأما قوله رابعا : إن مقدمة الآية وهي قوله تعالى :
{ لتخرج الناس من الظلمات إلى النور } يدل على صحة الاعتزال فنقول : قد ذكرنا أن قوله : { بإذن ربهم } يدل على صحة مذهب أهل السنة . وأما قوله خامسا : أنه تعالى وصف نفسه في آخر الآية بكونه حكيما وذلك ينافي كونه تعالى خالقا للكفر مريدا له . فنقول : وقد وصف نفسه بكونه عزيزا والعزيز هو الغالب القاهر فلو أراد الإيمان من الكافر مع أنه لا يحصل أو أراد عمل الكفر منهم ، وقد حصل لما بقي عزيزا غالبا . فثبت أن الوجوه التي ذكروها ضعيفة ، وأما التأويلات الثلاثة التي ذكروها فقد مر إبطالها في هذا الكتاب مرارا فلا فائدة في الإعادة .
{ وَمَا أَرْسَلْنَا } أي في الأمم الخالية من قبلك كما سيذكر إن شاء الله تعالى إجمالاً { مِن رَّسُولٍ إِلاَّ } متلبساً { بِلِسَانِ قَوْمِهِ } متكلماً بلغة من أرسل إليهم من الأمم المتفقة على لغة سواء بعث فيهم أولاً ، وقيل : بلغة قومه الذين هو منهم وبعث فيهم ، ولا ينتقض الحصر بلوط عليه السلام فإنه تزوج منهم وسكن معهم ، وأما يونس عليه السلام فإنه من القوم الذين أرسل إليهم كما قالوه فلا حاجة إلى القول بأن ذلك باعتبار الأكثر الأغلب ولعل الأولى ما ذكرنا . وقرأ أبو السمال . وأبو الحوراء . وأبو عمران الجوني { بلسن } بإسكان السين على وزن ذكر وهي لغة في لسان كريش ورياش ، وقال صاحب اللوامح : إنه خاص باللغة واللسان يطلق عليها وعلى الجارحة وإلى ذلك ذهب ابن عطية . وقرأ أبو رجاء . وأبو المتوكل . والجحدري { بلسن } بضم اللام والسين وهو جمع لسان كعماد وعمد . وقرىء { بلسن } بضم اللام وسكون السين وهو مخفف لسن كرسل ورسل { لِيُبَيّنَ } ذلك الرسول { لَهُمْ } لأولئك القوم الذين أرسل إليهم ما كلفوا به فيتلقوه منه بسهولة وسرعة فيمتثلوا ذلك من غير حاجة إلى الترجمة وحيث لم تتأت هذه القاعدة في شأن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى إخوانه المرسلين أجمعين لعموم بعثته وشموله رسالته الأسود والأحمر والجن والبشر على اختلاف لغاتهم وكان تعدد نظم الكتاب المنزل إليه صلى الله عليه وسلم عليه حسب تعدد ألسنة الأمم أدعى إلى التنازع واختلاف الكلمة وتطرق أيدي التحريف مع أن استقلال بعض من ذلك بالإعجاز مئنة لقدح القادحين ، واتفاق الجميع فيه أمر قريب من الإلجاء المنافي للتكليف ، وحصل البيان بالترجمة والتفسير اقتضت( {[476]} ) الحكمة المنبىء عن العزة وجلالة الشأن المستتبع لفوائد غنية عن البيان ، على أن الحاجة إلى الترجمة تتضاعف عند التعدد إذ لا بد لكل طائفة من معرفة توافق الكل حذو القذة بالقذة من غير مخالفة ولو في خصلة فذة ، وإنما يتم ذلك بمن يترجم عن الكل واحداً أو متعدداً وفيه من التعذر ما فيه ، ثم لما كان أشرف الأقوام وأولاهم بدعوته عليه الصلاة والسلام قومه الذين بعث بين ظهرانيهم ولغتهم أفضل اللغات نزل الكتاب المبين بلسان عربي مبين وانتشرت أحكامه بين الأمم أجمعين ، كذا قرره شيخ الإسلام الإسلام والمسلمين وهو من الحسن بمكان ، بيد أن بعضهم أبقى الكلام على عمومه بحيث يشمل النبي( {[477]} ) صلى الله عليه وسلم وأراد بالقوم الذين ذلك الرسول منهم وبعث فيهم ، والمراد من قومه صلى الله عليه وسلم العرب كلهم ، ونقل ذلك أبو شامة في المرشد عن السجستاني واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم :
" انزل القرآن على سبعة أحرف " وفيه نظر ظاهر .
وقال ابن قتيبة : المراد منهم قريش ولم ينزل القرآن إلا بلغتهم ، وقيل : إنما نزل بلغة مضر خاصة لقول عمر رضي الله تعالى عنه : نزل القرآن بلغة مضر ، وعين بعضهم فيما حكاه ابن عبد البر سبعاً منهم هذيل وكنانة وقيس وضبة وتيم الرباب وأسيد بن خزيمة وقريش ، وأخرج أبو عبيد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : نزل بلغة الكعبين كعب قريش وكعب خزاعة فقيل : وكيف ؟ فقال : لأن الدار واحدة يعني خزاعة كانوا جيران قريش فسهلت عليهم لغتهم ؛ وجاء عن أبي صالح عنه أنه قال : نزل على سبع لغات منها خمس بلغة العجز من هوازن ويقال لهم عليا هوازن ، ومن هنا قال أبو عمرو بن العلاء : أفصح العرب عليا هوازن وسفى تميم يعني بني دارم ، والذي يذهب مذهب السجستاني يقول : إن في القرآن ما نزل بلغة حمير . وكنانة . وجرهم . وأزد شنوءة . ومذحج . وخثعم . وقيس عيلان . وسعد العشيرة . وكندة . وعذرة . وحضرموت . وغسان . ومزينة . ولخم . وجذام . وحنيفة . واليمامة . وسبا . وسليم . وعمارة . وطي . وخزاعة . وعمان . وتميم . وأنمار . والأشعريين . والأوس . والخزرج . ومدين ؛ وقد مثل لكل ذلك أبو القاسم ، وذكر أبو بكر الواسطي أن في القرآن من اللغات خمسين لغة وسردها ممثلاً لها إلا أنه ذكر أن فيه من غير العربية الفرس والنبط والحبشة والبربر والسريانية والعبرانية والقبط ، والذاهب إلى ما ذهب إليه ابن قتيبة يقول : إن ما نسب إلى غير قريش على تقدير صحة نسبته مما يوافق لغتهم ، ونقل أبو شامة عن بعض الشيوخ أنه قال : إنه نزل أولاً بلسان قريش ومن جاورهم من العرب الفصحاء ثم أبيح لسائر العرب أن تقرأه بلغاتهم التي جرت عاداتهم باستعمالها كاختلافهم في الألفاظ والإعراب ، ولم يكلف أحد منهم الانتقال من لغتهم إلى لغة أخرى للمشقة . ولما كان فيهم من الحمية ولطلب تسهيل المراد ، لكن أنت تعلم أن هذه الإباحة لم تستمر ، وكون المتبادر من قومه عليه الصلاة والسلام قريشاً مما لا أظن أن أحداً يمتري فيه ويليه في التبادر العرب . وفي «البحر » أن سبب نزول الآية أن قريشاً قالوا : ما بال الكتب كلها أعجمية وهذا عربي ؟ وهذا إن صح ظاهر في العموم ، ثم إنه لا يلزم من كون لغته لغة قريش أو العرب اختصاص بعثته صلى الله عليه وسلم بهم ، وإن زعمت طائفة من اليهود يقال لهم العيسوية اختصاص البعثة بالعرب لذلك ، وحكمة إنزاله بلغتهم أظهر من أن تخفى ، وقيل : الضمير في { قَوْمِهِ } لمحمد صلى الله عليه وسلم المعلوم من السياق فإنه كما أخرج ابن أبي عن سفيان الثوري لم ينزل وحي إلا بالعربية ثم ترجم كل نبي لقومه ، وقيل : كان يترجم ذلك جبريل عليه السلام ونسب إلى الكلبي ، وفيه أنه إذا لم يقع التبيين إلا بعد الترجمة فات الغرض مما ذكر ، وضمير { لَهُمْ } للقوم بلا خلاف وهم المبين لهم بالترجمة .
وفي «الكشاف » أن ذلك ليس بصحيح لأن ضمير { لَهُمْ } للقوم وهم العرب فيؤدي إلى أن الله تعالى أنزل التوراة مثلاً بالعربية ليبين للعرب وهو معنى فاسد .
وتكلف الطيبي دفع ذلك بأن الضمير راجع إلى كل قوم بدلالة السياق ، والجواب كما في «الكشف » أنه لا يدفع عن الإيهام على خلاف مقتضى المقام . واحتج بعض الناس بهذه الآية على أن اللغات اصطلاحية لا توقيفية قال : لأن التوقيف لا يحصل إلا بإرسال الرسل ، وقد دلت الآية على أن إرسال كل من الرسل لا يكون إلا بلغة قومه وذلك يقتضي تقدم حصول اللغات على إرسال الرسول ، وإذا كان كذلك امتنع حصول تلك اللغات بالتوقيف فوجب حصولها بالاصطلاح انتهى .
وأجيب بأنا لا نسلم توقف التوقيف على إرسال الرسل لجواز أن يخلق الله تعالى في العقلاء علماً بأن الألفاظ وضعها واضع لكذا وكذا ، ولا يلزم من هذا كون العاقل عالماً بالله تعالى بالضرورة بل الذي يلزم منه ذلك لو خلق سبحانه في العقلاء علماً ضرورياً بأنه تعالى الواضع وأين هذا من ذاك ، على أنه لا ضرر في التزام خلق الله تعالى هذا العلم الضروري وأي ضرر في كونه سبحانه معلوم الوجود بالضرورة لبعض العقلاء ؟ والقول بأنه يبطل التكليف حينئذٍ على عمومه غير مسلم وعلى تخصيصه بالمعرفة مسلم وغير ضار { فَيُضِلُّ الله مَن يَشَاء } إضلاله أي يخلق فيه الضلال لوجود أسبابه المؤدية إليه فيه ، وقيل : يخذله فلا يلطف به لما يعلم أنه لا ينجع فيه الإلطاف { وَيَهْدِى } يخلق الهداية أو يمنح الإلطاف { مَن يَشَآء } هدايته لما فيه من الأسباب المؤدية إلى ذلك ، والالتفات بإسناد الفعلين إلى الاسم الجليل لتفخيم شأنهما وترشيح مناط كل منهما ، والفاء قيل فصيحة مثلها في قوله تعالى : { فَقُلْنَا اضرب بّعَصَاكَ الحجر فانفجرت }( {[478]} ) [ البقرة : 60 ] كأنه قيل : فبينوه لهم فأضل الله تعالى من شاء إضلاله وهدى من شاء هدايته حسبما اقتضته حكمته تعالى البالغة ، والحذف للإيذان بأن مسارعة كل رسول إلى ما أمر به وجريان كل من الفعلين على سننه أمر محقق غني عن الذكر والبيان . وفي «الكشف » وجه التعقيب عن السابق كوجهه في قوله تعالى : { يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا } [ البقرة : 26 ] على معنى أرسلنا الكتاب للتبيين فمنهم من نفعناه بذلك البيان ومنهم من جعلناه حجة عليه ، والفاء على هذا تفصيلية ، والعدول إلى صيغة الاستقبال لاستحضار الصورة أو الدلالة على التجدد والاستمرار حيث تجدد البيان من الرسل عليهم السلام المتعاقبة عليهم ، وتقديم الإضلال على الهداية كما قال بعض المحققين إما لأنه إبقاء ما كان على ما كان والهداية إنشاء ما لم يكن أو للمبالغة في بيان أنه لا تأثير للتبيين والتذكير من قبل الرسل عليهم السلام وأن مدار الأمر إنما هو مشيئته تعالى بإيهام أن ترتيب الضلالة أسرع من ترتب الاهتداء ، وهذا محقق لما سلف من تقييد الإخراج من الظلمات إلى النور بإذن ربهم { وَهُوَ العزيز } فلا يغالب في مشيئته تعالى { الحكيم } فلا يشاء ما يشاء إلا لحكمة بالغة ، وفيه كما في «البحر » وغيره أن ما فوض إلى الرسل عليهم الصلاة والسلام إنما هو التبليغ وتبيين طريق الحق ، وأما الهداية والإرشاد إليه فذلك بيد الله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد . ثم إن هذه الآية ظاهرة في مذهب أهل السنة من أن الضلالة والهداية بخلقه سبحانه ، وقد ذكر المعتزلة لها عدة تأويلات ، وللإمام فيها كلام طويل إن أردته فارجع إليه .
( ومن باب الإشارة ) :{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيّنَ لَهُمْ } أي بكلام يناسب حالهم واستعدادهم وقدر عقولهم والألم يفهموا فلا يحصل البيان ، وعن عمر رضي الله تعالى عنه كلموا الناس بما يفهمون أتريدون أن يكذب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ؟ وفي أسرار التأويل لكل نبي وصديق اصطلاح في كلام المعرفة وطريق المحبة يخاطب به من يعرفه من أهل السلوك ، وعلى هذا لا ينبغي للصوفي أن يخاطب العامة باصطلاح الصوفية لأنهم لا يعرفونه ، وخطابهم بذلك مثل خطاب العربي بالعجمية أو العجمى بالعربية ، ومنشأ ضلال كثير من الناس الناظرين في كتب القوم جهلهم باصطلاحاتهم فلا ينبغي للجاهل بذلك النظر فيها لأنها تأخذ بيده إلى الكفر الصريح بل توقعه في هوة كفر ، كفر أبي جهل إيمان بالنسبة إليه ، ومن هنا صدر الأمر السلطاني إذ كان الشرع معتنى به بالنهي عن مطالعة كتب الشيخ الأكبر قدس سره ومن انخرط في سلكه { فَيُضِلُّ الله مَن يَشَاء } إضلاله لزوال استعداده بالهيئات الظلمانية ورسوخها والاعتقادات الباطلة واستقرارها { وَيَهْدِى مَن يَشَاء } [ إبراهيم : 4 ] هدايته ممن بقي على استعداده أو لم يرسخ فيه تلك الهيآت والاعتقادات