{ الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد }
اعلم أن الكلام في أن هذه السورة مكية أو مدنية طريقه الآحاد . ومتى لم يكن في السورة ما يتصل بالأحكام الشرعية فنزولها بمكة والمدينة سواء ، وإنما يختلف الغرض في ذلك إذا حصل فيه ناسخ ومنسوخ فيكون فيه فائدة عظيمة .
وقوله : { الر كتاب } معناه أن السورة المسماة ب { الر كتاب } أنزلناه إليك لغرض كذا وكذا فقوله : { الر } مبتدأ وقوله : { كتاب } خبره وقوله : { أنزلناه إليك } صفة لذلك الخبر وفيه مسائل :
المسألة الأولى : دلت هذه الآية على أن القرآن موصوف بكونه منزلا من عند الله تعالى . قالت المعتزلة : النازل والمنزل لا يكون قديما .
وجوابنا : أن الموصوف بالنازل والمنزل هو هذه الحروف وهي محدثة بلا نزاع .
المسألة الثانية : قالت المعتزلة : اللام في قوله : { لتخرج الناس } لام الغرض والحكمة ، وهذا يدل على أنه تعالى إنما أنزل هذا الكتاب لهذا الغرض ، وذلك يدل على أن أفعال الله تعالى وأحكامه معللة برعاية المصالح .
أجاب أصحابنا عنه بأن من فعل فعلا لأجل شيء آخر فهذا إنما يفعله لو كان عاجزا عن تحصيل هذا المقصود إلا بهذه الواسطة وذلك في حق الله تعالى محال ، وإذا ثبت بالدليل أنه يمتنع تعليل أفعال الله تعالى وأحكامه بالعلل ، ثبت أن كل ظاهر أشعر به فإنه مؤول محمول على معنى آخر .
المسألة الثالثة : إنما شبه الكفر بالظلمات لأنه نهاية ما يتحير الرجل فيه عن طريق الهداية ، وشبه الإيمان بالنور لأنه نهاية ما ينجلي به طريق هدايته .
المسألة الرابعة : قال القاضي : هذه الآية فيها دلالة على إبطال القول بالجبر من جهات : أحدها : أنه تعالى لو كان يخلق الكفر في الكافر فكيف يصح إخراجه منه بالكتاب . وثانيها : أنه تعالى أضاف الإخراج من الظلمات إلى النور إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فإن كان خالق ذلك الكفر هو الله تعالى فكيف يصح من الرسول عليه الصلاة والسلام إخراجهم منه وكان للكافر أن يقول : إنك تقول : إن الله خلق الكفر فينا فكيف يصح منك أن تخرجنا منه ، فإن قال لهم : أنا أخرجكم من الظلمات التي هي كفر مستقبل لا واقع ، فلهم أن يقولوا : إن كان تعالى سيخلقه فينا لم يصح ذلك الإخراج ، وإن لم يخلقه فنحن خارجون منه بلا إخراج . وثالثها : أنه صلى الله عليه وسلم إنما يخرجهم من الكفر بالكتاب بأن يتلوه عليهم ليتدبروه وينظروا فيه فيعلموا بالنظر والاستدلال كونه تعالى عالما قادرا حكيما ، ويعلموا بكون القرآن معجزة صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وحينئذ يقبلوا منه كل ما أداه إليهم من الشرائع ، وذلك لا يصح إلا إذا كان الفعل لهم ويقع باختيارهم ، ويصح منهم أن يقدموا عليه ويتصرفوا فيه .
والجواب عن الكل أن نقول : الفعل الصادر من العبد إما أن يصدر عنه حال استواء الداعي إلى الفعل والترك . أو حال رجحان أحد الطرفين على الآخر ، والأول : باطل ، لأن صدور الفعل رجحان لجانب الوجود على جانب العدم ، وحصول الرجحان حال حصول الاستواء محال . والثاني : عين قولنا لأنه يمتنع صدور الفعل عنه إلا بعد حصول الرجحان ، فإن كان ذلك الرجحان منه عاد السؤال ، وإن لم يكن منه بل من الله تعالى ، فحينئذ يكون المؤثر الأول هو الله تعالى وذلك هو المطلوب والله أعلم .
المسألة الخامسة : احتج أصحابنا على صحة قولهم في أن فعل العبد مخلوق لله تعالى بقوله تعالى : { بإذن ربهم } فإن معنى الآية أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يمكنه إخراج الناس من الظلمات إلى النور إلا بإذن ربهم ، والمراد بهذا الإذن إما الأمر ، وإما العلم ، وإما المشيئة والخلق . وحمل الإذن على الأمر محال ، لأن الإخراج من الجهل إلى العلم لا يتوقف على الأمر ، فإنه سواء حصل الأمر أو لم يحصل ، فإن الجهل متميز عن العلم . والباطل متميز عن الحق ، وأيضا حمل الإذن على العلم محال ، لأن العلم يتبع المعلوم على ما هو عليه فالعلم بالخروج من الظلمات إلى النور تابع لذلك الخروج ، ويمتنع أن يقال إن حصول ذلك الخروج تابع للعلم بحصول ذلك الخروج ولما بطل هذان القسمان لم يبق إلا أن يكون المراد من الإذن المشيئة والتخليق ، وذلك يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يمكنه إخراج الناس من الظلمات إلى النور إلا بمشيئة الله وتخليقه .
فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد من الإذن الإلطاف .
قلنا : لفظ اللطف لفظ مجمل ونحن نفصل القول فيه فنقول : المراد بالإذن إما أن يكون أمرا يقتضي ترجيح جانب الوجود على جانب العدم أو لا يقتضي ذلك ، فإن كان الثاني لم يكن فيه أمر البتة ، فامتنع أن يقال : إنه مما حصل بسببه ولأجله فبقي الأول وهو أن المراد من الإذن معنى يقتضي ترجيح جانب الوجود على جانب العدم . وقد دللنا في «الكتب العقلية » على أنه متى حصل الرجحان فقد حصل الوجوب ولا معنى لذلك إلا الداعية الموجبة وهو عين قولنا ، والله أعلم .
المسألة السادسة : القائلون بأن معرفة الله تعالى لا يمكن تحصيلها إلا من تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم والإمام ، احتجوا عليه بهذه الآية وقالوا : إنه تعالى صرح في هذه الآية بأن الرسول هو الذي يخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان ، وذلك يدل على أن معرفة الله تعالى لا تحصل إلا من طريق التعليم .
وجوابنا : أن الرسول صلى الله عليه وسلم يكون كالمنبه ، وأما المعرفة فهي إنما تحصل بالدليل ، والله أعلم .
المسألة السابعة : الآية دالة على أن طرق الكفر والبدعة كثيرة . وأن طريق الخير ليس إلا الواحد ، لأنه تعالى قال : { لتخرج الناس من الظلمات إلى النور } فعبر عن الجهل والكفر بالظلمات وهي صيغة جمع وعبر عن الإيمان والهداية بالنور وهو لفظ مفرد ، وذلك يدل على أن طرق الجهل كثيرة ، وأما طريق العلم والإيمان فليس إلا الواحد .
المسألة الثامنة : في قوله تعالى : { إلى صراط العزيز الحميد } وجهان الأول : أنه بدل من قوله إلى النور بتكرير العامل كقوله : { للذين استضعفوا لمن آمن منهم } الثاني : يجوز أن يكون على وجه الاستئناف كأنه قيل : إلى أي نور فقيل : { إلى صراط العزيز الحميد } .
المسألة التاسعة : قالت المعتزلة : الفاعل إنما يكون آتيا بالصواب والصلاح ، تاركا للقبيح والعبث إذا كان قادرا على كل المقدورات عالما بجميع المعلومات غنيا عن كل الحاجات ، فإنه إن لم يكن قادرا على الكل فربما فعل القبيح بسبب العجز ، وإن لم يكن عالما بكل المعلومات فربما فعل القبيح بسبب الجهل ، وإن لم يكن غنيا عن كل الحاجات فربما فعل القبيح بسبب الحاجة ، أما إذا كان قادرا على الكل عالما بالكل ، غنيا عن الكل امتنع منه الإقدام على فعل القبيح ، فقوله : { العزيز } إشارة إلى كمال القدرة ، وقوله : { الحميد } إشارة إلى كونه مستحقا للحمد في كل أفعاله ، وذلك إنما يحصل إذا كان عالما بالكل غنيا عن الكل . فثبت بما ذكرنا أن صراط الله إنما كان موصوفا بكونه شريفا رفيعا عاليا لكونه صراطا مستقيما للإله الموصوف بكونه عزيزا حميدا ، فلهذا المعنى : وصف الله نفسه بهذين الوصفين في هذا المقام .
المسألة العاشرة : إنما قدم ذكر العزيز على ذكر الحميد ، لأن الصحيح أن أول العلم بالله العلم بكونه تعالى قادرا ، ثم بعد ذلك العلم بكونه عالما ، ثم بعد ذلك العلم بكونه غنيا عن الحاجات ، والعزيز هو القادر ، والحميد هو العالم الغني ، فلما كان العلم بكونه تعالى قادرا متقدما على العلم بكونه عالما بالكل غنيا عن الكل لا جرم قدم الله ذكر الحميد ، والله أعلم .
أخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير أنها نزلت بمكة والظاهر أنهما أرادا أنها كلها كذلك وهو الذي عليه الجمهور وأخرج النحاس في ناسخه عن الحبر أنها مكية إلا آيتين منها فإنهما نزلتا بالمدينة وهما ( ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا ) الآيتين نزلتا في قتلى بدر من المشركين وأخرج نحوه أبو الشيخ عن قتادة وقال الإمام : إذا لم يكن في السورة ما يتصل بالأحكام فنزولها بمكة والمدينة سواء إذ لا يختلف الغرض فيه إلا أن يكون فيها ناسخ أو منسوخ فتظهر فائدته يعني أنه لا يختلف الحال وتظهر ثمرته إلا بما ذكر فان لم يكن ذلك فليس فيه إلا ضبط زمان النزول وكفى به فائدة هل في هذه السورة منسوخ أو لا قولان والجمهور على الثاني وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أن فيها آية منسوخة وهي قوله تعالى : ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار ) فانه قد نسخت باعتبار الآخر بقوله تعالى في سورة النحل : ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم ) وفيه نظر وهي إحدى وخمسون آية في البصري وقيل : خمسون فيه واثنان وخمسون في الكوفي وأربع في المدني وخمس في الشامي وارتباطها بالسورة التي قبلها واضح جدا لأنه قد ذكر في تلك السورة من مدح الكتاب وبيان أنه مغن عما اقترحوه ما ذكر وافتتحت هذه بوصف الكتاب والإيماء إلى أنه مغن عن ذلك أيضا وإذا أريد ( بمن عنده علم الكتاب ) الله تعالى ناسب مطلع هذه ختام تلك أشد مناسبة وأيضا قد ذكر في تلك انزل القرآن حكما عربيا ولم يصرح فيها بحكمة ذلك وصرح بها هنا وأيضا تضمنت تلك الأخبار من قبله تعالى بأنه ما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله تعالى وتضمنت هذه الأخبار به من جهة الرسل عليهم السلام وأنهم قالوا : ما كان لنا أن نأتي بسلطان إلا بإذن الله وأيضا ذكر هناك أمره عليه الصلاة والسلام بأن ( عليه توكلت ) وحكى هنا عن إخوانه المرسلين عليهم السلام توكلهم عليه سبحانه وأمرهم بالتوكل عليه جل شأنه واشتملت تلك على تمثيل للحق والباطل واشتملت هذه على ذلك أيضا بناء على بعض ما ستسمعه إن شاء الله تعالى في قوله سبحانه : ( مثلا كلمة طيبة ) إلى آخره وأيضا ذكر في الأولى من رفع السماء ومد الأرض وتسخير الشمس والقمر إلى غير ذلك ما ذكر وذكر هنا نحو ذلك إلا أنه سبحانه اعتبر ما ذكر أولا آيات وما ذكر ثانيا نعما وصرح في كل بأشياء لم يصرح بها في الآخر وأيضا قد ذكر هناك مكر الكفرة وذكر هنا أيضا وذكر من وصفه ما لم يذكر هناك وأيضا قال الجلال السيوطي : إنه ذكر في
الأولى قوله تعالى : ( ولقد استهزىء برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم ) وذلك مجمل في أربعة مواضع الرسل والمستهزئين وصفة الاستهزاء والأخذ وقد فصلت الأربعة في قوله سبحانه : ( ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح ) الآيات وقد اشتركت السورتان مما عدا افتتاح كل منهما بالمتشابه بأن كلا قد افتتح بالألف واختتم بالباء وجمعا أيضا في آخر ما ختما به وبقى مناسبات بينهما غير ما ذكرنا لو ذكرناها لطال الكلام والله تعالى أعلم بما في كتابه الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ
{ بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم ألر } مر الكلام فيما يتعلق به { كتاب } جوز فيه أن يكون خبراً لألر على تقدير كونه مبتدأ أو لمبتدأ مضمر على تقدير كونه خبراً لمبتدأ محذوف أو مفعولاً لفعل محذوف أو مسروداً على نمط التعديد ، وجوز أن يكون خبراً ثانياً للمبتدأ الذي أخبر عنه بالر وأن يكون مبتدأ وسوغ به كونه موصوفاً في التقدير أي كتاب عظيم ، وقوله تعالى : { أنزلناه إِلَيْكَ } إما في موضع الصفة أو الخبر وهو مع مبتدآته قيل في موضع التفسير ، وفي إسناد الإنزال إلى ضمي العظمة ومخاطبته عليه الصلاة والسلام مع إسناد الإخراج إليه صلى الله عليه وسلم في قوله سبحانه : { لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور } ما لا يخفى من التفخيم والتعظيم ، واللام متعلقة { *بأنزلناه } ، والمراد من الناس جميعهم أي أنزلناه إليك لتخرجهم كافة بما في تضاعيفه من البينات الواضحة المفصحة عن كونه من عند الله تعالى الكاشفة عن العقائد الحقة من عقائد الكفر والضلال وعبادة الله عز وجل من الآلهة المختلفة كالملاكئة وخواص البشر والكواكب والأصنام التي كلها ظلمات محضة وجهالات صرفة إلى الحق المؤسس على التوحيد الذي هو نور بحت وقرىء { لّيُخْرِجَ } بالياء التحتانية في { يَخْرُجُ } ورفع { الناس } به { بِإِذْنِ رَبّهِمْ } أي بتيسيره وتوفيقه تعالى وهو مستعار من الاذن الذي يوجب تسهيل الحجاب لمن يقصد الورود ، ويجوز أن يكون مجازاً مرسلاً بعلاقة اللزوم ، وقال محيى السنة : إذنه تعالى أمره ، وقيل : علمه وقيل : إرادته جل شأنه وهي ما قيل متقاربة ، ومنع الإمام أن يراد بذلك الأمر أو العلم وعلله بما لا يخلو عن نظر . وفي الكلام على ما ذكر أولاً ثلاث استعارات . إحداها ما سمعت في الاذن والأخريان في { الظلمات } و { النور } وقد أشير إلى المراد منهما ، وجوز العلامة الطيبي أن تكون كلها استعارة مركبة تمثيلية بتصوير الهدى بالنور والضلال بالظلمة والمكلف المنغمس في ظلمة الكفر بحيث لا يتسهل له الخروج إلى نور الايمان إلا بتفضل الله تعالى بإرسال رسول بكتاب يسهل عليه ذلك كمن وقع في تيه مظلم ليس منه خلاص فبعث ملك توقيعاً لبعض خواصه في استخلاصه وضمن تسهيل ذلك على نفسه ثم استعمل هنا ما كان مستعملاً هناك فقيل : توقيعاً لبعض خواصه في استخلاصه وضمن تسهيل ذلك على نفسه ثم استعمل هنا ما كان مستعملاً هناك فقيل : { كِتَابٌ أنزلناه } إلى آخره ، وكان الظاهر بإذننا إلا أنه وضع ذلك الظاهر موضع الضمير ، وقيل : { رَّبُّهُمْ } للإشعار بالتربية واللطف والفضل وبأن الهداية لطف محض ، وفيه أن الكتاب والرسول والدعوة لا تجدي دون إذن الله تعالى كما قال سبحانه :
{ إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ ولكن الله يَهْدِى مَن يَشَاء } [ القصص : 56 ] اه ، وما ذكره من الاستعارة التمثيلية مع بلاغته وحسنه لا يخلو عن بعد ، وكأنه للأنباء عن كون التيسير والتوفيق منوطين بالإقبال إلى الحق كما يفصح عنه قوله تعالى : { وَيَهْدِى إِلَيْهِ مِنَ * أَنَابَ } [ الرعد : 27 ] استعير لذلك الاذن الذي هو ما علمت ، وأضيف إلى ضمير الناس اسم الرب المفصح عن التربية التي هي عبارة عن تبليغ الشيء إلى كماله المتوجه إليه ، وشمول الاذن بذلك المعنى للكل واضح وعليه يدور كون الإنزال لإخراجهم جميعاً ، وعدم تحقق الاذن بالفعل في بعضهم لعدم تحقق شرطه المستند إلى سوء اختيارهم ورداءة استعدادهم غير مخل بذلك ، ومن هنا فساد قول القطبرسي : إن اللام لام الغرض لا لام العاقبة والإلزام أن يكون جميع الناس مؤمنين والواقع بخلافه ، وذكر الإمام أن المعتزلة استدلوا بهذه الآية على أن أفعال الله تعالى تعلل برعاية المصالح ، ثم ساق دليل أصحابه على امتناع ذلك وذكر أنه إذا ثبت الامتناع يلزم تأويل كل ما أشعر بخلافه وتأويله بحمل اللام على لام العاقبة ونحوها ، ونقل عن ابن القيم . وغيره القول بالتعليل وأنه مذهب السلف وأن في الكتاب والنسة ما يزيد على عشرة آلاف موضع ظاهرة في ذلك وتأويل الجميع خروج عن الإنصاف ، وليس الدليل على امتناع ذلك من المتانة على وجه يضطر معه إلى التويل ، وللشيخ إبراهيم الكوراني في بعض رسائله كلام نفيس في هذا الغرض سالم فيما أرى عن العلة إن أردته فارجع إليه ، والباء متعلقة بتخرج على ما هو الظاهر ، وجوز أن يكون متعلقاً بمضمر وقع حالاً من مفعوله أي ملتبسين بإذن ربهم ، ومنهم من جوز كونه حالاً من فاعله أي ملتبساً بإذن ربهم . وتعقب بأنه يأباه إضافة الرب إليهم لا إليه صلى الله عليه وسلم . ورود بما رد فتأمل . واستدل بالآية القائلون بأن معرفة الله تعالى لا تحصل إلا من طريق التعليم من الرسول صلى الله عليه وسلم حيث ذكر فيها أنه عليه الصلاة والسلام هو الذي يخرج الناس من ظلمات الضلال إلى نور الهدى . وأجيب بأن الرسول عليه الصلاة والسلام كالمنبه وأما المعرفة فإنما تحصل من الدليل ، واستدل بها أيضاً كل من المعتزلة وأهل السنة على مذهبه في أفعال العباد وتفضيل ذلك في تفسير الإمام .
{ إلى صِرَاطِ العزيز الحميد } الجار والمجرور بدل من الجار والمجرور فيما تقدم أعني قوله تعالى : { إِلَى النور } وقال غير واحد : إن { صراط } بدل من { النور } وأعيد عامله وكرر لفظاً ليدل على البدلية كما في قوله تعالى : { لِلَّذِينَ استضعفوا لِمَنْ ءامَنَ مِنْهُمْ } [ الأعراف : 75 ] ولا يضر الفصل بين البدل والمبدل منه بما قبله لأنه غير أجنبي إذ هو من معمولات العامل في المبدل منه على كل حال .
واستشكل هذا مع الاستعارة السابقة بأن التعقيب بالبدل لا يتقاعد عن التعقيب بالبيان في مثل قوله تعالى : { حتى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخيط الابيض مِنَ الخيط الاسود مِنَ الفجر } [ البقرة : 187 ] وأجيب بأن الصراط استعارة أخرى للهدى جعل نوراً أولاً لظهوره في نفسه واستضاءة الضلال في مهواة الهوى به ، ثم جعل ثانياً جادة مسلوكة مأمونة لا كبنيات الطرق دلالة على تمام الإرشاد .
وفي الإرشاد أن إخلال البيان والبدل بالاستعارة إنما هو في الحقيقة لا في المجاز وهو ظاهر ، وجوز أن يكون الجار والمجرور متعلقاً بمحذوف على أنه جواب سائل يسأل إلى أي نور ؟ فقيل : { إلى صراط } إلى آخره ، وإضافة الصراط إليه تعالى لأنه مقصده أو المبين له ، وتخصيص الوصفين الجليلين بالذكر للترغيب في سلوكه إذ في ذلك إشارة إلى أنه يعز سالكه ويحمد سابله ، وقال أبو حيان : النكتة في ذلك أنه لما ذكر قبل إنزاله تعالى لهذا الكتاب وإخراج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم ناسب ذكر هاتين الصفتين صفة العزة المتضمنة للقدرة والغلبة لإنزاله مثل هذا الكتاب المعجز الذي لا يقدر عليه سواه ، وصفة الحمد لإنعامه بأعظم النعم لإخراج الناس من الظلمات إلى النور ، ووجه التقديم والتأخير على هذا ظاهر .
وقال الإمام : إنما قدم ذكر { العزيز } على ذكر { الحميد } لأن الصحيح أن أول العلم بالله تعالى العلم بكونه تعالى قادراً ثم بعد ذلك العلم بكونه عالماً ثم بعد ذلك العلم بكونه غنياً عن الحاجات ، والعزيز هو القادر والحميد هو العالم الغني فلما كان العلم بكونه تعالى قادراً متقدماً على العلم بكونه عالماً بالكل غنياً عنه لا جرم قدم ذكر العزيز على ذكر الحميد اه ولم نر تفسير { الحميد } بما ذكر لغيره ، وفي المواقف وشرح أسماء الله تعالى الحسنى لحجة الإسلام الغزالي وغيرهما أن { الحميد } هو المحمود المثنى عليه وهو سبحانه محمود بحمده لنفسه أزلاً وبحمد عباده له تعالى أبداً ، وبين هذا وما ذكره الإمام بعد بعيد ، وأما ما ذكره في { العزيز } فهو قول لبعضهم ؛ وقيل : هو الذي لا مثل له .
وربما يقال على هذا : إن التقديم للاعتناء بالصفات السلبية كما يؤذن به قولهم : التخلية أولى من التحلية وكذا قوله تعالى : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء وَهُوَ السميع البصير } [ الشورى : 11 ] ولعل كلامه قدس سره بعد لا يخلو عن نظر .
( ومن باب الإشارة ) : في الآيات : { الر كِتَابٌ أنزلناه إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور } فيه احتمالات عندهم فقيل : من ظلمات الكثرة إلى نور الوحدة أو من ظلمات صفات النشأة إلى نور الفطرة ، أو من ظلمات حجب الأفعال والصفات إلى نور الذات ، وهو المراد بقولهم : النور البحت الخالص من شوب المادة والمدة . وقال جعفر : من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان ، ومن ظلمات البدعة إلى نور السنة ، ومن ظلمات النفوس إلى نور القلوب ، وقال أبو بكر بن طاهر : من ظلمات الظن إلى نور الحقيقة وقيل غير ذلك { بِإِذْنِ رَبّهِمْ } بتيسيره بهبة الاستعداد وتهيئة أسباب الخروج إلى الفعل { إلى صِرَاطِ العزيز } الذي يقهر الظلمة بالنور
{ الحميد } [ إبراهيم : 1 ] بكمال ذاته أو بما يهب لعباده المستعدين من الفضائل والعلوم أو من الوجود الباقي أو نحو ذلك