قوله تعالى { ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور . وإذ قال لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم }
المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما بين أنه إنما أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الناس ليخرجهم من الظلمات إلى النور ، وذكر كمال إنعامه عليه وعلى قومه في ذلك الإرسال وفي تلك البعثة ، أتبع ذلك بشرح بعثة سائر الأنبياء إلى أقوامهم وكيفية معاملة أقوامهم معهم تصبيرا للرسول عليه السلام على أذى قومه وإرشادا له إلى كيفية مكالمتهم ومعاملتهم فذكر تعالى على العادة المألوفة قصص بعض الأنبياء عليهم السلام فبدأ بذكر قصة موسى عليه السلام ، فقال : { ولقد أرسلنا موسى بآياتنا } قال الأصم : آيات موسى عليه السلام هي العصا واليد والجراد والقمل والضفادع والدم وفلق البحر وانفجار العيون من الحجر وإظلال الجبل وإنزال المن والسلوى . وقال الجبائي : أرسل الله تعالى موسى عليه السلام إلى قومه من بني إسرائيل بآياته وهي أدلته وكتبه المنزلة عليه ، وأمره أن يبين لهم الدين . وقال أبو مسلم الأصفهاني : إنه تعالى قال في صفة محمد صلى الله عليه وسلم : { كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور } وقال في حق موسى عليه السلام : { أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور } والمقصود : بيان أن المقصود من البعثة واحد في حق جميع الأنبياء عليهم السلام ، وهو أن يسعوا في إخراج الخلق من ظلمات الضلالات إلى أنوار الهدايات .
المسألة الثانية : قال الزجاج : قوله : { أن أخرج قومك } أي بأن أخرج قومك . ثم قال : { أن } ههنا تصلح أن تكون مفسرة بمعنى أي ، ويكون المعنى : ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أي أخرج قومك ، كأن المعنى قلنا له : أخرج قومك . ومثله قوله : { وانطلق الملأ منهم أن امشوا } أي أمشوا ، والتأويل قيل لهم : امشوا ، وتصلح أيضا أن تكون المخففة التي هي للخبر ، والمعنى : أرسلناه بأن يخرج قومه إلا أن الجار حذف ووصلت ( أن ) بلفظ الأمر ، ونظيره قولك : كتبت إليه أن قم وأمرته أن قم ، ثم إن الزجاج حكى هذين القولين عن سيبويه .
أما قوله : { وذكرهم بأيام الله } فاعلم أنه تعالى أمر موسى عليه السلام في هذا المقام بشيئين : أحدهما : أن يخرجهم من ظلمات الكفر ، والثاني : أن يذكرهم بأيام الله ، وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : قال الواحدي : أيام جمع يوم ، واليوم هو مقدار المدة من طلوع الشمس إلى غروبها ، وكانت الأيام في الأصل أيوام فاجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون ، فأدغمت إحداهما في الأخرى وغلبت الياء .
المسألة الثانية : أنه يعبر بالأيام عن الوقائع العظيمة التي وقعت فيها . يقال : فلان عالم بأيام العرب ويريد وقائعها وفي المثل من ير يوما ير له معناه : من رؤي في يوم مسرورا بمصرع غيره ير في يوم آخر حزينا بمصرع نفسه ، وقال تعالى : { وتلك الأيام نداولها بين الناس } .
إذا عرفت هذا ، فالمعنى عظهم بالترغيب والترهيب والوعد والوعيد ، فالترغيب والوعد أن يذكرهم ما أنعم الله عليهم وعلى من قبلهم ممن آمن بالرسل في سائر ما سلف من الأيام ، والترهيب والوعيد : أن يذكرهم بأس الله وعذابه وانتقامه ممن كذب الرسل ممن سلف من الأمم فيما سلف من الأيام ، مثل ما نزل بعاد وثمود وغيرهم من العذاب ، ليرغبوا في الوعد فيصدقوا ويحذروا من الوعيد فيتركوا التكذيب .
واعلم أن أيام الله في حق موسى عليه السلام منها ما كان أيام المحنة والبلاء وهي الأيام التي كانت بنو إسرائيل فيها تحت قهر فرعون ، ومنها ما كان أيام الراحة والنعماء مثل إنزال المن والسلوى وانفلاق البحر وتظليل الغمام .
ثم قال تعالى : { إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور } والمعنى أن في ذلك التذكير والتنبيه دلائل لمن كان صبارا شكورا ، لأن الحال إما أن يكون حال محنة وبلية أو حال منحة وعطية فإن كان الأول ، كان المؤمن صبارا ، وإن كان الثاني كان شكورا . وهذا تنبيه على أن المؤمن يجب أن لا يخلو زمانه عن أحد هذين الأمرين فإن جرى الوقت على ما يلائم طبعه ويوافق إرادته كان مشغولا بالشكر ، وإن جرى بما لا يلائم طبعه كان مشغولا بالصبر .
فإن قيل : إن ذلك التذكير آيات للكل فلماذا خص الصبار الشكور بها ؟
قلنا : فيه وجوه : الأول : أنهم لما كانوا هم المنتفعون بتلك الآيات صارت كأنها ليست آيات إلا لهم كما في قوله : { هدى للمتقين } وقوله : { إنما أنت منذر من يخشاها } والثاني : لا يبعد أن يقال : الانتفاع بهذا النوع من التذكير لا يمكن حصوله إلا لمن كان صابرا أو شاكرا ، أما الذي لا يكون كذلك لم ينتفع بهذه الآيات .
{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى } شروع في تفصيل ما أجمل في قوله تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ } [ إبراهيم : 4 ] الآية { بئاياتنا } أي ملتبساً بها وهي كما أخرج ابن جرير . وغيره عن مجاهد . وعطاء . وعبيد بن عمير الآيات التسع التي أجراها الله تعالى على يده عليه السلام ، وقيل : يجوز أن يراد بها آيات التوراة { أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ } بمعنى أي أخرج فإن تفسيرية لأن في الإرسال معنى القول دون حروفه أو بأن أخرج فهي مصدرية حذف قبلها حرف الجر لأن أرسل يتعدى بالباء ، والجار يطرد حذفه قبل أن وأن ، واتصال المصدرية بالأمر أمر مر تحقيقه .
وزعم بعضهم أن { ءانٍ } هنا زائدة ولا يخفى ضعفه ، والمراد من قومه عليه السلام كما هو الظاهر بنو إسرائيل ومن إخراجهم إخراجهم بعد مهلك فرعون { مِنَ الظلمات } من الكفر والجهالات التي كانوا فيها وأدت بهم إلى أن يقولوا : { قَالُواْ ياموسى اجعل لَّنَا إلها كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ } [ الأعراف : 138 ] { إِلَى النور } إلى الإيمان بالله تعالى وتوحيده وسائر ما أمروا به ، وقيل : أخرجهم من ظلمات النقص إلى نور الكماب { وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله } أي بنعمائه وبلائه كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، واختاره الطبري لأنه الأنسب بالمقام والأوفق بما سيأتي إن شاء الله تعالى من الكلام ، والعطف على { أَخْرَجَ } وجوز أن تكون الجملة مستأنفة ، والالتفات من التكلم إلى الغيبة بإضافة الأيام إلى الاسم الجليل للإيذان بفخامة شأنها والإشعار على ما قيل بعدم اختصاص ما فيها من المعاملة بالمخاطب وقومه كما يوهمه الإضافة إلى ضمير المتكلم ، وحاصل المعنى عظهم بالترغيب والترهيب والوعد والوعيد . وعن ابن عباس أيضاً . والربيع . ومقاتل . وابن زيد المراد بأيام الله وقائعه سبحانه ونقماته في الأمم الخالية ، ومن ذلك أيام العرب لحروبها وملاحمها كيوم ذي قار . ويوم الفجار . ويوم قضة . وغيرها ، واستظهره الزمخشري للغلبة العرفية وأن العرب استعملته للوقائع ، وأنشد الطبرسي لذلك قول عمرو بن كلثوم :
وأيام لنا غرر طوال . . . عصينا الملك فيها إن ندينا
وأنشده الشهاب للمعنى السابق ، وأنشد لهذا قوله :
وأيامنا مشهورة في عدونا . . . وأخرج النسائي . وعبد الله بن حمد في «زوائد المسند » . والبيهقي في شعب الإيمان . وغيرهم عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسر الأيام في الآية بنعم الله تعالى وآلائه ، وروى ذلك ابن المنذر عن ابن عباس . ومجاهد ، وجعل أبو حيان من ذلك بيت عمرو ، واوظهر فيه ما ذكره الطبرسي .
وأنت تعلم أنه إن صح الحديث فعليه الفتوى ، لكن ذكر شيخ الإسلام في ترجيح التفسير المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أولاً على ما روي ثانياً بأنه يرد الثاني ما تصدى له عليه السلام بصدد الامتثال من التذكير بكل من السراء والضراء مما جرى عليهم وعلى غيرهم حسبما يتلى بعد ، وهو يبعد صحة الحديث ، والقول بأن النقم بالنسبة إلى قوم نعم بالنسبة إلى آخرين كما قيل :
مصائب قوم عند قوم فوائد . . . مما لا ينبغي أن يلتفت إليه عاقل في هذا المقام . نعم إن قوله تعالى : { اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ } [ إبراهيم : 6 ] ظاهر في تفسير الأيام بالنعم وما يستدعي غير ذلك ستسمع فيه أقوالاً لا يستدعيه على بعضها .
وزعم بعضهم أن المراد من قومه عليه السلام القبط { وَرَسُولِهِ والنور } الكفر والإيمان لا غير ، وقيل : قومه عليه السلام القبط . وبنو إسرائيل وكان عليه السلام مبعوثاً إليهم جميعاً إلا أنه بعث إلى القبط بالاعتراف بوحدانية الله تعالى وأن لا يشركوا به سبحانه شيئاً ، وإلى بني إسرائيل بذلك وبالتكليف بفروع الشريعة .
وقيل : هم بنو إسرائيل فقط إلا أن المراد من { الظلمات والنور } إن كانوا كلهم مؤمنين ظلمات ذل العبودية ونور عزة الدين وظهور أمر الله تعالى ، ونحن نقول : نسأل الله تعالى أن يخرجنا وأهل هذه الأقوال من ظلمات الجهل إلى نور العلم { إِنَّ فِى ذَلِكَ } أي ذي التذكير بأيام الله تعالى أو في الأيام { لاَيَاتٍ } عظيمة أو كثيرة دالة على وحدانية الله تعالى وقدرته وعلمه وحكمته ، وهي على الأول الأيام ، ومعنى كون التذكير ظرفاً لها كونه مناطاً لظهورها ، وعلى الثاني كذلك أيضاً إلا أن كلمة { فِى } تجريدية أو هي عليه كل واحدة من النعماء والبلاء ، والمشار إليه المجموع المشتمل عليها من حيث هو مجموع ، وجوز أن يراد بالأيام فيما سبق أنفسها المنطوية على النعم والنقم ، فإذا كانت الإشارة إليها وحملت الآيات على النعماء والبلاء فأمر الظرفية ظاهر { لّكُلّ صَبَّارٍ } كثير الصبر على بلائه تعالى { شَكُورٍ } كثير الشكر لنعمائه عز وجل .
وقيل : المراد لكل مؤمن ، فعلى الأول الوصفان عبارتان لمعنيين ، وعلى هذا عبارة عن معنى واحد على طريق الكناية كحي مستوي القامة بادي البشرة في الكناية عن الإنسان ، والتعبير عن المؤمن بذلك للإشعار بأن الصبر والشكر عنوان المؤمن الدال على ما في باطنه . والمراد على ما قيل لكل من يليق بكمال الصبر والشكر أو الإيمان ويصير أمره إلى ذلك لا لمن اتصف به بالفعل لأن الكلام تعليل للأمر بالتذكير المذكور السابق على التذكير المؤدي إلى تلك المرتبة ، فإن من تذكر ما فاض أو نزل عليه أو على ما قبله من النعمة والنقمة وتنبه لعاقبة الصبر والشكر أو الإيمان لا يكاد يفارق ذلك وتخصيص الآيات بالصبار الشكور لأنه المنتفع بها لا لأنها خافية عن غيره فإن التبيين حاصل بالنسبة إلى الكل ، وتقديم الصبر على الشكر لما أن الصبر مفتاح الفرج المقتضى للشكر ، وقيل : لأنه من قبيل التروك يقال : صبرت الدابة إذا حبستها بلا علف والشكر ليس كذلك فإنه كما قال الراغب تصور النعمة وإظهارها ، قيل : وهو مقلوب الكشر أي الكشف ، وقيل : أصله من عين شكرى أي ممتلئة فالشكر على هذا هو الامتلاء من ذكر المنعم عليه ، وهو على ثلاثة أضرب : شكر القلب .
وشكر اللسان . وشكر الجوارح ، وذكر أن توفية شكر الله تعالى صعبة ، ولذلك لم يثن سبحانه بالشكر على أحد من أوليائه إلا على اثنين نوح( {[479]} ) وإبراهيم( {[480]} ) عليهما السلام ، وقد يكون انقسام الشكر على النعمة وعدم انقسام الصبر على النقمة وجهاً للتقديم والتأخير ، وقيل : ذلك لتقدم متعلق الصبر أعني البلاء على متعلق الشكر أعني النعماء .
( ومن باب الإشارة ) :{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بئاياتنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظلمات إِلَى النور وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله } وهي أيام وصاله سبحانه حين كشف لعباده سجف الربوبية في حضرة قدسية وأدناهم إلى جنابه ومن عليهم بلذيذ من خطابه :
سقياً لهم ولطيبها . . . ولحسنها وبهائها
أيام لم يلج النوى . . . بين العصا ولحائها
وكانت بالعراق لنا ليال . . . سلبناهن من ريب الزمان
جعلناهن تاريخ الليالي . . . وعنوان المسرة والأماني
وأمره عليه السلام بتذكير ذلك لبثور غرامهم ويأخذ بهم نحو الحبيب هيامهم فقد قيل :
تذكر والذكرى تشوق وذو الهوى . . . يتوق ومن يعلق به الحب يصبه
وجوز أن يراد بأيام الله تعالى أيام تجليه جل جلاله بصفة الجلال وتذكيرهم بذلك ليخافوا فيمتثلوا
{ إِنَّ فِى ذلك لآيات لّكُلّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } [ إبراهيم : 5 ] أي لكل مؤمن بالإيمان الغيبي إذ الصبر والشكر على ما قيل مقامان للسالك قبل الوصول