مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يَسۡتَحِبُّونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا عَلَى ٱلۡأٓخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبۡغُونَهَا عِوَجًاۚ أُوْلَـٰٓئِكَ فِي ضَلَٰلِۭ بَعِيدٖ} (3)

ثم بين تعالى صفة هؤلاء الكافرين الذين توعدهم بالويل الذي يفيد أعظم العذاب ، وذكر من صفاتهم ثلاثة أنواع : الأول : قوله : { الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : إن شئت جعلت «الذين » صفة الكافرين في الآية المتقدمة ، وإن شئت جعلته مبتدأ وجعلت الخبر قوله : { أولئك } وإن شئت نصبته على الذم .

المسألة الثانية : الاستحباب طلب محبة الشيء ، وأقول إن الإنسان قد يحب الشيء ولكنه لا يحب كونه محبا لذلك الشيء ، مثل من يميل طبعه إلى الفسق والفجور ، ولكنه يكره كونه محبا لهما ، أما إذا أحب الشيء وطلب كونه محبا له ، وأحب تلك المحبة فهذا هو نهاية المحبة فقوله : { الذين يستحبون الحياة الدنيا } يدل على كونهم في نهاية المحبة للحياة الدنيوية ، ولا يكون الإنسان كذلك إلا إذا كان غافلا عن الحياة الأخروية ، وعن معايب هذه الحياة العاجلة ، ومن كان كذلك كان في نهاية الصفات المذمومة ، وذلك لأن هذه الحياة موصوفة بأنواع كثيرة من العيوب . فأحدها : أن بسبب هذه الحياة انفتحت أبواب الآلام والأسقام والغموم والهموم والمخاوف والأحزان . وثانيها : أن هذه اللذات في الحقيقة لا حاصل لها إلا دفع الآلام ، بخلاف اللذات الروحانية فإنها في أنفسها لذات وسعادات . وثالثها : أن سعادات هذه الحياة منغصة بسبب الانقطاع والانقراض والانقضاء . ورابعها : أنها حقيرة قليلة ، وبالجملة فلا يحب هذه الحياة إلا من كان غافلا عن معايبها وكان غافلا عن فضائل الحياة الروحانية الأخروية ، ولذلك قال تعالى : { والآخرة خير وأبقى } فهذه الكلمة جامعة لكل ما ذكرناه .

المسألة الثالثة : إنما قال : { يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة } لأن فيه إضمارا ، والتقدير : يستحبون الحياة الدنيا ويؤثرونها على الآخرة ، فجمع تعالى بين هذين الوصفين ليتبين بذلك أن الاستحباب للدنيا وحده لا يكون مذموما إلا بعد أن يضاف إليه إيثارها على الآخرة ، فأما من أحبها ليصل بها إلى منافع النفس وإلى خيرات الآخرة فإن ذلك لا يكون مذموما حتى إذا آثرها على آخرته بأن اختار منها ما يضره في آخرته فهذه المحبة هي المحبة المذمومة .

النوع الثاني : من الصفات التي وصف الله الكفار بها قوله تعالى : { ويصدون عن سبيل الله } .

واعلم أن من كان موصوفا باستحباب الدنيا فهو ضال ، ومن منع الغير من الوصول إلى سبيل الله ودينه فهو مضل ، فالمرتبة الأولى إشارة إلى كونهم ضالين ، وهذه المرتبة الثانية وهي كونهم صادين عن سبيل الله إشارة إلى كونهم مضلين .

والنوع الثالث : من تلك الصفات قوله : { ويبغونها عوجا } ، واعلم أن الإضلال على مرتبتين :

المرتبة الأولى : أنه يسعى في صد الغير ومنعه من الوصول إلى المنهج القويم والصراط المستقيم .

والمرتبة الثانية : أن يسعى في إلقاء الشكوك والشبهات في المذهب الحق ، ويحاول تقبيح صفته بكل ما يقدر عليه من الحيل ، وهذا هو النهاية في الضلال والإضلال ، وإليه الإشارة بقوله : { ويبغونها عوجا } قال صاحب «الكشاف » الأصل في الكلام أن يقال : ويبغون لها عوجا ، فحذف الجار وأوصل الفعل ، ولما ذكر الله تعالى هذه المراتب الثلاثة لأحوال هؤلاء الكفار قال في صفتهم : { أولئك في ضلال بعيد } وإنما وصف هذا الضلال بالبعد لوجوه :

الوجه الأول : أنا بينا أن أقصى مراتب الضلال هو الذي وصفه الله تعالى في هذه المرتبة فهذه المرتبة في غاية البعد عن طريق الحق ، فإن شرط الضدين أن يكونا في غاية التباعد ، مثل السواد والبياض ، فكذا ههنا الضلال الذي يكون واقعا على هذا الوجه يكون في غاية البعد عن الحق فإنه لا يعقل ضلال أقوى وأكمل من هذا الضلال .

والوجه الثاني : أن يكون المراد أنه يبعد ردهم عن طريقة الضلال إلى الهدى ، لأنه قد تمكن ذلك في نفوسهم .

والوجه الثالث : أن يكون المراد من الضلال الهلاك ، والتقدير : أولئك في هلاك يطول عليهم فلا ينقطع ، وأراد بالبعد امتداده وزوال انقطاعه .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يَسۡتَحِبُّونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا عَلَى ٱلۡأٓخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبۡغُونَهَا عِوَجًاۚ أُوْلَـٰٓئِكَ فِي ضَلَٰلِۭ بَعِيدٖ} (3)

{ الذين يَسْتَحِبُّونَ الحياة الدنيا عَلَى الاخرة } أي يختارونها عليها فإن المختار للشيء يطلب من نفسه أن يكون أحب إليه من غيره ، فالسين للطلب ، والمحبة مجاز مرسل عن الاختيار والإيثار بعلاقة اللزوم في الجملة فلا يضر وجود أحدهما بدون الآخر كاختيار المريض الدواء المر لنفعه وترك ما يحبه ويشتهيه من الأطعمة اللذيذة لضرره ، ولاعتبار التجوز عدى الفعل بعلى ويجوز أن يكون استفعل بمعنى أفعل كاستجاب بمعنى أجاب والفعل مضمن معنى الاختيار والتعدية بعلى لذلك { وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله } يعوقون الناس ويمنعونهم عن دين الله تعالى والإيمان به وهو الصراط الذي بين شأنه ، والاقتصار على الإضافة إلى الاسم الجليل المنطوي على كل وصف جميل لزوم الاختصار .

وقرأ الحسن { يَصِدُّونَ } من أصد المنقول من صده صدود إذا تنكب وحاد وهو ليس بفصيح بالنسبة إلى القراءة الأخرى لأن في صده مندوحة عن تكلف النقل ولا محذور في كون القراءة المتواترة أفصح من غيرها ، ومن مجيء أصد قوله :

أناس أصدوا الناس بالسيف عنهم . . . صدود السواقي عن أنوف الحوائم

ونظير هذا وقفه وأوقفه { وَيَبْغُونَهَا } أي يبغون لها فحذف الجار وأوصل الفعل إلى الضمير أي يطلبون لها { عِوَجَا } أي زيغاً واعوجاجاً وهي أبعد شيء عن ذلك أي يقولون لمن يريدون صده وإضلاله عن السبيل هي سبيل ناكبة وزائغة غير مستقيمة ، وقيل : المعنى يطلبون أن يروا فيها ما يكون عوجاً قادحاً فيها كقول من لم يصل إلى العنقود وليسوا بواجدين ذلك ، وكلا المعنيين أنسب مما قيل : إن المعنى يبغون أهلها أن يعوجوا بالردة . ومحل موصول هذه الصلات الجر على أنه بدل كما قيل من { الكافرين } [ إبراهيم : 2 ] فيعتبر كل وصف من أوصافهم بما يناسبه من المعاني المعتبرة في الصراط ، فالكفر المنبىء عن الستر بإزاء كونه نوراً ، واستحباب الحياة الدنيا الفانية المفصحة عن وخامة العاقبة بمقابلة كون مسلوكه محمود العاقبة ، والصد عنه بإزاء كونه سالكه عزيزاً .

وقال الحوفي . وأبو البقاء : إنه صفة { الكافرين } ورد ذلك أبو حيان بأن فيه الفصل بين الصفة والموصوف بأجنبي وهو { مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } [ إبراهيم : 2 ] سواء كان في موضع الصفة لويل أو متعلقاً بمحذوف ، ونظير ذلك على الوصفية قولك : الدار لزيد الحسنة القرشي وهو لا يجوز لأنك قد فصلت بين زيد وصفته بأجنبي عنهما ، والتركيب الصحيح فيه أن يقال : الدار الحسنة لزيد القرشي أو الدار لزيد القرشي الحسنة ، وقيل إذا جعل { مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } [ إبراهيم : 2 ] خبر مبتدأ محذوف والجملة اعتراضية لا يضر الفصل بها وهو كما ترى ، وجوز أن يكون محله النصب على الذم أو الرفع عليه بأن يقدر أنه كان نعتاً فقطع أي هم الذين ، وجوز أن لا يقدر ذلك ويجعل مبتدأ خبره قوله تعالى : { أُوْلَئِكَ فِى ضلال } أي بعد عن الحق { بَعِيدٍ } وهو على غير هذا الوجه استئناف في موضع التعليل ، وفيه تأكيد لما أشعر به بناء الحكم على الموصول ، والمراد أنهم قد ضلوا عن الحق ووقعوا عنه بمراحل .

وفي الآية من المبالغة في ضلالهم ما لا يخفى حيث أسند فيها إلى المصدر ما هو لصاحبه مجازاً كجد جده إلا أن الفرق بين ما نحن فيه وذاك أن المسند إليه في الأول مصدر غير المسند وفي ذاك مصدره وليس بينهما بعد .

ويجوز أن يقال : إنه أسند فيها ما للشخص إلى سبب إتصافه بما وصف به بناء على أن البعد في الحقيقة صفة له باعتبار بعد مكانه عن مقصده وسبب بعده ضلاله لأنه لو لم يضل لم يبعد عنه ، فيكون كقولك : قتل فلاناً عصيانه ، والإسناد مجازي وفيه المبالغة المذكورة أيضاً ، وفي «الكشاف » هو من الإسناد المجازي والبعد في الحقيقة للضال فوصف به فعله ، ويجوز أن يراد في ضلال ذي بعد أو فيه بعد لأن الضال قد يضل عن الطريق مكاناً قريباً وبعيداً ، وكتب عليه في «الكشف » أن الإسناد المجازي على جعل البعد لصاحب الضلال لأنه الذي يتباعد عن طريق الضلال فوصف ضلاله بوصفه مبالغة وليس المراد إبعادهم في الضلال وتعمقهم فيه .

وأما قوله : فيجوز أن يراد في ضلال ذي بعد فعلى هذا البعد صفة للضلال حقيقة بمعنى بعد غوره وأنه هاوية لا نهاية لها ، وقوله : أو فيه بعد على جعل الضلال مستقراً للبعد بمنزلة مكان بعيد عن الجادة وهو معنى بعده في نفسه عن الحق لتضادهما ، وإليه الإشارة بقوله : لأن الضال قد يضل مكاناً بعيداً وقريباً ، والغرض بيان غاية التضاد وأنه بعد لا يوازن وزانه ، وعلى جميع التقادير البعد مستفاد من البعد المسافي إلى تفاوت ما بين الحق والباطل أو ما بين أهلهما وجاز أن يكون قوله : ذي بعد أو فيه بعد وجهاً واحداً إشارة إلى الملابسة بين الضلال والبعد لا بواسطة صاحب الضلال لكن الأول أولى تكثيراً للفائدة ، ثم قوله تعالى : { أُوْلَئِكَ فِى ضلال } دون أن يقول سبحانه : أولئك ضالون ضلالاً بعيداً للدلالة على تمكنهم فيه تمكن المظروف في الظرف وتصوير اشتمال الضلال عليهم اشتمال المحيط على المحاط وليكون كناية بالغة في إثبات الوصف أعني الضلال على الأوجه فافهم .

( ومن باب الإشارة ) :{ الذين يَسْتَحِبُّونَ الحياة الدنيا } الحسية والصورية { على الاخرة } العقلية والمعنوية { وَيَصُدُّونَ } المريدين { عَن سَبِيلِ الله } طريقه الموصل إليه سبحانه : { وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا } [ إبراهيم : 3 ] انحرافاً مع استقامتها