مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{قَالَ لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰٓؤُلَآءِ إِلَّا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَٰفِرۡعَوۡنُ مَثۡبُورٗا} (102)

ثم أجابه موسى عليه الصلاة والسلام بقوله : { لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض } وفيه مباحث :

البحث الأول : قرأ الكسائي { علمت } بضم التاء أي علمت أنها من علم الله فإن علمت وأقررت وإلا هلكت والباقون بالفتح وضم التاء قراءة علي وفتحها قراءة ابن عباس وكان علي رضي الله عنه يقول والله ما علم عدو الله ولكن موسى هو الذي علم فبلغ ذلك ابن عباس رضي الله عنهما فاحتج بقوله : { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم } على أن فرعون وقومه كانوا قد عرفوا صحة أمر موسى عليه السلام قال الزجاج الأجود في القراءة الفتح لأن علم فرعون بأنها آيات نازلة من عند الله أوكد في الحجة فاحتجاج موسى عليه الصلاة والسلام على فرعون بعلم فرعون أوكد من الاحتجاج بعلم نفسه .

وأجاب الناصرون لقراءة علي عليه السلام عن دليل ابن عباس فقالوا قوله : { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم } يدل على أنهم استيقنوا شيئا ما فأما أنهم استيقنوا كون هذه الآيات نازلة من عند الله فليس في الآية ما يدل عليه ، وأجابوا عن الوجه الثاني بأن فرعون قال { إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون } قال موسى : { لقد علمت } فكأنه نفي ذلك وقال لقد علمت صحة ما أتيت به علما صحيحا علم العقلاء . واعلم أن هذه الآيات من عند الله ولا تشك في ذلك بسبب سفاهتك .

البحث الثاني : التقدير ما أنزل هؤلاء الآيات ونظيره قوله : والعيش بعد أولئك الأقوام .

وقوله { بصائر } أي حججا بينة كأنها بصائر العقول وتحقيق الكلام أن المعجزة فعل خارق للعادة فعله فاعله لغرض تصديق المدعى ومعجزات موسى عليه الصلاة والسلام كانت موصوفة بهذين الوصفين لأنها كانت أفعالا خارقة للعادة وصرائح العقول تشهد بأن قلب العصا حية معجزة عظيمة لا يقدر عليها إلا الله ثم إن تلك الحية تلقفت حبال السحرة وعصيهم على كثرتها ثم عادت عصا كما كانت فأصناف تلك الأفعال لا يقدر عليها أحد إلا الله ، وكذا القول في فرق البحر وإظلال الجبل فثبت أن تلك الأشياء ما أنزلها إلا رب السماوات . الصفة الثانية : أنه تعالى إنما خلقها لتدل على صدق موسى في دعوة النبوة ، وهذا هو المراد من قوله : { ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض } حال كونها بصائر أي دالة على صدق موسى في دعواه وهذه الدقائق لا يمكن فهمها من القرآن إلا بعد إتقان علم الأصول وأقول يبعد أن يصير غير علم الأصول العقلي قاهرا في تفسير كلام الله ثم حكى تعالى أن موسى قال لفرعون : { وإني لأظنك يا فرعون مثبورا } واعلم أن فرعون قال لموسى : { وإني لأظنك يا موسى مسحورا } فعارضه موسى وقال له : { وإني لأظنك يا فرعون مثبورا } قال الفراء : المثبور الملعون المحبوس عن الخير والعرب تقول ما ثبرك عن هذا أي ما منعك منه وما صرفك ، وقال أبو زيد : يقال ثبرت فلانا عن الشيء أثبره أي رددته عنه ، وقال مجاهد وقتادة هالكا ، وقال الزجاج : يقال ثبر الرجل فهو مثبور إذا هلك ، والثبور الهلاك ، ومن معروف الكلام فلان يدعو بالويل والثبور عند مصيبة تناله ، وقال تعالى : { دعوا هنالك ثبورا * لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا } واعلم أن فرعون لما وصف موسى بكونه مسحورا أجابه موسى بأنك مثبور يعني هذه الآيات ظاهرة ، وهذه المعجزات قاهرة ولا يرتاب العاقل في أنها من عند الله وفي أنه تعالى إنما أظهرها لأجل تصديقي وأنت تنكرها فلا يحملك على هذا الإنكار إلا الحسد والعناد والغي والجهل وحب الدنيا ومن كان كذلك كانت عاقبته الدمار والثبور .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قَالَ لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰٓؤُلَآءِ إِلَّا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَٰفِرۡعَوۡنُ مَثۡبُورٗا} (102)

{ قَالَ } موسى عليه السلام رداً لقوله المذكور { لَقَدْ عَلِمْتَ } يا فرعون { مَا أَنزَلَ هَؤُلاء } أي الآيات التسع أو بعضها والإشارة إلى ذلك بما ذكر على حد قوله على إحدى الروايتين :

والعيش بعد أولئك الأيام . . . وقد مر { إِلاَّ رَبُّ * السموات والأرض } أي خالقهما ومدبرهما ، وحاصل الرد أن علمك بأن هاتيك الآيات من الله تعالى إذ لا يقدر عليها سواه تعالى يقتضي أني لست بمسحور ولا ساحر وأن كلامي غير مختل لكن حب الرياسة حملك على العناد في التعرض لعنوان الربوبية إيماءً إلى أن إنزالها من آثار ذلك ، وفي «البحر » ما أحسن إسناد إنزالها إلى رب السموات والآرض إذ هو عليه السلام لما سأله فرعون في أول محاورته فقال له : { وما رب العالمين ؟ قال : رب السموات والآرض } [ الشعراء : 23 ] تنبيهاً على نقصه وأنه لا تصرف له في الوجود فدعواه الربوبية دعوى مستحيل فبكته وأعلمه أنه يعلم آيات الله تعالى ومن أنزلها ولكنه مكابر معاند كقوله تعالى : { وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتها أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً } [ النمل : 14 ] وخاطبه بذلك على سبيل التوبيخ أي أنت بحال من يعلم هذه أو هي من الوضوح بحيث تعلمها وليس خطابه على جهة إخباره عن علمه أو العلم بعلمه ليكون إفادة لازم الخبر كقولك لمن حفظ التوراة حفظت التوراة .

وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه . وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهما . والكسائي { لَقَدْ عَلِمْتَ } بضم التاء فيكون موسى عليه السلام قد أخبر عن نفسه أنه ليس بمسحور كما زعم عدو الله تعالى وعدوه بل هو يعلم أن ما أنزل تلك الآيات إلا خالق السموات والآرض ومدبرهما ، وروي عن الأمير كرم الله تعالى وجهه أنه قال : والله ما علم عدو الله تعالى ولكن موسى عليه السلام هو الذي علم ، وتعقبه أبو حيان بأنه لا يصح لأنه رواه كلثوم المرادي وهو مجهول وكيف يقول ذلك باب مدينة العلم كرم الله تعالى وجهه ، ووجه نسبة العلم إليه ظاهر .

وقد ذكر الجلال السيوطي في «الدر المنثور » أن سعيد بن منصور . وابن المنذر . وابن أبي حاتم أخرجوا عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه كان يقرأ بالضم ويقول ذلك ولم يتعقبه بشيء ، ولعل هذا المجهول الذي ذكره أبو حيان في أسانيدهم والله تعالى أعلم .

وجملة { أَنزَلَ الله } الخ معلق عنها سادة( {[579]} ) مسد { عَلِمَتِ } وقوله تعالى : { بَصَائِرَ } حال من هؤلاء والعامل فيه أنزل المذكور عند الحوفي . وأبي البقاء . وابن عطية وما قبل إلا يعمل فيما بعدها إذا كان مستثنى منه أو تابعاً له وقد نص الأخفش . والكسائي على جواز ما ضرب هنداً إلا زيد ضاحكة ومذهب الجمهور عدم الجواز فءن ورد ما ظاهره ذلك أول عندهم على إضمار فعل يدل عليه ما قبل ؛ والتقدير هنا أنزلها بصائر أي بينات مكشوفات تبصرك صدقي على أنه جمع بصيرة بمعنى مبصرة أي بينة وتطلق البصائر على الحجج بجعلها كأنها بصائر العقول أي ما أنزلها إلا حججاً وأدلة على صدقي وتكون بمعنى العبرة كما ذكره الراغب ، هذا ولا يخفى عليك أنه إذا كان المراد من الآيات التسع ما اقتضاه خبر صفوان السابق يجوز أن تكون { هَؤُلاء } إشارة إلى ما أظهره عليه السلام من المعجزات ويعتبر إظهار ذلك فيما يفصح عنه الفاء الفصيحة وإن أبيت إلا جعلها إشارة إلى الآيات المذكورة بذلك المعنى لتحقق جميعها من أول الأمر وثبوتها وقت المحاورة وشدة ملاءمة الإنزال لها احتجت إلى ارتكاب نوع تكلف فيما لا يخفى عليك { وَإِنّى لأظُنُّكَ يافرعون مَثْبُورًا } أي هالكاً كما روي عن الحسن ومجاهد على أنه من ثبر اللازم بمعنى هلك ، ومفعول فيه للنسب بناءاً على أنه يأتي له من اللازم والمتعدي ، وفسره بعضهم بمهلكاً وهو ظاهر ، وعن الفراء أنه قال : أي مصروفاً عن الخير مطبوعاً على الشر من قولهم : ما ثبرك عن هذا أي ما منعك وإليه يرجع ما أخرجه الطستي عن ابن عباس من تفسيره بملعوناً محبوساً عن الخير .

وأخرج الشيرازي في الألقاب . وابن مردويه من طريق ميمون بن مهران عنه رضي الله تعالى عنه تفسيره بناقص العقل ، وفي معناه تفسير الضحاك بمسحور قال : رد موسى عليه السلام بمثل ما قال له فرعون مع اختلاف اللفظ ، وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الغضب عن أنس بن مالك أنه سئل عن { مَثْبُورًا } في الآية فقال : مخالفاً ثم قال : الأنبياء عليهم السلام( {[580]} ) من أن يلعنوا أو يسبوا ، وأنت تعلم أن هذا معنى مجازي له وكذا ناقص العقل ولا داعي إلى ارتكابه ، وما ذكره الإمام مالك فيه ما فيه ، نعم قيل : إن تفسيره بهالكاً ونحوه مما فيه خشونة ينافي قوله تعالى خطاباً لموسى وهارون عليهما السلام : { فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً } [ طه : 44 ] وأشار أبو حيان إلى جوابه بأن موسى عليه السلام كان أولاً يتوقع من فرعون المكروه كما قال : { إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يطغى } [ طه : 45 ] فأمر أن يقول له قولاً ليناً فلما قال سبحانه له : { لاَ تَخَفْ } [ النمل : 10 ] وثق بحماية الله تعالى فصال عليه صولة المحمى وقابله من الكلام بما لم يكن ليقابله به قبل ذلك ، وفيه كلام ستطلع عليه إن شاء الله تعالى في محله ، وبالجملة التفسير الأول أظهر التفاسير ولا ضير فيه لا سيما مع تعبير موسى عليه السلام بالظن ثم إنه عليه السلام قد قارع ظنه بظنه وشتان ما بين الظنين فإن ظن فرعون إفك مبين وظن موسى عليه السلام يحوم حول اليقين .

وقرأ أبي . وابن كعب { وَأَنْ إخالك يَا فِرعون لمثبوراً } على إن المخففة واللام الفارقة ، وأخال بمعنى أظن بكسر الهمزة في الفصيح وقد تفتح في لغة كما في «القاموس » .


[579]:- قوله مسد علمت كذا بخط مؤلفه وسقط منه مضاف والأصل مسد مفعولي عملت.
[580]:- قوله الأنبياء عليهم السلام من أن يلعنوا الخ كذا بخطه ولعل فيه سقطا من قلمه والأصل الأنبياء عليهم السلام مبرءون من أن يلعنوا الخ أو نحو ذلك وفي الدر المنثور الأنبياء أكرم من أن تعلت أو تسب.