مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ} (21)

القول في إقامة الدلالة على التوحيد والنبوة والمعاد

أما التوحيد فقوله تعالى { يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون * الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون } .

اعلم أن في هذه الآيات مسائل :

المسألة الأولى : أن الله تعالى لما قدم أحكام الفرق الثلاثة ، أعني المؤمنين والكفار والمنافقين . أقبل عليهم بالخطاب ، وهو من باب الالتفات المذكور في قوله تعالى { إياك نعبد وإياك نستعين } وفيه فوائد أحدها : أن فيه مزيد هز وتحريك من السامع كما أنك إذا قلت لصاحبك حاكيا عن ثالث : إن فلانا من قصته كيت وكيت ، ثم تخاطب ذلك الثالث فقلت : يا فلان من حقك أن تسلك الطريقة الحميدة في مجاري أمورك ، فهذا الانتقال من الغيبة إلى الحضور يوجب مزيد تحريك لذلك الثالث . وثانيها : كأنه سبحانه وتعالى يقول : جعلت الرسول واسطة بيني وبينك أولا ، ثم الآن أزيد في إكرامك وتقريبك ، فأخاطبك من غير واسطة ، ليحصل لك مع التنبيه على الأدلة ، شرف المخاطبة والمكالمة . وثالثها : أنه مشعر بأن العبد إذا كان مشتغلا بالعبودية فإنه يكون أبدا في الترقي ، بدليل أنه في هذه الآية ، انتقل من الغيبة إلى الحضور . ورابعها : أن الآيات المتقدمة كانت في حكاية أحوالهم ، وأما هذه الآيات فإنها أمر وتكليف ، ففيه كلفة ومشقة فلابد من راحة تقابل هذه الكلفة ، وتلك الراحة هي أن يرفع ملك الملوك الواسطة من البين ويخاطبهم بذاته ، كما أن العبد إذا ألزم تكليفا شاقا فلو شافهه المولى وقال أريد منك أن تفعل كذا فإنه يصير ذلك الشاق لذيذا لأجل ذلك الخطاب .

المسألة الثانية : حكي عن علقمة والحسن أنه قال : كل شيء في القرآن { يا أيها الناس } فإنه مكي ، وما كان { يا أيها الذين آمنوا } فبالمدينة ، قال القاضي : هذا الذي ذكروه إن كان الرجوع فيه إلى النقل فمسلم ، وإن كان السبب فيه حصول المؤمنين بالمدينة على الكثرة دون مكة فهذا ضعيف ، لأنه يجوز أن يخاطب المؤمنين مرة بصفتهم ، ومرة باسم جنسهم ، وقد يؤمر من ليس بمؤمن بالعبادة ، كما يؤمر المؤمن بالاستمرار على العبادة والازدياد منها ، فالخطاب في الجميع ممكن .

المسألة الثالثة : إعلم أن الألفاظ في الأغلب عبارات دالة على أمور هي : إما الألفاظ أو غيرها ، أما الألفاظ فهي : كالاسم والفعل والحرف ، فإن هذه الألفاظ الثلاثة يدل كل واحد منها على شيء ، هو في نفسه لفظ مخصوص ، وغير الألفاظ : فكالحجر والسماء والأرض ، ولفظ النداء لم يجعل دليلا على شيء آخر ، بل هو لفظ يجري مجرى عمل يعمله عامل لأجل التنبيه . فأما الذين فسروا قولنا «يا زيد » بأنادي زيدا أخاطب زيدا فهو خطأ من وجوه . أحدها : أن قولنا . أنادي زيدا ، خبر يحتمل التصديق والتكذيب ، وقولنا يا زيد ، لا يحتملها . وثانيها : أن قولنا يا زيد ، يقتضي صيرورة زيد منادى في الحال ، وقولنا أنادي زيدا ، لا يقتضي ذلك ، وثالثها : أن قولنا يا زيد يقتضي صيرورة زيد مخاطبا بهذا الخطاب وقولنا أنادي زيدا لا يقتضي ذلك لأنه لا يمتنع أنه يخبر إنسانا آخر بأني أنادي زيدا . ورابعها : أن قولنا أنادي زيدا ، إخبار عن النداء ، والإخبار عن النداء غير النداء ، والنداء هو قولنا يا زيد ، فإذن قولنا أنادي زيدا ، غير قولنا يا زيد ، فثبت بهذه الوجوه فساد هذا القول . ثم ههنا نكتة نذكرها وهي : أن أقوى المراتب الاسم ، وأضعفها الحرف ، فظن قوم أنه لا يأتلف الاسم بالحرف ، وكذا أعظم الموجودات هو الحق سبحانه وتعالى ، وأضعفها البشر { وخلق الإنسان ضعيفا } فقالت الملائكة : أي مناسبة بينهما { أتجعل فيها من يفسد فيها } فقيل قد يأتلف الاسم مع الحرف في حال النداء ، فكذا البشر يصلح لخدمة الرب حال النداء والتضرع { ربنا ظلمنا أنفسنا } ، { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم } .

المسألة الرابعة : «ياء » حرف وضع في أصله لنداء البعيد وإن كان لنداء القريب لكن لسبب أمر مهم جدا ، وأما نداء القريب فله : أي والهمزة ، ثم استعمل في نداء من سها وغفل وإن قرب تنزيلا له منزلة البعيد . فإن قيل فلم يقول الداعي يا رب يا الله وهو تعالى يقول { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } قلنا هو استبعاد لنفسه من مظان الزلفى وما يقربه إلى منازل المقربين هضما لنفسه وإقرارا عليها بالتنقيص حتى يتحقق الإجابة بمقتضى قوله «أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي » أو لأجل أن إجابة الدعاء من أهم المهمات للداعي .

المسألة الخامسة : «أي » وصلة إلى نداء ما فيه الألف واللام كما أن «ذو » و«الذي » وصلتان إلى الوصف بأسماء الأجناس ووصف المعارف بالجمل ، وهو اسم مبهم يفتقر إلى ما يزيل إبهامه ، فلابد وأن يردفه اسم جنس ، أو ما يجري مجراه يتصف به حتى يحصل المقصود بالنداء فالذي يعمل فيه حرف النداء هو أي والاسم التابع له صفة كقولك يا زيد الظريف إلا أن أيا لا يستقل بنفسه استقلال زيد فلم ينفك عن الصفة وموصوفها وأما كلمة التنبيه المقحمة بين الصفة وموصوفها ففيها فائدتان . الأولى : معاضدة حرف النداء بتأكيد معناه . والثانية : وقوعها عوضا مما يستحقه أي من الإضافة وإنما كثر في كتاب الله تعالى النداء على هذه الطريقة لاستقلاله بهذه التأكيدات والمبالغات فإن كل ما نادى الله تعالى به عباده من الأوامر والنواهي ، والوعد والوعيد ، واقتصاص أخبار المتقدمين بأمور عظام ، وأشياء يجب على المستمعين أن يتيقظوا لها مع أنهم غافلون عنها ، فلهذا وجب أن ينادوا بالأبلغ الآكد .

المسألة السادسة : اعلم أن قوله { يا أيها الناس اعبدوا ربكم } يقتضي أن الله تعالى أمر كل الناس بالعبادة فلو خرج البعض عن هذا الخطاب لكان ذلك تخصيصا للعموم . وههنا أبحاث . البحث الأول : أن لفظ الجمع المعرف بلام التعريف يفيد العموم ، والخلاف فيه مع الأشعري والقاضي أبي بكر وأبي هاشم ، لنا أنه يصح تأكيده بما يفيد العموم كقوله { فسجد الملائكة كلهم أجمعون } ولو لم يكن اللفظ في أصله للعموم لما كان قوله { كلهم } تأكيدا بل بيانا ولأنه يصح استثناء كل واحد من الناس عنه والاستثناء يخرج ما لولاه لدخل فوجب أن يفيد العموم وتمام تقريره في أصول الفقه . البحث الثاني : لما ثبت أن قوله تعالى { يا أيها الناس } يتناول جميع الناس الذين كانوا موجودين في ذلك العصر فهل يتناول الذين سيوجدون بعد ذلك أم لا ؟ والأقرب أنه لا يتناولهم ؛ لأن قوله { يا أيها الناس } خطاب مشافهة وخطاب المشافهة مع المعدوم لا يجوز ، وأيضا فالذين سيوجدون بعد ذلك ما كانوا موجودين في تلك الحالة ، وما لا يكون موجودا لا يكون إنسانا وما لا يكون إنسانا لا يدخل تحت قوله { يا أيها الناس } فإن قيل : فوجب أن لا يتناول شيء من هذه الخطابات الذين وجدوا بعد ذلك الزمان وأنه باطل قطعا . قلنا : لو لم يوجد دليل منفصل لكان الأمر كذلك إلا أنا عرفنا بالتواتر من دين محمد صلى الله عليه وسلم أن تلك الخطابات ثابتة في حق من سيوجد بعد ذلك إلى قيام الساعة فلهذه الدلالة المنفصلة حكمنا بالعموم . البحث الثالث : قوله { يا أيها الناس اعبدوا ربكم } أمر للكل بالعبادة فهل يفيد أمر الكل بكل عبادة ؟ الحق لا ، لأن قوله اعبدوا معناه ادخلوا هذه الماهية في الوجود ، فإذا أتوا بفرد من أفراد الماهية في الوجود فقد أدخلوا الماهية في الوجود لأن الفرد من أفراد الماهية مشتمل على الماهية لأن هذه العبادة عبارة عن العبادة مع قيد كونها هذه ومتى وجد المركب فقد وجد قيداه ، فالآتي بفرد من أفراد العبادة آت بالعبادة ، والآتي بالعبادة آت بتمام ما اقتضاه قوله { اعبدوا } وإذا كان كذلك وجب خروجه عن العهدة فإن أردنا أن نجعله دالا على العموم نقول : الأمر بالعبادة لابد وأن يكون لأجل كونها عبادة لأن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بعلية الوصف ، لاسيما إذا كان الوصف مناسبا للحكم ، وههنا كون العبادة عبادة يناسب الأمر بها ، لما أن العبادة عبارة عن تعظيم الله تعالى وإظهار الخضوع له وكل ذلك مناسب في العقول ، وإذا ثبت أن كونه عبادة علة للأمر بها وجب في كل عبادة أن يكون مأمورا بها ، لأنه أينما حصلت العلة وجب حصول الحكم لا محالة . البحث الرابع : لقائل أن يقول : قوله { يا أيها الناس اعبدوا } لا يتناول الكفار البتة لأن الكفار لا يمكن أن يكونوا مأمورين بالإيمان ، وإذا امتنع ذلك امتنع أن يكونوا مأمورين بالعبادة ، أما أنه لا يمكن أن يكونوا مأمورين بالإيمان فلأن الأمر بمعرفة الله تعالى إما أن يتناوله حال كونه غير عارف بالله تعالى أو حال كونه عارفا بالله تعالى ، أما إن تناوله حال كونه غير عارف بالله فيستحيل أن يكون عارفا بأمر الله تعالى لأن العلم بالصفة مع الجهل بالذات محال فلو تناوله الأمر في هذه الحالة لكان قد تناوله الأمر في حال يستحيل منه أن يعرف كونه مأمورا بذلك الأمر ، وذلك تكليف ما لا يطاق ، وإن تناوله الأمر بالمعرفة حال كونه عارفا بالله فذالك محال ، لأنه أمر بتحصيل الحاصل ، وذلك غير ممكن .

فثبت أن الكافر يستحيل أن يكون مأمورا بتحصيل المعرفة ، وإذا استحال ذلك استحال أن يكون مأمورا بالعبادة لأنه إما أن يؤمر بالعبادة قبل المعرفة وهو محال لأن عبادة من لا يعرف ممتنعة أو يؤمر بالعبادة بعد المعرفة إلا أن على هذا التقدير يكون الأمر بالعبادة موقوفا على الأمر بالمعرفة فلما كان الأمر بالمعرفة ممتنعا كان الأمر بالعبادة أيضا ممتنعا ، وأيضا يستحيل أن يكون هذا الخطاب مع المؤمنين ، لأنهم يعبدون الله فأمرهم بالعبادة يكون أمرا بتحصيل الحاصل وهو محال . والجواب : من الناس من قال : الأمر بالعبادة مشروط بحصول المعرفة ، كما أن الأمر بالزكاة مشروط بحصول ملك النصاب ، وهؤلاء هم القائلون بأن المعارف ضرورية ، وأما من لم يقل بذلك استدل بهذه الآية على أن المعارف ليست ضرورية فقال : الأمر بالعبادة حاصل ، والعبادة لا تمكن إلا بالمعرفة ، والأمر بالشيء أمر بما هو من ضرورياته ، كما أن الطهارة إذا لم تصح إلا بإحضار الماء كان إحضار الماء واجبا ، والدهري لا يصح منه تصديق الرسول إلا بتقديم معرفة الله تعالى . فوجبت ، والمحدث لا تصح منه الصلاة إلا بتقديم الطهارة فوجبت ، والمودع لا يمكنه رد الوديعة إلا بالسعي إليها ، فكان السعي واجبا ، فكذا ههنا يصح أن يكون الكافر مخاطبا بالعبادة وشرط الإتيان بها الإتيان بالإيمان أولا ثم الإتيان بالعبادة بعد ذلك . بقي لهم : الأمر بتحصيل المعرفة محال ، قلنا هذه المسألة مستقصاة في الأصول والذي نقول ههنا إن هذا الكلام وإن تم في كل ما يتوقف العلم يكون الله آمرا على العلم به ، فإنه لا يجري فيما عدا ذلك من الصفات . فلم لا يجوز ورود الأمر بذلك ؟ سلمنا ذلك فلم لا يجوز أن يقال هذا الأمر يتناول المؤمنين ؟ قوله لأنه يصير ذلك أمرا بتحصيل الحاصل وهو محال ، قلنا لما تعذر ذلك فنحمله إما على الأمر بالاستمرار على العبادة أو على الأمر بالازدياد منها ، ومعلوم أن الزيادة على العبادة عبادة ، فصح تفسير قوله { اعبدوا } بالزيادة في العبادة . البحث الخامس : قال منكرو التكليف : لا يجوز ورود الأمر من الله تعالى بالتكليف لوجوه . أحدها : أن التكليف إما أن يتوجه على العبد حال استواء دواعيه إلى الفعل أو الترك أو حال رجحان أحدهما على الآخر ، فإن كان الأول فهو محال ، لأن في حال الاستواء يمتنع حصول الترجيح لأن الاستواء يناقض الترجيح فالجمع بينهما محال والتكليف بالفعل حال استواء الداعيين تكليف بما لا يطاق ، وإن كان الثاني فالراجح واجب الوقوع ؛ لأن المرجوح حال ما كان مساويا للراجح كان ممتنع الوقوع ، وإلا فقد وقع الممكن لا عن مرجح ، وإذا كان حال الاستواء ممتنع الوقوع فبأن يصير حال المرجوحية ممتنع الوقوع أولى وإذا كان المرجوح ممتنع الوقوع كان الراجح واجب الوقوع ضرورة أنه لا خروج عن النقيضين إذا ثبت هذا فالتكليف إن وقع بالراجح كان التكليف تكليفا بإيجاد ما يجب وقوعه ، وإن وقع بالمرجوح كان التكليف تكليفا بما يمتنع وقوعه ، وكلاهما تكليف ما لا يطاق . وثانيها : أن الذي ورد به التكليف إما أن يكون قد علم الله في الأزل وقوعه ، أو علم أنه لا يقع أو لم يعلم لا هذا ولا ذاك ، فإن كان الأول كان واجب الوقوع ممتنع العدم فلا فائدة في ورود الأمر به ، وإن علم وقوعه كان ممتنع الوقوع واجب العدم ، فكان الأمر بإيقاعه أمرا بإيقاع الممتنع وإن لم يعلم لا هذا ولا ذاك كان ذلك قولا بالجهل على الله تعالى وهو محال ، ولأن بتقدير أن يكون الأمر كذلك فإنه لا يتميز المطيع عن العاصي ، وحينئذ لا يكون في الطاعة فائدة . وثالثها : أن ورود الأمر بالتكاليف إما أن يكون لفائدة أو لا لفائدة ، فإن كان لفائدة فهي إما عائدة إلى المعبود أو إلى العابد أما إلى المعبود فمحال لأنه كامل لذاته . والكامل لذاته لا يكون كاملا بغيره ، ولأنا نعلم بالضرورة أن الإله العالي على الدهر والزمان يستحيل أن ينتفع بركوع العبد وسجوده ، وأما إلى العابد فمحال ؛ لأن جميع الفوائد محصورة في حصول اللذة ودفع الألم ، وهو سبحانه وتعالى قادر على تحصيل كل ذلك للعبد ابتداء من غير توسط هذه المشاق فيكون توسطها عبثا ، والعبث غير جائز على الحكيم . ورابعها : أن العبد غير موجود لأفعاله لأنه غير عالم بتفاصيلها ومن لا يعلم تفاصيل الشيء لا يكون موجدا له وإذا لم يكن العبد موجدا لأفعال نفسه فإن أمره بذلك الفعل حال ما خلقه فيه فقد أمره بتحصيل الحاصل ، وإن أمره به حال ما لم يخلقه فيه فقد أمره بالمحال وكل ذلك باطل . وخامسها : أن المقصود من التكليف إنما هو تطهير القلب على ما دلت عليه ظواهر القرآن فلو قدرنا إنسانا مشتغل القلب دائما بالله تعالى وبحيث لو اشتغل بهذه الأفعال الظاهرة لصار ذلك عائقا له عن الاستغراق في معرفة الله تعالى وجب أن يسقط عنه هذه التكاليف الظاهرة ، فإن الفقهاء والقياسيين قالوا إذا لاح المقصود والحكمة في التكاليف وجب اتباع الأحكام المعقولة لا اتباع الظواهر . والجواب : عن الشبه الثلاثة الأول من وجهين . الأول : أن أصحاب هذه الشبه أوجبوا بما ذكروه اعتقاد عدم التكاليف فهذا تكليف ينفي التكليف وأنه متناقض . الثاني : أن عندنا يحسن من الله تعالى كل شيء سواء كان ذلك تكليف ما لا يطاق أو غيره لأنه تعالى خالق مالك ، والمالك لا اعتراض عليه في فعله . البحث السادس : قالوا : الأمر بالعبادة وإن كان عاما لكل الناس لكنه مخصوص في حق من لا يفهم كالصبي والمجنون والغافل والناسي ، وفي حق من لا يقدر لقوله تعالى { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } .

ومنهم من قال إنه مخصوص في حق العبيد ، لأن الله تعالى أوجب عليهم طاعة مواليهم ، واشتغالهم بطاعة الموالي يمنعهم عن الاشتغال بالعبادة ، والأمر الدال على وجوب طاعة المولى أخص من الأمر الدال على وجوب العبادة والخاص يقدم على العام والكلام في هذا المعنى مذكور في أصول الفقه .

المسألة السابعة : قال القاضي : الآية تدل على أن سبب وجود العبادة ما بينه من خلقه لنا والإنعام علينا . واعلم أن أصحابنا يحتجون بهذه الآية على أن العبد لا يستحق بفعله الثواب لأنه لما كان خلقه إيانا وإنعامه علينا سببا لوجوب العبادة فحينئذ يكون اشتغالنا بالعبادة أداء للواجب ، والإنسان لا يستحق بأداء الواجب شيئا فوجب أن لا يستحق العبد على العبادة ثوابا على الله تعالى أما قوله { ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون } ففيه مسائل :

المسألة الأولى : اعلم أنه سبحانه لما أمر بعبادة الرب أردفه بما يدل على وجود الصانع وهو خلق المكلفين وخلق من قبلهم ، وهذا يدل على أنه لا طريق إلى معرفة الله تعالى إلا بالنظر والاستدلال وطعن قوم من الحشوية في هذه الطريقة وقالوا الاشتغال بهذا العلم بدعة ولنا في إثبات مذهبنا وجوه نقلية وعقلية وههنا ثلاث مقامات . المقام الأول : في بيان فضل هذا العلم وهو من وجوه . أحدها : أن شرف العلم بشرف المعلوم فمهما كان المعلوم أشرف كان العلم الحاصل به أشرف فلما كان أشرف المعلومات ذات الله تعالى وصفاته وجب أن يكون العلم المتعلق به أشرف العلوم . وثانيها : أن العلم إما أن يكون دينيا أو غير ديني ، ولا شك أن العلم الديني أشرف من غير الديني ، وأما العلم الديني فإما أن يكون هو علم الأصول ، أو ما عداه ، أما ما عداه فإنه تتوقف صحته على علم الأصول ، لأن المفسر إنما يبحث عن معاني كلام الله تعالى ، وذلك فرع على وجود الصانع المختار المتكلم ، وأما المحدث فإنما يبحث عن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك فرع على ثبوت نبوته صلى الله عليه وسلم ، والفقيه إنما يبحث عن أحكام الله ، وذلك فرع على التوحيد والنبوة ، فثبت أن هذه العلوم مفتقرة إلى علم الأصول ، والظاهر أن علم الأصول غني عنها فوجب أن يكون علم الأصول أشرف العلوم . وثالثها : أن شرف الشيء قد يظهر بواسطة خساسة ضده ، فكلما كان ضده أخس كان هو أشرف وضد علم الأصول هو الكفر والبدعة ، وهما من أخس الأشياء ، فوجب أن يكون علم الأصول أشرف الأشياء . ورابعها : أن شرف الشيء قد يكون بشرف موضوعه وقد يكون لأجل شدة الحاجة إليه ، وقد يكون لقوة براهينه ، وعلم الأصول مشتمل على الكل وذلك لأن علم الهيئة أشرف من علم الطب نظرا إلى أن موضوع علم الهيئة أشرف من موضوع علم الطب ، وإن كان الطب أشرف منه نظرا إلى أن الحاجة إلى الطب أكثر من الحاجة إلى الهيئة ، وعلم الحساب أشرف منهما نظرا إلى أن براهين علم الحساب أقوى . أما علم الأصول فالمطلوب منه معرفة ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله ، ومعرفة أقسام المعلومات من المعدومات والموجودات ، ولا شك أن ذلك أشرف الأمور ، وأما الحاجة إليه فشديدة لأن الحاجة إما في الدين أو في الدنيا ، أما في الدين فشديدة لأن من عرف هذه الأشياء استوجب الثواب العظيم والتحق بالملائكة ، ومن جهلها استوجب العقاب العظيم والتحق بالشياطين . وأما في الدنيا فلأن مصالح العالم إنما تنتظم عند الإيمان بالصانع والبعث والحشر ، إذ لو لم يحصل هذا الإيمان لوقع الهرج والمرج في العالم ، وأما قوة البراهين فبراهين هذا العلم يجب أن تكون مركبة من مقدمات يقينية تركيبا يقينيا وهذا هو النهاية في القوة فثبت أن هذا العلم مشتمل على جميع جهات الشرف والفضل فوجب أن يكون أشرف العلوم . وخامسها : أن هذا العلم لا يتطرق إليه النسخ ولا التغيير ، ولا يختلف باختلاف الأمم والنواحي بخلاف سائر العلوم ، فوجب أن يكون أشرف العلوم . وسادسها : أن الآيات المشتملة على مطالب هذا العلم وبراهينها أشرف من الآيات المشتملة على المطالب الفقهية بدليل أنه جاء في فضيلة { قل هو الله أحد } و{ آمن الرسول } وآية الكرسي ما لم يجيء مثله في فضيلة قوله { ويسألونك عن المحيض } وقوله { يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين } وذلك يدل على أن هذا العلم أفضل . وسابعها : أن الآيات الواردة في الأحكام الشرعية أقل من ستمائة آية ، وأما البواقي ففي بيان التوحيد والنبوة والرد على عبدة الأوثان وأصناف المشركين ، وأما الآيات الواردة في القصص فالمقصود منها معرفة حكمة الله تعالى وقدرته على ما قال { لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب } فدل ذلك على أن هذا العلم أفضل ، ونشير إلى معاقد الدلائل : أما الذي يدل على وجود الصانع فالقرآن مملوء منه . أولها : ما ذكر ههنا من الدلائل الخمسة وهي خلق المكلفين وخلق من قبلهم ، وخلق السماء وخلق الأرض ، وخلق الثمرات من الماء النازل من السماء إلى الأرض ، وكل ما ورد في القرآن من عجائب السماوات والأرض ، فالمقصود منه ذلك ، وأما الذي يدل على الصفات . أما العلم فقوله { إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء } ثم أردفه بقوله { هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء } وهذا هو عين دليل المتكلمين فإنهم يستدلون بأحكام الأفعال وإتقانها على علم الصانع ، وههنا استدل الصانع سبحانه بتصوير الصور في الأرحام على كونه عالما بالأشياء ، وقال { ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير } وهو عين تلك الدلالة وقال { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } وذلك تنبيه على كونه تعالى عالما بكل المعلومات ، لأنه تعالى مخبر عن المغيبات فتقع تلك الأشياء على وفق ذلك الخبر ، فلولا كونه عالما بالمغيبات وإلا لما وقع كذلك ، وأما صفة القدرة فكل ما ذكر سبحانه من حدوث الثمار المختلفة والحيوانات المختلفة مع استواء الكل في الطبائع الأربع فذاك يدل على كونه سبحانه قادرا مختارا لا موجبا بالذات ، وأما التنزيه فالذي يدل على أنه ليس بجسم ، ولا في مكان قوله { قل هو الله أحد } فإن المركب مفتقر إلى أجزائه والمحتاج محدث ، وإذا كان أحدا وجب أن لا يكون جسما وإذا لم يكن جسما لم يكن في المكان ، وأما التوحيد فالذي يدل عليه قوله { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } وقوله { إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا } وقوله { ولعلا بعضهم على بعض } وأما النبوة فالذي يدل عليها قوله ههنا { وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله } وأما المعاد فقوله { قل يحييها الذي أنشأها أول مرة } وأنت لو فتشت علم الكلام لم تجد فيه إلا تقرير هذه الدلائل والذب عنها ودفع المطاعن والشبهات القادحة فيها ، أفترى أن علم الكلام يذم لاشتماله على هذه الأدلة التي ذكرها الله أو لاشتماله على دفع المطاعن والقوادح عن هذه الأدلة ما أرى أن عاقلا مسلما يقول ذلك ويرضى به . وثانيها : أن الله تعالى حكى الاستدلال بهذه الدلائل عن الملائكة وأكثر الأنبياء أما الملائكة فلأنهم لما قالوا : { أتجعل فيها من يفسد فيها } كان المراد أن خلق مثل هذا الشيء قبيح ، والحكيم لا يفعل القبيح ، فأجابهم الله تعالى بقوله { إني أعلم ما لا تعلمون } والمراد إني لما كنت عالما بكل المعلومات كنت قد علمت في خلقهم وتكوينهم حكمة لا تعلمونها أنتم ، ولا شك أن هذا هو المناظرة ، وأما مناظرة الله تعالى مع إبليس فهي أيضا ظاهرة وأما الأنبياء عليهم السلام فأولهم آدم عليه السلام وقد أظهر الله تعالى حجته على فضله بأن أظهر علمه على الملائكة وذلك محض الاستدلال ، وأما نوح عليه السلام فقد حكى الله تعالى عن الكفار قولهم { يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا } ومعلوم أن تلك المجادلة ما كانت في تفاصيل الأحكام الشرعية بل كانت في التوحيد والنبوة ، فالمجادلة في نصرة الحق في هذا العلم هي حرفة الأنبياء ، وأما إبراهيم عليه السلام فاستقصاء في شرح أحواله في هذا الباب يطول وله مقامات . أحدها : مع نفسه وهو قوله { فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين } وهذا هو طريقة المتكلمين في الاستدلال بتغيرها على حدوثها ، ثم إن الله تعالى مدحه على ذلك فقال { وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه } وثانيها : حاله مع أبيه وهو قوله { يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا } وثالثها : حاله مع قومه تارة بالقول وأخرى بالفعل ، أما بالقول فقوله { ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون } وأما بالفعل فقوله { فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون } . ورابعها : حاله مع ملك زمانه في قوله { ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت } إلى آخره وكل من سلمت فطرته علم أن علم الكلام ليس إلا تقرير هذه الدلائل ودفع الأسئلة والمعارضات عنها ، فهذا كله بحث إبراهيم عليه السلام في المبدأ ، وأما بحثه في المعاد فقال { رب أرني كيف تحيي الموتى } إلى آخره وأما موسى عليه السلام فانظر إلى مناظرته مع فرعون في التوحيد والنبوة ، أما التوحيد فاعلم أن موسى عليه السلام إنما يعول في أكثر الأمر على دلائل إبراهيم عليه السلام وذلك لأن الله تعالى حكى في سورة طه { قال فمن ربكما يا موسى قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى } وهذا هو الدليل الذي ذكره إبراهيم عليه السلام في قوله { الذي خلقني فهو يهدين } وقال في سورة الشعراء { ربكم ورب آبائكم الأولين } وهذا هو الذي قاله إبراهيم { ربي الذي يحيي ويميت } فلما لم يكتف فرعون بذلك وطالبه بشيء آخر قال موسى { رب المشرق والمغرب } وهذا هو الذي قال إبراهيم عليه السلام { فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب } فهذا ينبهك على أن التمسك بهذه الدلائل حرفة هؤلاء المعصومين وأنهم كما استفادوها من عقولهم فقد توارثوها من أسلافهم الطاهرين ، وأما استدلال موسى على النبوة بالمعجزة ففي قوله { أولو جئتك بشيء مبين } وهذا هو الاستدلال بالمعجزة على الصدق ، وأما محمد عليه الصلاة والسلام فاشتغاله بالدلائل على التوحيد والنبوة والمعاد أظهر من أن يحتاج فيه إلى التطويل ، فإن القرآن مملوء منه ولقد كان عليه السلام مبتلى بجميع فرق الكفار فالأول : الدهرية الذين كانوا يقولون : { وما يهلكنا إلا الدهر } والله تعالى أبطل قولهم بأنواع الدلائل . والثاني : الذين ينكرون القادر المختار ، والله تعالى أبطل قولهم بحدوث أنواع النبات وأصناف الحيوانات مع اشتراك الكل في الطبائع وتأثيرات الأفلاك ، وذلك يدل على وجود القادر . والثالث : الذين أثبتوا شريكا مع الله تعالى ، وذلك الشريك إما أن يكون علويا أو سفليا ، أما الشريك العلوي فمثل من جعل الكواكب مؤثرة في هذا العالم ، والله تعالى أبطله بدليل الخليل في قوله { فلما جن عليه الليل } وأما الشريك السفلي فالنصارى قالوا بإلاهية المسيح وعبدة الأوثان قالوا : بإلاهية الأوثان ، والله تعالى أكثر من الدلائل على فساد قولهم . الرابع : الذين طعنوا في النبوة وهم فريقان : أحدهما : الذين طعنوا في أصل النبوة وهم الذين حكى الله عنهم أنهم قالوا : { أبعث الله بشرا رسولا } . والثاني : الذين سلموا أصل النبوة وطعنوا في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، وهم اليهود والنصارى ، والقرآن مملوء من الرد عليهم ، ثم إن طعنهم من وجوه تارة بالطعن في القرآن فأجاب الله بقوله { إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة } وتارة بالتماس سائر المعجزات كقوله { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا } وتارة بأن هذا القرآن نزل نجما نجما وذلك يوجب تطرق التهمة إليه فأجاب الله تعالى عنه بقوله { كذلك لنثبت به فؤادك } .

الخامس : الذين نازعوا في الحشر والنشر ، والله تعالى أورد على صحة ذلك وعلى إبطال قول المنكرين أنواعا كثيرة من الدلائل . السادس : الذين طعنوا في التكليف تارة بأنه لا فائدة فيه ، فأجاب الله عنه بقوله { إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها } وتارة بأن الحق هو الجبر ، وأنه ينافي صحة التكليف ، وأجاب الله تعالى عنه بأنه { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون } وإنما اكتفينا في هذا المقام بهذه الإشارات المختصرة لأن الاستقصاء فيها مذكور في جملة هذا الكتاب وإذا ثبت أن هذه الحرفة هي حرفة كل الأنبياء والرسل علمنا أن الطاعن فيها إما أن يكون كافرا أو جاهلا . المقام الثاني : في بيان أن تحصيل هذا العلم من الواجبات ، ويدل عليه المعقول والمنقول . أما المعقول : فهو أنه ليس تقليد البعض أولى من تقليد الباقي ، فأما أن يجوز تقليد الكل فيلزمنا تقليد الكفار ، وإما أن يوجب تقليد البعض دون البعض فيلزم أن يصير الرجل مكلفا بتقليد البعض دون البعض من غير أن يكون له سبيل إلى أنه لم قلد أحدهما دون الآخر ، وإما أن لا يجوز التقليد أصلا وهو المطلوب ، فإذا بطل التقليد لم يبق إلا هذه الطريقة النظرية . وأما المنقول فيدل عليه الآيات والأخبار أما الآيات . فأحدها : قوله { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن } ولا شك أن المراد بقوله بالحكمة أي بالبرهان والحجة ، فكانت الدعوة بالحجة والبرهان إلى الله تعالى مأمورا بها ، وقوله { وجادلهم بالتي هي أحسن } ليس المراد منه المجادلة في فروع الشرع لأن من أنكر نبوته فلا فائدة في الخوض معه في تفاريع الشرع ، ومن أثبت نبوته فإنه لا يخالفه ، فعلمنا أن هذا الجدال كان في التوحيد والنبوة ، فكان الجدال فيه مأمورا به ثم إنا مأمورون باتباعه عليه السلام لقوله { فاتبعوني يحببكم الله } ولقوله { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } فوجب كوننا مأمورين بذلك الجدال . وثانيها : قوله تعالى { ومن الناس من يجادل في الله بغير علم } ذم من يجادل في الله بغير علم وذلك يقتضي أن المجادل بالعلم لا يكون مذموما بل يكون ممدوحا وأيضا حكى الله تعالى ذلك عن نوح في قوله { يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا } وثالثها : أن الله تعالى أمر بالنظر فقال { أفلا يتدبرون القرآن } ، { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت } ، { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم } ، { أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها } ، { قل انظروا ماذا في السماوات والأرض } ، { أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض } . ورابعها : أن الله تعالى ذكر التفكر في معرض المدح فقال { إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب } ، { إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار } ، { إن في ذلك لآيات لأولي النهي } وأيضا ذم المعرضين فقال { وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون } ، { لهم قلوب لا يفقهون بها } . وخامسها : أنه تعالى ذم التقليد ، فقال حكاية عن الكفار { إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون } وقال { بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا } وقال { بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون } وقال { إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها } وقال عن والد إبراهيم عليه السلام { لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا } وكل ذلك يدل على وجوب النظر والاستدلال والتفكر وذم التقليد فمن دعا إلى النظر والاستدلال ، كان على وفق القرآن ودين الأنبياء ومن دعا إلى التقليد كان على خلاف القرآن وعلى وفاق دين الكفار . وأما الأخبار ففيها كثرة ، ولنذكر منها وجوها . أحدها : ما روى الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال «جاء رجل من بني فزارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال إن امرأتي وضعت غلاما أسود فقال له هل لك من إبل ، فقال : نعم قال : فما ألوانها قال حمر قال : فهل فيها من أورق ؟ قال : نعم . قال : فأنى ذلك . قال : عسى أن يكون قد نزعه عرق قال : وهذا عسى أن يكون نزعه عرق » واعلم أن هذا هو التمسك بالإلزام والقياس . وثانيها : عن أبي هريرة قال : قال عليه الصلاة والسلام : «قال الله تعالى : كذبني ابن آدم ولم يكن له أن يكذبني ، وشتمني ابن آدم ولم يكن له أن يشتمني . أما تكذيبه إياي فقوله : لن يعيدني كما بدأني ، وليس أول خلقه بأهون علي من إعادته ، وأما شتمه إياي فقوله : اتخذ الله ولدا وأنا الله الأحد الصمد لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوا أحد » . فانظر كيف احتج الله تعالى في المقام الأول بالقدرة على الابتداء ، على القدرة على الإعادة ، وفي المقام الثاني احتج بالأحدية على نفي الجسمية والوالدية والمولودية . وثالثها : روى عبادة بن الصامت أنه عليه السلام قال : «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه » فقالت عائشة : يا رسول الله إنا نكره الموت فذاك كراهتنا لقاء الله ؟ فقال عليه السلام : «لا ولكن المؤمن أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه ، والكافر كره لقاء الله فكره الله لقاءه » . وكل ذلك يدل على أن النظر والفكر في الدلائل مأمور به . واعلم أن للخصم مقامات . أحدها : أن النظر لا يفيد العلم . وثانيها : أن النظر المفيد للعلم غير مقدور . وثالثها : أنه لا يجوز الإقدام عليه . ورابعها : أن الرسول ما أمر به . وخامسها : أنه بدعة .

أما المقام الأول : فاحتج الخصم عليه بأمور : أحدها : أنا إذا تفكرنا وحصل لنا عقيب فكرنا اعتقادا فعلمنا بكون ذلك الاعتقاد علما ، إما أن يكون ضروريا أو نظريا ، والأول باطل لأن الإنسان إذا تأمل في اعتقاده في كون ذلك الاعتقاد علما ، وفي اعتقاده في أن الواحد نصف الاثنين ، وأن الشمس مضيئة والنار محرقة وجد الأول أضعف من الثاني ، وذلك يدل على أن تطرق الضعف إلى الأول والثاني باطل ، لأن الكلام في ذلك الفكر الثاني كالكلام في الأول فيلزم التسلسل وهو محال . وثانيها : إنا رأينا عالما من الناس قد تفكروا واجتهدوا وحصل لهم عقيب فكرهم اعتقاد ، وكانوا جازمين بأنه علم ثم ظهر لهم أو لغيرهم أن ذلك كان جهلا فرجعوا عنه وتركوه وإذا شاهدنا ذلك في الوقت الأول جاز أن يكون الاعتقاد الحاصل ثانيا كذلك ، وعلى هذا الطريق لا يمكن الجزم بصحة شيء من العقائد المستفادة من الفكر والنظر . وثالثها : أن المطلوب إن كان مشعورا به استحال طلبه ، لأن تحصيل الحاصل محال ، وإن كان غير مشعور به كان الذهن غافلا عنه ، و المغفول عنه يستحيل أن يتوجه الطلب إليه . ورابعها : أن العلم يكون النظر مفيدا للعلم إما أن يكون ضروريا أو نظريا فإن كان ضروريا وجب اشتراك العقلاء فيه وليس كذلك . وإن كان نظريا لزم إثبات جنس الشيء بفرد من أفراده وذلك محال لأن النزاع لما وقع في الماهية كان واقعا في ذلك الفرد أيضا فيلزم إثبات الشيء بنفسه وهو محال لأنه من حيث أنه وسيلة الإثبات يجب أن يكون معلوما قبل . ومن حيث أنه مطلوب يجب أن لا يكون معلوما قبل ، فيلزم اجتماع النفي والإثبات وهو محال . وخامسها : أن المقدمة الواحدة لا تنتج بل المنتج مجموع المقدمتين ، لكن حضور المقدمتين دفعة واحدة في الذهن محال لأنا جربنا أنفسنا فوجدنا أنا متى وجهنا الخاطر نحو معلوم استحال في ذلك الوقت توجيهه نحو معلوم آخر ، وربما سلم بعضهم أن النظر في الجملة يفيد العلم لكنه يقول النظر في الإلاهيات لا يفيد واحتج عليه بوجهين . الأول : أن حقيقة الإله غير متصورة وإذا لم تكن الحقيقة متصورة استحال التصديق لا بثبوته ولا بثبوت صفة من صفاته . بيان الأول أن المعلوم عند البشر كون واجب الوجود منزها عن الحيز والجهة ، وكونه موصوفا بالعلم والقدرة . أما الوجوب والتنزيه فهو قيد سلبي وليست حقيقته نفس هذا السلب . فلم يكن العلم بهذا السلب علما بحقيقته ، وأما الموصوفية بالعلم والقدرة فهو عبارة عن انتساب ذاته إلى هذه الصفات وليست ذاته نفس هذا الانتساب فالعلم بهذا الانتساب ليس علما بذاته . بيان الثاني أن التصديق موقوف على التصور ، فإذا فقد التصور امتنع التصديق ، ولا يقال ذاته تعالى وإن لم تكن متصورة بحسب الحقيقة المخصوصة التي له لكنها متصورة بحسب لوازمها ، أعني أنا نعلم أنه شيء ما ، يلزمه الوجوب والتنزيه والدوام فيحكم على هذا المتصور ، قلنا هذه الأمور المعلومة إما أن يقال إنها نفس الذات وهو محال أو أمور خارجة عن الذات فلما لم نعلم الذات لا يمكننا أن نعلم كونها موصوفة بهذه الصفات فإن كان التصور الذي هو شرط إسناد هذه الصفات إلى ذاته هو أيضا تصور بحسب صفات آخر ، فحينئذ يكون الكلام فيه كما في الأول فيلزم التسلسل وهو محال . الوجه الثاني : أن أظهر الأشياء عندنا ذاتنا وحقيقتنا التي إليها نشير بقولنا أنا ثم الناس تحيروا في ماهية المشار إليه يقول أنا ، فمنهم من يقول هو هذا البنية ، ومنهم من يقول هو المزاج ، ومنهم من يقول بعض الأجزاء الداخلة في هذه البنية ، ومنهم من يقول شيء لا داخل هذا البدن ولا خارجه ، فإذا كان الحال في أظهر الأشياء كذلك فما ظنك بأبعد الأشياء مناسبة عنا وعن أحوالنا .

أما المقام الثاني : وهو أن النظر المفيد للعلم غير مقدور لنا فقد احتجوا عليه بوجوه . أحدها : أن تحصيل التصورات غير مقدور فالتصديقات البديهية غير مقدورة فجميع التصديقات غير مقدورة وإنما قلنا إن التصورات غير مقدورة لأن طالب تحصيلها إن كان عارفا بها استحال منه طلبها لأن تحصيل الحاصل محال ، فإن كان غافلا عنها استحال كونه طالبا لها لأن الغافل عن الشيء لا يكون طالبا له . فإن قيل لم لا يجوز أن يكون معلوما من وجه ومجهولا من وجه . قلنا لأن الوجه الذي يصدق عليه أنه معلوم غير الوجه الذي يصدق عليه أنه غير معلوم ، وإلا فقد صدق النفي والإثبات على الشيء الواحد وهو محال وحينئذ نقول الوجه المعلوم استحال طلبه لاستحالة تحصيل الحاصل والوجه الذي هو غير معلوم استحال طلبه لأن المغفول عنه لا يكون مطلوبا ، وإنما قلنا إن التصورات لما كانت غير كسبية استحال كون التصديقات البديهية كسبية وذلك لأن عند حضور طرفي الموضوع والمحمول في الذهن من القضية البديهية إما أن يلزم من مجرد حضورهما جزم الذهن بإسناد أحدهما إلى الآخر بالنفي أو الإثبات ، أو لا يلزم ، فإن لم يلزم لم تكن القضية بديهية بل كانت مشكوكة . وإن لزم كان التصديق واجب الحصول عند حضور ذينك التصورين وممتنع الحصول عند عدم حضورهما ، وما يكون واجب الدوران نفيا وإثباتا مع ما لا يكون مقدورا نفيا وإثباتا وجب أن يكون أيضا كذلك فثبت أن التصديقات البديهية غير كسبية ؛ وإنما قلنا إن هذه التصديقات لما لم تكن كسبية لم يكن شيء من التصديقات كسبيا لأن التصديق الذي لا يكون بديهيا ، لابد وأن يكون نظريا فلا يخلو إما أن يكون واجب اللزوم عند حضور تلك التصديقات البديهية أو لا يكون فإن لم يكن واجب اللزوم منها لم يلزم من صدق تلك المقدمات صدق ذلك المطلوب ، فلم يكن ذلك استدلالا يقينيا بل إما ظنا أو اعتقادا تقليديا ، وإن كان واجبا فكانت تلك النظريات واجبة الدوران نفيا وإثباتا مع تلك القضايا الضرورية ، فوجب أن لا يكون شيء من تلك النظريات مقدورا للعبد أصلا . وثانيها : أن الإنسان إنما يكون قادرا على إدخال الشيء في الوجود لو كان يمكنه أن يميز ذلك المطلوب عن غيره والعلم إنما يتميز عن الجهل بكونه مطابقا للمعلوم دون الجهل وإنما يعلم ذلك لو علم المعلوم على ما هو عليه ، فإذن لا يمكنه إيجاد العلم بذلك الشيء إلا إذا كان عالما بذلك الشيء لكن ذلك محال لاستحالة تحصيل الحاصل ، فوجب أن لا يكون العبد متمكنا من إيجاد العلم ولا من طلبه . وثالثها : أن الموجب للنظر ، إما ضرورة العقل ، أو النظر أو السمع . والأول باطل لأن الضروري لم يشترط العقل فيه ، ووجوب الفكر والنظر ليس كذلك ، بل كثير من العقلاء يستقبحونه ، ويقولون إنه في الأكثر يفضي بصاحبه إلى الجهل ، فوجب الاحتراز منه ، والثاني أيضا باطل ، لأنه إذا كان العلم بوجوبه يكون نظريا ، فحينئذ لا يمكنه العلم بوجوب النظر قبل النظر ، فتكليفه بذلك يكون تكليف ما لا يطاق ، وأما بعد النظر فلا يمكنه النظر ، لأنه لا فائدة فيه ، والثالث باطل ، لأنه قبل النظر لا يكون متمكنا من معرفة وجوب النظر ، وبعد النظر لا يمكنه إيجابه أيضا لعدم الفائدة ، وإذا بطلت الأقسام ثبت نفي الوجوب . المقام الثالث : وهو أن بتقدير كون النظر مفيدا للعلم ومقدورا للمكلف ، لكنه يقبح من الله أن يأمر المكلف به ، وبيانه من وجوه . أحدها : أن النظر في أكثر الأمر يفضي بصاحبه إلى الجهل فالمقدم عليه مقدم على أمر يفضي به غالبا إلى الجهل . وما يكون كذلك يكون قبيحا ، فوجب أن يكون الفكر قبيحا ، والله تعالى لا يأمر بالقبيح . وثانيها : أن الواحد منا مع ما هو عليه من النقص وضعف الخاطر وما يعتريه من الشبهات الكثيرة المتعارضة ، لا يجوز أن يعتمد على عقله في التمييز بين الحق والباطل . فلما رأينا أرباب المذاهب كل واحد منهم يدعي أن الحق معه ، وأن الباطل مع خصمه ثم إذا تركوا التعصب واللجاج وأنصفوا ، وجدوا الكلمات متعارضة ، وذلك يدل على عجز العقل عن إدراك هذه الحقائق . وثالثها : أن مدار الدين لو كان على النظر في حقائق الدلائل لوجب أن لا يستقر الإنسان على الإيمان ساعة واحدة ، لأن صاحب النظر إذا خطر بباله سؤال على مقدمة من مقدمات دليل الدين ، فقد صار بسبب ذلك السؤال شاكا في تلك المقدمة ، وإذا صار بعض مقدمات الدليل مشكوكا فيه . صارت النتيجة ظنية . لأن المظنون لا يفيد اليقين ، فيلزم أن يخرج الإنسان في كل ساعة عن الدين ، بسبب كل ما يخطر بباله من الأسئلة والمباحث . ورابعها : أنه اشتهر في الألسنة أن من طلب المال بالكيمياء أفلس ، ومن طلب الدين بالكلام تزندق ، وذلك يدل على أنه لا يجوز فتح الباب فيه : المقام الرابع : أن بتقدير أنه في نفسه غير قبيح ، ولكنا نقيم الدلالة على أن الله ورسوله ما أمرا بذلك ، والذي يدل عليه أن هذه المطالب لا تخلو ، إما أن يكون العلم بدلائلها علما ضروريا غنيا عن التعلم والاستفادة ، وإما أن لا يكون كذلك ، بل يحتاج في تحصيلها إلى التأمل والتدبر والاستفادة ، والأول باطل ، وإلا لوجب أن يحصل ذلك لكل الناس وهو مكابرة ولأنا نجرب أذكى الناس في هذا العلم فلا يمكنه تحصيله في السنين المتطاولة بعد الاستعانة بالأستاذ والتصانيف . وإن كان الثاني وجب أن لا يحصل ذلك العلم للإنسان ، إلا بعد الممارسة الشديدة والمباحثة الكثيرة ، فلو كان الدين مبنيا عليه ، لوجب أن لا يحكم الرسول بصحة إسلام الرجل إلا بعد أن يسأله عن هذه المسائل ، ويجربه في معرفة هذه الدلائل على الاستقصاء . ولو فعل الرسول ذلك لاشتهر ولما لم يشتهر بل المشهور المنقول عنه بالتواتر أنه كان يحكم بإسلام من يعلم بالضرورة أنه لم يخطر بباله شيء من ذلك ، علمنا أن ذلك غير معتبر في صحة الدين ، فإن قيل : معرفة أصول الدلائل حاصلة لأكثر العقلاء ، إنما المحتاج إلى التدقيق دفع الأسئلة والجواب عن الشبهات وذلك غير معتبر في صحة أصل الدين ، قلنا هذا ضعيف لأن الدليل لا يقبل الزيادة والنقصان البتة ، وذلك لأن الدليل إذا كان مبنيا على مقدمات عشرة فإن كان الرجل جازما بصحة تلك المقدمات كان عارفا بالدليل معرفة لا يمكن الزيادة عليها ، لأن الزيادة على تلك العشرة إن كان معتبرا في تحقق ذلك الدليل بطل قولنا إن ذلك الدليل مركب من العشرة فقط ، وإلا لم يكن معتبرا العلم به علما بزيادة شيء في الدليل ، بل يكون علما منفصلا . فثبت بهذا أن الدليل لا يقبل الزيادة ولا يقبل النقصان أيضا ، لأن تسعة منها لو كانت يقينية وكانت المقدمة العاشرة ظنية استحال كون المطلوب يقينيا لأن المبني على الظني أولى أن يكون ظنيا فثبت بهذا أن الدليل لا يقبل الزيادة والنقصان وبطل ببطلانه ذلك السؤال مثاله إذا رأى الإنسان حدوث مطر ورعد وبرق بعد أن كان الهواء صافيا قال سبحان الله ، فمن الناس من قال : إن قوله سبحان الله يدل على أنه عرف الله بدليله ، وهذا باطل لأنه إنما يكون عارفا بالله إذا عرف بالدليل أن ذلك الحادث لابد له من مؤثر ثم يعرف بالدليل أنه يستحيل أن يكون المؤثر فيه سوى الله تعالى ، وهذه المقدمة الثانية إنما تستقيم لو عرف بالدليل أنه يستحيل إسناد هذا الحدوث إلى الفلك والنجوم ، والطبيعة والعلة الموجبة . فإنه لو لم يعرف بطلان ذلك الدليل لكان معتقدا لهذه المقدمة الثانية من غير دليل فتكون المقدمة تقليدية ويكون المبني عليها تقليدا لا يقينا فثبت بهذا فساد ما قلتموه . المقام الخامس : أن نقول الاشتغال بعلم الكلام بدعة ، والدليل عليه القرآن والخبر والإجماع وقول السلف والحكم . أما القرآن فقوله تعالى { ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون } ذم الجدل وقال أيضا : { وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره } قالوا فأمر بالإعراض عنهم عند خوضهم في آيات الله تعالى وأما الخبر فقوله عليه السلام : «تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق » وقوله عليه السلام : «عليكم بدين العجائز » وقوله : «إذا ذكر القدر فأمسكوا » وأما الإجماع فهو أن هذا علم لم تتكلم فيه الصحابة فيكون بدعة فيكون حراما ، أما أن الصحابة ما تكلموا فيه فظاهر ، لأنه لم ينقل عن أحد منهم أنه نصب نفسه للاستدلال في هذه الأشياء ، بل كانوا من أشد الناس إنكارا على من خاض فيه ، وإذا ثبت هذا ثبت أنه بدعة وكل بدعة حرام بالاتفاق ، أما الأثر ، قال مالك بن أنس : إياكم والبدع قيل وما البدع يا أبا عبد الله ؟ قال أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته وكلامه ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون .

وسئل سفيان بن عيينة عن الكلام فقال اتبع السنة ودع البدعة . وقال الشافعي رضي الله عنه : لأن يبتلي الله العبد بكل ذنب سوى الشرك خير له من أن يلقاه بشيء من الكلام وقال : لو أوصى رجل بكتبه العلمية لآخر وكان فيها كتب الكلام لم تدخل تلك الكتب في الوصية وأما الحكم فهو أنه لو أوصى للعلماء لا يدخل المتكلم فيه والله أعلم فهذا مجموع كلام الطاعنين في النظر والاستدلال . والجواب : أما الشبه التي تمسكوا بها في أن النظر لا يفيد العلم فهي فاسدة ، لأن الشبه التي ذكروها ليست ضرورية بل نظرية ، فهم أبطلوا كل النظر ببعض أنواعه وهو متناقض ، وأما الشبه التي تمسكوا بها في أن النظر غير مقدور فهي فاسدة ، لأنهم مختارون في استخراج تلك الشبه فيبطل قولهم إنها ليست اختيارية ، وأما الشبه التي تمسكوا بها في أن التعاويل على النظر قبيح فهي متناقضة ، لأنه يلزمهم أن يكون إيرادهم لهذه الشبه التي أوردوها قبيحا ، وأما الشبه التي تمسكوا بها في أن الرسول ما أمر بذلك فهو باطل ، لأنا بينا أن الأنبياء بأسرهم ما جاءوا إلا بالأمر بالنظر والاستدلال . وأما قوله تعالى { ما ضربوه لك إلا جدلا } فهو محمول على الجدل بالباطل ، توفيقا بينه وبين قوله { وجادلهم بالتي هي أحسن } وأما قوله { وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم } فجوابه أن الخوض ليس هو النظر ، بل الخوض في الشيء هو اللجاج ، وأما قوله عليه الصلاة والسلام : «تفكروا في الخلق » فذاك إنما أمر به ليستفاد منه معرفة الخالق وهو المطلوب . وأما قوله عليه الصلاة والسلام : «عليكم بدين العجائز » فليس المراد إلا تفويض الأمور كلها إلى الله تعالى والاعتماد في كل الأمور على الله على ما قلنا وأما قوله عليه الصلاة والسلام : «إذا ذكر القدر فأمسكوا » فضعيف . لأن النهي الجزئي لا يفيد النهي الكلي ، وأما الإجماع فنقول : إن عنيتم أن الصحابة لم يستعملوا ألفاظ المتكلمين فمسلم ، لكنه لا يلزم منه القدح في الكلام ، كما أنهم لم يستعلموا ألفاظ الفقهاء ، ولا يلزم منه القدح في الفقه البتة ، وإن عنيتم أنهم ما عرفوا الله تعالى ورسوله بالدليل ، فبئس ما قلتم ، وأما تشديد السلف على الكلام فهو محمول على أهل البدعة ، وأما مسألة الوصية فهي معارضة بما أنه لو أوصى لمن كان عارفا بذات الله وصفاته وأفعاله وأنبيائه ورسله لا يدخل فيه الفقيه . ولأن مبنى الوصايا على العرف فهذا إتمام هذه المسألة والله أعلم .

المسألة الثانية : أما حقيقة العبادة فذكرناها في قوله { إياك نعبد } وأما الخلق فحكى الأزهري صاحب التهذيب عن ابن الأنباري أنه التقدير والتسوية ، واحتجوا فيه بالآية والشعر والاستشهاد ، أما الآية فقوله تعالى { أحسن الخالقين } أي المقدرين { وتخلقون إفكا } أي تقدرون كذبا { وإذ تخلق من الطين } أي تقدر . وأما الشعر فقول زهير :

ولأنت تفري ما خلقت *** وبعض القوم يخلق ثم لا يفري

وقال آخر :

ولا ينط بأيدي الخالقين ولا *** أيدي الخوالق إلا جيد الادم

وأما الاستشهاد يقال خلق النعل إذا قدرها وسواها بالقياس ، ومنه قول العرب للأحاديث التي لا يصدق بها ، أحاديث الخلق ، ومنه قوله تعالى { إن هذا إلا خلق الأولين } والخلاق المقدار من الخير ، وهو خليق أي جدير كأنه الذي منه الخلاق ، والصخرة الخلقاء الملساء لأن في الملاسة استواء ، وفي الخشونة اختلاف ومنه «أخلق الثوب » لأنه إذا بلي صار أملس واستوى نتوه واعوجاجه ، فثبت أن الخلق عبارة عن التقدير والاستواء قال القاضي عبد الجبار : الخلق فعل بمعنى التقدير واللغة لا تقتضي أن ذلك لا يتأتى إلا من الله تعالى بل الكتاب نطق بخلافه في قوله { فتبارك الله أحسن الخالقين } ، { وإذ تخلق من طين كهيئة الطير } لكنه تعالى لما كان يفعل الأفعال لعلمه بالعواقب وكيفية المصلحة ولا فعل له إلا كذلك لا جرم اختص بهذا الاسم وقال أستاذه أبو عبد الله البصري إطلاق اسم خالق على الله محال لأن التقدير والتسوية عبارة عن الفكر والنظر والحسبان وذلك في حق الله محال ، وقال جمهور أهل السنة والجماعة : الخلق عبارة عن الإيجاد والإنشاء واحتجوا عليه بقول المسلمين لا خالق إلا الله ، ولو كان الخلق عبارة عن التقدير لما صح ذلك .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ} (21)

{ يا أيها الناس اعبدوا رَبَّكُمُ } لما بين سبحانه فرق المكلفين وقسمهم إلى مؤمنين وكفار ومذبذبين ، وقال في الطائفة الأولى : { الذين يُؤْمِنُونَ } [ البقرة : 3 ] وفي الثانية : { سَوَاء عَلَيْهِمْ } [ البقرة : 6 ] وفي الثالثة : { يخادعون الله } [ البقرة : 9 ] وشرح ما ترجع إليه أحوالهم دنيا وأخرى فقال سبحانه في الأولى : { أولئك على هُدًى مّن رَّبّهِمْ وأولئك هُمُ المفلحون } [ البقرة : 5 ] وفي الثانية : { خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ } { وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ } [ البقرة : 7 ] وفي الثالثة : { فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ } [ البقرة : 0 1 ] أقبل عز شأنه عليهم بالخطاب على نهج الالتفات هزاً لهم إلى الإصغاء وتوجيهاً لقلوبهم نحو التلقي وجبراً لما في العبادة من الكلفة بلذيذ المخاطبة ويكفي للنكتة الوجود في البعض ، و( يا ) حرف لا اسم فعل على الصحيح وضع لنداء البعيد ، وقيل : لمطلق النداء أو مشتركة بين أقسامه ، وعلى الأول ينادي بها القريب لتنزيله منزلة غيره إما لعلو مرتبة المنادي أو المنادى ، وقد ينزل غفلة السامع وسوء فهمه منزلة بعده ، وقد يكون ذلك للاعتناء بأمر المدعو له والحث عليه لأن نداء البعيد وتكليفه الحضور لأمر يقتضي الاعتناء والحث ، فاستعمل في لازم معناه على أنه مجاز مرسل أو استعارة تبعية في الحرف أو مكنية وتخييلية وهو مع المنادى المنصوب لفظاً أو تقديراً به لنيابته عن نحو ناديت الإنشائي أو بناديت اللازم الإضمار لظهور معناه مع قصد الإنشاء كلام يحسن السكوت عليه كما يحسن في نحو ( لا ، ونعم ) و( أي ) لها معان شهيرة والواقعة في النداء نكرة موضوعة لبعض من كل ، ثم تعرفت بالنداء وتوصل بها لنداء ما فيه أل لأن ( يا ) لا يدخل عليها في غير الله إلا شذوذاً لتعذر الجمع بين حرفي التعريف فإنهما كمثلين وهما لا يجتمعان إلا فيما شذ من نحو :

فلا والله لا يلفى لما بي *** ولا للما بهم أبداً دواء

وأعطيت حكم المنادى وجعل المقصود بالنداء وصفاً لها والتزم فيه هذه الحركة الخاصة المسماة بالضمة خلافاً للمازني فإنه أجاز نصبه وليس له في ذلك سلف ولا خلف لمخالفته للمسموع وإنما التزم ذلك إشعاراً بأنه المقصود بالنداء ولا ينافي هذا كون الوصف تابعاً غير مقصود بالنسبة لمتبوعه لأن ذلك بحسب الوضع الأصلي حيث لم يطرأ عليه ما يجعله مقصوداً في حد ذاته ككونه مفسراً لمبهم ومن هنا لم يشترطوا في هذا الوصف الاشتقاق مع أن النحويين إلا النذر كابن الحاجب اشترطوا ذلك في النعوت على ما بين في محله ، و( ها ) التنبيهية زائدة لازمة للتأكيد والتعويض عما تستحق من المضاف إليه أو ما في حكمه من التنوين كما في { أَيّا مَّا تَدْعُواْ } [ الإسراء : 0 11 ] وإن لم يستعمل هنا مضافاً أصلاً وكثر النداء في الكتاب المجيد على هذه الطريقة لما فيها من التأكيد الذي كثيراً ما يقتضيه المقام بتكرر الذكر والإيضاح بعد الإيهام والتأكيد بحرف التنبيه واجتماع التعريفين . هذا ما ذهب إليه الجمهور ، وقطع الأخفش لضعف نظره بأن ( أيّاً ) الواقعة في النداء موصولة حذف صدر صلتها وجوباً لمناسبة التخفيف للمنادى وأيد بكثرة وقوعها في كلامهم موصولة ، وندرة وقوعها موصوفة ، واعتذر عن عدم نصبها حينئذ مع أنها مضارعة للمضاف بأنه إذا حذف صدر صلتها كان الأغلب فيها البناء على الضم ، فحرف النداء على هذا يكون داخلاً على مبنى على الضم ولم يغيره ، وإن كان مضارعاً للمضاف ، ويؤيد الأول عدم الاحتياج إلى الحذف وصدق تعريف النعت والموافقة مع هذا وأنها لو كانت موصولة لجاز أن توصل بجملة فعلية أو ظرفية إلى غير ذلك مما يقطع المنصف معه بأرجحية مذهب الجمهور ، نعم أورد عليه إشكال استصعبه بعض من سلف من علماء العربية وقال : إنه لا جواب له وهو أن ما ادعوا كونه تابعاً معرف بالرفع وكل حركة إعرابية إنما تحدث بعامل ولا عامل يقتضي الرفع هناك لأن متبوعه مبني لفظاً ومنصوب محلاً فلا وجه لرفعه .

وأقول : إن هذا من الأبحاث الواقعة بين أبي نزار وابن الشجري ، وذلك أنه وقع سؤال عن ضمة هذا التابع فكتب أبو نزار أنها ضمة بناء وليست ضمة إعراب لأن ضمة الإعراب لا بد لها من عامل يوجبها ولا عامل هنا يوجب هذه الضمة ، وكتب الشيخ منصور موهوب بن أحمد أنها ضمة إعراب ولا يجوز أن تكون ضمة بناء ، ومن قال ذلك فقد غفل عن الصواب ، وذلك لأن الواقع عليه النداء أي المبني على الضم لوقوعه موقع الحرف والاسم الواقع بعد وإن كان مقصوداً بالنداء إلا أنه صفة أي فمحال أن يبنى أيضاً لأنه مرفوع رفعاً صحيحاً ، ولهذا أجاز فيه المازني النصب على الموضع كما يجوز في ( يا ) زيد الظريف . وعلة الرفع أنه لما استمر الضم في كل منادى معرفة أشبه ما أسند إليه الفعل فأجريت صفته على اللفظ فرفعت ، وأجاب ابن الشجري بما أجاب به الشيخ وكتب أنها ضمة إعراب لأن ضمة المنادى المفرد لها باطرادها منزلة بين منزلتين فليست كضمة حيث لأنها غير مطردة لعدم اطراد العلة التي أوجبتها ولا كضمة زيد في نحو خرج زيد لأنها حدثت بعامل لفظي ولما اطردت الضمة في نحو : يا زيد يا عمرو وكذلك اطردت في نحو يا رجل يا غلام إلى ما لا يحصى نزل الاطراد فيها منزلة العامل المعنوي الواقع للمبتدأ من حيث اطردت الرفعة في كل اسم ابتدئ به مجرداً عن عامل لفظي وجيء له بخبر كعمرو ومنطلق ، وزيد ذاهب إلى غير ذلك فلما استمرت ضمة المنادى في معظم الأسماء كما استمرت الأسماء المعربة الضمة الحادثة عن الابتداء شبهتها العرب بضمة المبتدأ فأتبعها ضمة الإعراب في صفة المنادى في نحو ( يا زيد الطويل ) وجمع بينهما أيضاً أن الاطراد معنى كما أن الابتداء كذلك ، ومن شأن العرب أن تحمل الشيء على الشيء مع حصول أدنى مناسبة بينهما حتى إنهم قد حملوا أشياء على نقائضها ، ألا ترى أنهم أتبعوا حركة الإعراب حركة البناء في قراءة من قرأ { الحمد لله } [ الفاتحة : 2 ] بضم اللام وكذلك أتبعوا حركة البناء حركة الإعراب في نحو : يا زيد بن عمرو في قول من فتح الدال من زيد انتهى ملخصاً ، وقد ذكر ذلك ابن الشجري في «أماليه » وأكثر في الحط على ابن نزار وبين ما وقع بينه وبينه مشافهة ، ولولا مزيد الإطالة لذكرته بعجره وبجره ، وأنت تعلم ما في ذلك كله من الوهن ، ولهذا قال بعض المحققين : إن الحق أنها حركة اتباع ومناسبة لضمة المنادى ككسر الميم من غلامي وحينئذ يندفع الإشكال كما لا يخفى على ذوي الكمال .

بقي الكلام في اللام الداخلة على هذا النعت هل هي للتعريف أم لا ؟ والذي عليه الجمهور وهو المشهور أنها للتعريف كما تقدمت الإشارة إليه ، ولما سئل عن ذلك أبو نزار قال : إنها هناك ليست للتعريف لأن التعريف لا يكون إلا بين اثنين في ثالث واللام فيما نحن فيه داخلة في اسم المخاطب ، ثم قال : والصحيح أنها دخلت بدلاً من ( يا ) ، و( أي ) وإن كان منادى إلا أن نداءه لفظي ، والمنادى على الحقيقة هو المقرون بأل ولما قصدوا تأكيد التنبيه وقدروا تكرير حرف النداء كرهوا التكرير فعوضوا عن حرف النداء ثانياً ( ها ) وثالثاً ( أل ) وتعقبه ابن الشجري قائلاً : إن هذا قول فاسد بل اللام هناك لتعريف الحضور كالتعريف في قولك جاء هذا الرجل مثلاً ولكنها لما دخلت على اسم المخاطب صار الحكم للخطاب من حيث كان قولنا يا أيها الرجل معناه يا رجل ، ولما كان الرجل هو المخاطب في المعنى غلب حكم الخطاب فاكتفى باثنين لأن أسماء الخطاب لا تفتقر في تعريفها إلى حضور ثالث ، ألا ترى أن قولك خرجت يا هذا وانطلقت وأكرمتك لا حاجة به إلى ثالث ؟ وليس كل وجوه التعريف يقتضي أن يكون بين اثنين في ثالث فإن ضمير المتكلم في ( أنا خرجت ) معرفة إجماعاً ولا يتوقف تعريفه على حضور ثالث ، وأيضاً ما قص من حديث التعويض يستدعي بظاهره أن يكون أصل يا أيها الرجل مثلاً : ( يا أي يايا رجل ) وأنهم عوضوا من ( يا ) الثانية ( ها ) ومن الثالثة الألف واللام ، وأنت تعلم أن هذا مع مخالفته لقول الجماعة خلف من القول يمجه السمع وينكره الطبع فليفهم .

والناس : اسم جمع على ما حققه جمع ، والجموع وأسماؤها المحلاة بأل للعموم حيث لا عهد خارجي كما يدل عليه وقوع الاستثناء والأصل فيه الاتصال هو يقتضي الدخول يقيناً ولا يتصور إلا بالعموم ، ونحو ضربت زيداً إلا رأسه وصمت رمضان إلا عشره الأخير عام تأويلاً ، وكذا التأكيد بما يفيد العموم إذا لو لم يكن هناك عموم كان التأكيد تأسيساً والاتفاق على خلافه ، وشيوع استدلال الصحابة رضي الله تعالى عنهم بالعموم كما في حديث السقيفة وهم أئمة الهدى . ثم هذا الخطاب في نحو { يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا الناس } يسمى بالخطاب الشفاهي عند الأصوليين قالوا : وليس عاماً لمن بعد الموجودين في زمن الوحي أو لمن بعد الحاضرين مهابط الوحي ، والأول : هو الوجه وإنما يثبت حكمه لهم بدليل آخر من نص أو قياس أو إجماع ، وأما بمجرد الصيغة فلا ، وقالت الحنابلة : بل هو عام لمن بعدهم إلى يوم القيامة واستدل الأولون بأنا نعلم أنه لا يقال للمعدومين نحو { يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا الناس } قال العضد : وإنكاره مكابرة وبأنه امتنع خطاب الصبي والمجنون بنحوه وإذا لم نوجهه نحوهم مع وجودهم لقصورهم عن الخطاب فالمعدوم أجدر أن يمنع لأن تناوله أبعد ، واستدل الآخرون بأنه لو لم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم مخاطباً به لمن بعدهم لم يكن مرسلاً إليهم واللازم منتف وبأنه لم يزل العلماء يحتجون على أهل الأعصار ممن بعد الصحابة بمثل ذلك ، وهو إجماع على العموم لهم .

وأجيب : أما عن الأول فبأن الرسالة إنما تستدعي التبليغ في الجملة وهو لا يتوقف على المشافهة بل يكفي فيه حصوله للبعض شفاهاً وللبعض بنصب الدلائل والأمارات على أن حكمهم حكم الذين شافههم ، وأما عن الثاني : فبأنه لا يتعين أن يكون ذلك لتناوله لهم بل قد يكون لأنهم علموا أن حكمه ثابت عليهم بدليل آخر قاله غير واحد .

وفي «شرح العلامة » الثاني «للشرح العضدي » أن القول بعموم الشفاهي وإن نسب إلى الحنابلة ليس ببعيد . وقال بعض أجلة المحققين : إنه المشهور حتى قالوا إن الحق أن العموم معلوم بالضرورة من الدين المحمدي وهو الأقرب ، وقول العضد : إن إنكاره مكابرة حق لو كان الخطاب للمعدومين خاصة ، أما إذا كان للموجودين والمعدومين على طريق التغليب فلا ، ومثله فصيح شائع وكل ما استدل به على خلافه ضعيف انتهى . وإلى العموم ذهب كثير من الشافعية على أنه عندهم عام بحاق لفظه ومنطوقه من غير احتياج إلى دليل آخر ، وقد قيل : إنه من قبيل الخطاب العام الذي أجري على غير ظاهره كما في قوله :

إذا أنت أكرمت الكريم ملكته *** وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا

هذا وعلى كل حال ما روى عن ابن مسعود وعلقمة من أن كل شيء نزل فيه { يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا الناس } مكي و{ ذَلِكَ بِأَنَّ الذين كَفَرُواْ } مدني إن صح ولم يؤول لا يوجب تخصيص هذا العام بوجه بالكفار بل هم أيضاً داخلون فيه ومأمورون بأداء العبادة كالاعتقاد ، والأمر بالشيء أمر بما لا يتم إلا به وكون الإيمان أصل العبادات ، ولو وجب بوجوبها انقلب الأصل تبعاً مردود بأن الأصالة بحسب الصحة لا تنافي التبعية في الوجوب على أنه واجب استقلالاً أيضاً ، والعجب كيف خفي على مشايخ سمرقند ؟ وهذا ما ذهب إليه العراقيون والشافعية ، ويؤيده ظواهر الآيات كقوله تعالى : { وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ الذين لاَ يُؤْتُونَ الزكاة } [ فصلت : 6 ، 7 ] وقوله سبحانه : { مَا سَلَكَكُمْ في سَقَرَ قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ المصلين وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المسكين } [ المدثر : 2 4 44 ] وذهب البخاريون إلى أنهم مكلفون في حق الاعتقاد فقط ، وأبو حنيفة رضي الله تعالى عنه لم ينص ظاهراً على شيء في المسألة لكن في كلام صاحبه الثاني ما يدل عليها ، ولعل ذلك من الإمام لأنه لا ثمرة للخلاف في الدنيا للاتفاق على أنهم ما داموا كفاراً يمتنع منه الإقدام عليها ولا يؤمرون بها وإذا أسلموا لم يجب قضاؤها عليهم ، وإنما ثمرته في الآخرة وهو أنهم يعذبون على تركها كما يعذبون على ترك الإيمان عند من قال بوجوبها عليهم ، وعلى ترك الإيمان فقط عند من لم يقل ، وهذا في غير العقوبات والمعاملات ، أما هي فمتفق على خطابهم بها ، والأمر بالعبادة هنا للطوائف الثلاث باعتبار أن المراد بها الشامل لإيجاد أصلها والزيادة والثبات فاعبدوا يدل على طلب في الحال لعبادة مستقلة وهي من الكفار ابتداء عبادة ومن بعض المؤمنين زيادة ومن آخرين مواظبة ، وليس الابتداء والزيادة والمواظبة داخلاً في المفهوم وضعاً فلا محذور في شيء أصلاً خلافاً لمن توهمه فتكلف في دفعه وذكر سبحانه الرب ليشير إلى أن الموجب القريب للعبادة هي نعمة التربية ، وإن كانت عبادة الكاملين لذاته تعالى من غير واسطة أصلاً سوى أنه هو هو فسبحانه من إله ما أعظمه ومن رب ما أكرمه .

{ الذي خَلَقَكُمْ والذين مِن قَبْلِكُمْ } الموصول صفة مادحة للرب ، وفيها أيضاً تعليل العبادة أو الربوبية على ما قل ، فإن كان الخطاب في { رَبُّكُمْ } شاملاً للفرق الثلاث فذاك وإن خص بالمشركين وأريد بالرب ما تعورف بينهم من إطلاقه على غيره تعالى احتمل أن تكون مقيدة إن حملت الإضافة على الجنس وموضحة إن حملت على العهد ، ولا يبعد على هذا أن تكون مادحة لأن المطلق يتبادر منه رب الأرباب إلا إن جعلها للتقييد والتوضيح أظهر بناء على ما كانوا فيه وتعريضاً بما كانوا عليه ولأنه الأصل فلا يترك إلا بدليل ، والخلق الاختراع بلا مثال ويكون بمعنى التقدير وعلى الأول لا يتصف به سواه سبحانه ، وعلى الثاني قد يتصف به غير ومنه { فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين } [ المؤمنون : 4 1 ] { وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطين } [ المائدة : 0 11 ] وقول زهير :

ولأنت تفري ما خلقت وبع *** ض القوم يخلق ثم لا يفري

ومن العجب أن أبا عبد الله البصري أستاذ القاضي عبد الجبار قال : إطلاق الخالق عليه تعالى محال لأن التقدير/ يستدعي الفكر والحسبان وهي مسألة خلافية بينه وبين الله تعالى القائل : { هُوَ الله الخالق البارئ } [ الحشر : 4 2 ] وبقول الله تعالى أقول ، والموصول الثاني عطف على المنصوب في { خَلَقَكُمْ } و( قبل ) ظرف زمان بكثرة ومكان بقلة ويتجوز بها عن التقدم بالشرف والرتبة ، والخطاب إن شمل المؤمنين وغيرهم فالمراد بالذين قبلهم من تقدمهم في الوجود ومن هو موجود وهو أعلى منزلة منهم وفي هذا تذكير لكمال جلال الله تعالى وربوبيته وفيه من تأكيد أمر العبادة ما لا يخفى ، وقدم سبحانه التنبيه على خلقهم وإن كان متأخراً بالزمان لأن علم الإنسان بأحوال نفسه أظهر ولأنهم المواجهون بالأمر بالعبادة فتنبيههم أولاً على أنفسهم آكد وأهم ، وأتى بالخلق صلة والصلات لا بد من كونها معلومة الانتساب عند المخاطب ، ولذا يعرف الموصول عنده بما فيها من العهد ، واشترطت خبريتها إشارة إلى أنه ليس في المخاطبين من ينكر كون الخالق هو الله تعالى : { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ } [ الزخرف : 7 8 ] أو { منْ خلق السموات والأرض لَيَقُولُنَّ الله } [ الزمر : 8 3 ] وانفهام ذلك من الوصف بناء على ما قالوا الإخبار بعد العلم بها أوصاف والأوصاف قبل العلم بها أخبار مما قاله بعض المحققين وإن كان هناك من لا يعلم أن الله تعالى خالقه وخالق من قبله احتيج إلى ادعاء التغليب أو تنزيل غير العالم منزلة العالم لوضوح البراهين فتخرج الجملة مخرج المعلوم على خلاف مقتضى الظاهر ، وقرأ ابن السميقع ( وخلق من قبلكم ) وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهما والذين من قبلكم بفتح الميم ، واستشكل لتوالي موصولين والصلة واحدة وخرجت على جعل ( من ) تأكيداً للذين فلا يحتاج إلى صلة نحو قوله :

من النفر اللائي الذين إذا هم *** تهاب اللئام حلقة الباب قعقعوا

واعترض بأن الحرف لا يؤكد بدون إعادة ما اتصل به فالموصول أولى بذلك إذ يكاد أن يكون تأكيده كتأكيد بعض الاسم ( فمن ) حينئذ موصولة أو موصوفة وهي خبر مبتدأ مقدر وما بعدها صلة أو صفة وهي مع المقدر صلة الموصول الأول ويكون على أحد الاحتمالين نظير .

*فقلت وأنكرت الوجوه هم هم *

وتخريج البيت على نحو هذا ، وقيل : { مِنْ } زائدة ، وقد أجاز بعض النحاة زيادة الأسماء ؛ والكسائي زيادة { مِنْ } الموصولة ، و( جعل ) من ذلك :

وكفى بنا فضلاً على من غيرنا *** حب النبي محمد إيانا

وبعضهم استشكل القراءة المشهورة أيضاً بأن الذين أعيان و{ مِن قَبْلِكُمْ } ناقص ليس في الإخبار به عنها فائدة ، فكذلك الوصل به إلا على تأويل وتأويل أن ظرف الزمان إذا وصف لفظاً أو تقديراً مع القرينة صح الإخبار والوصل به تقول : نحن في يوم طيب ، و( ما ) هنا في تقدير : والذين كانوا من زمان قبل زمانكم ، وقدر أبو البقاء : والذين خلقهم من قبل خلقكم فحذف الفعل الذي هو صلة وأقيم متعلقه مقامه فتدبر .

{ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } ( لعل ) في المشهور موضوعة للترجي وهو الطمع في حصول أمر محبوب ممكن الوقوع والإشفاق وهو توقع مخوف ممكن ، والظاهر التقابل فتكون مشتركة ، وذكر الرضي أنها للترجي وهو ارتقاب شيء لا وثوق بحصوله فيدخل فيه الطمع والإشفاق ، والذي يميل إليه القلب ما ذكره بعض المحققين أنها لإنشاء توقع أمر متردد بين الوقوع وعدمه مع رجحان الأول ، إما محبوب فيسمى رجاء أو مكروه فيسمى إشفاقاً وذلك قد يعتبر تحققه بالفعل إما من جهة المتكلم وهو الشائع لأن معاني الإنشاآت قائمة به . وإمّا من جهة المخاطب تنزيلاً له منزلة المتكلم في التلبس التام بالكلام الجاري بينهما ، ومنه { لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى } [ طه : 44 ] وقد يعتبر تحققه بالقوة بضرب من التجوز إيذاناً بأن ذلك الأمر في نفسه مئنة للتوقع متصف بحيثية مصححة له من غير أن يعتبر هناك توقع بالفعل من متوقع أصلاً .

ففي الآية الكريمة إن جعلت الجملة حالاً من مفعول { خَلَقَكُمْ } وما عطف عليه بطريق تغليب المخاطبين على الغائبين لأنهم المأمورون بالعبادة امتنع حمل لعل على حقيقتها لا بالنظر إلى المتكلم لاستحالة الترجي على عالم الغيب والشهادة الفاعل لما يشاء ، ولا بالنظر إلى المخاطبين لأنهم حين الخلق لم يكونوا عالمين فكيف يتصور الرجاء منهم ؟ ولا يجوز جعلها حالاً مقدرة لأن المقدر حال الخلق التقوى لا رجاؤها فلا بد أن يحمل على المعنى المجازي بأن يشبه طلب التقوى منهم بعد اجتماع أسبابه ودواعيه بالترجي في أن متعلق كل واحد منهما مخير بين أن يفعل وأن لا يفعل مع رجحان ما بجانب الفعل فيستعمل كلمة لعل الموضوع له فيه فيكون استعارة تبعية أو تشبه صورة منتزعة من حال خالقهم بالقياس إليهم بعد أن مكنهم على التقوى وتركها مع رجحانها منهم بحال المرتجى بالقياس إلى المرتجى منه القادر على المرتجى ، وتركه مع رجحان وجوده فيكون استعارة تمثيلية إلا أنه ذكر من المشبه به ما هو العمدة فيه أعني كلمة لعل أو تشبه ذواتهم بمن يرجى منه التقوى فيثبت له بعض لوازمه أعني الرجاء فيكون استعارة بالكناية ، وجعل المشبه إرادته تعالى في الاستعارة والتمثيل نزغة اعتزالية مؤسسة على القاعدة القائلة بجواز تخلف المراد عن إرادته تعالى شأنه وبعضهم( {[140]} ) قال بالترجي هنا إلا أنه ليس من المتكلم ولا من المخاطب بل من غيرهما كما في قوله تعالى : { فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يوحى إِلَيْكَ } [ هود : 2 1 ] لأنه لما ولد كل مولود على الفطرة كان بحيث أن تأمله متأمل توقع منه رجاء أن يكون متقياً وليس بالبعيد ، وإن جعلت حالاً من فاعل { خَلَقَكُمْ } امتنعت الحقيقة أيضاً وتعينت بعض الوجوه ، وإن جعلت حالاً من ضمير { اعبدوا } جاز إبقاء الترجي على حقيقته مصروفاً إلى المخاطبين أي راجين التقوى والمراد بها حينئذ منتهى درجات السالكين وهو طرح الهوى ونبذ السوى والفوز بالمحبوب الأعلى ، وفي ذلك غاية المبتغى والعروج فوق سدرة المنتهى . وقد شاع ذلك عند الأقصى والأدنى وبذلك يصح الترغيب ويندفع ما قيل إن اللائق بالبلاغة القرآنية أن يعتبر من أول الأمر غاية عبادتهم وما هو لذة لهم أعني الثواب لا ما يشق عليهم وهو التقوى وإن كان مفضياً إليه ووجه الدفع ظاهر ، وما قاله المولى التفتازاني من أن تقييد العبادة بترجي التقوى ليس له كثير معنى إنما المناسب تقييدها بالتقوى أو اقترانها برجاء ثوابها يدفعه أن في الترجي تنبيهاً على أن العابد ينبغي أن لا يفتر في عبادته ويكون ذا خوف ورجاء ، نعم قالوا : الحال قيد لعاملها وهو هنا الأمر ، فإن قلنا : إنه أعم من الوجوب فلا إشكال ، وإن قلنا : إنه حقيقة في الوجوب اقتضى وجوب الرجاء المقيد به العبادة المأمور بها ولعله ليس بواجب والقول بأنه يقتضي وجوب المقيد دون القيد فيه كلام في الأصول لا يخفى على ذويه . وما أورد من أنه يلزم على هذا الوجه التوسط بين العصا ولحائها ، فإن { الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض } [ البقرة : 22 ] موصول بربكم صفة له يجاب عنه بأن القطع يهون الفصل وإن كان هناك اتصال معنوي ، وإن جعل { الذي جَعَلَ } مبتدأ خبره { لا تجعلوا } [ البقرة : 22 ] كاد يزول الإشكال ويرتفع المقال ، ومع هذا لا شك في مرجوحية هذا الوجه وإن أشعر كلام مولانا البيضاوي بأرجحيته ، ثم لا يبعد أن يقال : إن المعنى في الآية على التعليل إما لأن ( لعل ) تجيء بمعنى كي كما ذهب إليه ابن الأنباري وغيره( {[141]} ) واستشهدوا بقوله :

فقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا *** نكف ووثقتم( {[142]} ) لنا كل موثق

أو لأنها تجيء للأطماع فيكنى به بقرينة المقام عن تحقق ما بعدها على عادة الكبراء ، ثم يتجوز به عن كل متحقق كتحقق العلة سواء كان معه إطماع أم لا على ما قيل . ولا يرد أن تعليل الخلق وهو فعله تعالى مما لم يجوزه أكثر الأشاعرة حيث منعوا تعليل أفعاله سبحان بالأغراض لئلا يلزم استكماله عز شأنه بالغير وهو محال ؛ لأنا نقول الحق الذي لا محيص عنه أن أفعاله تعالى معللة بمصالح العباد مع أنه سبحانه لا يجب عليه الأصلح ، ومن أنكر تعليل بعض الأفعال لا سيما الأحكام الشرعية كالحدود فقد كاد أن ينكر النبوة كما قاله مولانا صدر الشريعة ، والوقوف على ذلك في كل محل مما لا يلزم ، على أن بعضهم يجعل الخلاف في المسألة لفظياً لأن العلة إن فسرت بما يتوقف عليه ويستكمل به الفاعل امتنع ذلك في حقه سبحانه ، وإن فسرت بالحكمة المقتضية للفعل ظاهراً مع الغنى الذاتي فلا شبهة في وقوعها ولا ينكر ذلك إلا جهول أو معاند ، وإنما لم يقل سبحانه في النظم تعبدون لأجل اعبدوا أو اتقوا لأجل تتقون ليتجاوب طرفاه مع اشتماله على صنعة بديعة من رد العجز على الصدر لأن التقوى قصارى أمر العابد فيكون الكلام أبعث على العبادة وأشد إلزاماً كذا قيل ، وفي القلب منه شيء ، وسبب حذف مفعول { تَتَّقُونَ } مما لا يخفى ، وابن عباس رضي الله تعالى عنه يقدره الشرك ، والضحاك النار ، وأظنك لا تقدر شيئاً ، ولما أمر سبحانه المكلفين بعبادة الرب الواجد لهم ووصفه بما وصفه ، ومعلوم أن الصفة آلة لتمييز الموصوف عما عداه وأن تعليق الحكم بالوصف مشعر بالعلية أشعرت الآية أن طريق معرفته تعالى والعلم بوحدانيته واستحقاقه العبادة النظر في صنعه ، ولما كان التربية والخلق اللذان نيط بهما العبادة سابقين على طلبها فهم أن العبد لا يستحق ثواباً حيث أنعم عليه قبل العبادة بما لا يحصى مما لا تفي الطاقة البشرية بشكره ولا تقاوم عبادته عشر عشره ، واستدل بالآية من زعم أن التكليف بالمحال واقع حيث أمر سبحانه بعبادته من آمن به ومن كفر بعد إخباره عنهم أنهم لا يؤمنون وأنهم عن ضلالتهم لا يرجعون ، وقد تقدم الكلام في ذلك فارجع إليه .


[140]:_ أي ابن عطية اهـ منه.
[141]:_ قطرب وابن كيسان اهـ منه.
[142]:_ فإن قوله: وثقتم الخ يقتضي عدم التردد في الوقوع كما في الترجي وبهذا يتعين أنها بمعنى كي فليفهم اهـ منه.