مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{يَكَادُ ٱلۡبَرۡقُ يَخۡطَفُ أَبۡصَٰرَهُمۡۖ كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوۡاْ فِيهِ وَإِذَآ أَظۡلَمَ عَلَيۡهِمۡ قَامُواْۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمۡعِهِمۡ وَأَبۡصَٰرِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ} (20)

قوله تعالى { أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين والله محيط بالكافرين ( 19 ) يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير } . اعلم أن هذا هو المثل الثاني للمنافقين وكيفية المشابهة من وجوه . أحدها : أنه إذا حصل السحاب الذي فيه الظلمات والرعد والبرق واجتمع مع ظلمة السحاب ظلمة الليل وظلمة المطر عند ورود الصواعق عليهم يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت وأن البرق يكاد يخطف أبصارهم ، فإذا أضاء لهم مشوا فيه ، وإذا ذهب بقوا في ظلمة عظيمة فوقفوا متحيرين لأن من أصابه البرق في هذه الظلمات الثلاث ثم ذهب عنه تشتد حيرته . وتعظم الظلمة في عينه ، وتكون له مزية على من لم يزل في الظلمة ، فشبه المنافقين في حيرتهم وجهلهم بالدين بهؤلاء الذين وصفهم ، إذ كانوا لا يرون طريقا ولا يهتدون ، وثانيها : أن المطر وإن كان نافعا إلا أنه لما وجد في هذه الصورة مع هذه الأحوال الضارة صار النفع به زائلا ، فكذا إظهار الإيمان نافع للمنافق لو وافقه الباطن : فإذا فقد منه الإخلاص وحصل معه النفاق صار ضررا في الدين . وثالثها : أن من نزل به هذه الأمور مع الصواعق ظن المخلص منها أن يجعل أصابعه في أذنيه وذلك لا ينجيه مما يريده تعالى به من هلاك وموت ، فلما تقرر ذلك في العادات شبه تعالى حال المنافقين في ظنهم أن إظهارهم للمؤمنين ما أظهروه ينفعهم ، مع أن الأمر في الحقيقة ليس كذلك بما ذكر . ورابعها : أن عادة المنافقين كانت هي التأخر عن الجهاد فرارا من الموت والقتل ، فشبه الله حالهم في ذلك بحال من نزلت هذه الأمور به وأراد دفعها يجعل إصبعيه في أذنيه . وخامسها : أن هؤلاء الذين يجعلون أصابعهم في آذانهم وإن تخلصوا عن الموت في تلك الساعة فإن الموت والهلاك من ورائهم لا مخلص لهم منه فكذلك حال المنافقين في أن الذين يخوضون فيه لا يخلصهم من عذاب النار . وسادسها : أن من هذا حاله فقد بلغ النهاية في الحيرة لاجتماع أنواع الظلمات وحصول أنواع المخافة ، وحصل في المنافقين نهاية الحيرة في باب الدين ونهاية الخوف في الدنيا لأن المنافق يتصور في كل وقت أنه لو حصل الوقوف على باطنه لقتل ، فلا يكاد الوجل والخوف يزول عن قلبه مع النفاق . وسابعها : المراد من الصيب هو الإيمان والقرآن ، والظلمات والرعد والبرق هو الأشياء الشاقة على المنافقين ، وهي التكاليف الشاقة من الصلاة والصوم وترك الرياسات والجهاد مع الآباء والأمهات ، وترك الأديان القديمة ، والانقياد لمحمد صلى الله عليه وسلم مع شدة استنكافهم عن الانقياد له فكما أن الإنسان يبالغ في الاحتراز عن المطر الصيب الذي هو أشد الأشياء نفعا بسبب هذه الأمور المقارنة ، فكذا المنافقون يحترزون عن الإيمان والقرآن بسبب هذه الأمور المقارنة ، والمراد من قوله { كلما أضاء لهم مشوا فيه } أنه متى حصل لهم شيء من المنافع ، وهي عصمة أموالهم ودمائهم وحصول الغنائم لهم فإنهم يرغبون في الدين { وإذا أظلم عليهم قاموا } أي متى لم يجدوا شيئا من تلك المنافع فحينئذ يكرهون الإيمان ولا يرغبون فيه ، فهذه الوجوه ظاهرة في التشبيه . وبقي على الآية أسئلة وأجوبة . السؤال الأول : أي التمثيلين أبلغ ؟ والجواب : التمثيل الثاني ، لأنه أدل على فرط الحيرة وشدة الأغاليظ ؛ ولذلك تراهم يتدرجون في نحو هذا من الأهون إلى الأغلظ . السؤال الثاني : لم عطف أحد التمثيلين على الآخر بحرف الشك ؟ الجواب من وجوه . أحدها : لأن «أو » في أصلها تساوي شيئين فصاعدا في الشك ، ثم اتسع فيها فاستعيرت للتساوي في غير الشك . كقولك : جالس الحسن أو ابن سيرين تريد أنهما سيان في استصواب أن تجالس أيهما شئت ، ومنه قوله تعالى { ولا تطع منهم آثما أو كفورا } أي أن الآثم والكفور متساويان في وجوب عصيانهما ، فكذا قوله { أو كصيب } معناه أن كيفية المنافقين شبيهة بكيفتي هاتين القصتين ، فبأيتهما مثلتها فأنت مصيب ، وإن مثلتها بهما جميعا فكذلك . وثانيها : إنما ذكر تعالى ذلك لأن المنافقين قسمان بعضهم يشبهون أصحاب النار ، وبعضهم يشبهون أصحاب المطر ، ونظيره قوله تعالى { وقالوا كونوا هودا أو نصارى } وقوله { وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون } الآية . وثالثها : أو بمعنى بل قال تعالى { وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون } . ورابعها : أو بمعنى الواو كأنه قال وكصيب من السماء نظيره قوله تعالى { أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم } وقال الشاعر :

وقد زعمت ليلى بأني فاجر *** لنفسي تقاها أو عليها فجورها

وهذه الوجوه مطردة في قوله { ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة } السؤال الثاني : المشبه بالصيب والظلمات والرعد والبرق والصواعق ما هو ؟ الجواب : لعلماء البيان ههنا قولان : أحدهما : أن هذا تشبيه مفرق ومعناه أن يكون المثل مركبا من أمور والممثل يكون أيضا مركبا من أمور ويكون كل واحد من المثل شبيها بكل واحد من الممثل ، فههنا شبه دين الإسلام بالصيب ، لأن القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر ، وما يتعلق به من شبهات الكفار بالظلمات ، وما فيه من الوعد والوعيد بالبرق والرعد ؛ وما يصيب الكفرة من الفتن ومن جهة أهل الإسلام بالصواعق ، والمعنى أو كمثل ذوي صيب ، والمراد كمثل قوم أخذتهم السماء على هذه الصفة : والقول الثاني : أنه تشبيه مركب ، وهو الذي يشبه فيه إحدى الجملتين بالأخرى في أمر من الأمور وإن لم تكن آحاد إحدى الجملتين شبيهة بآحاد الجملة الأخرى وههنا المقصود تشبيه حيرة المنافقين في الدنيا والدين بحيرة من انطفت ناره بعد إيقادها ، وبحيرة من أخذته السماء في الليلة المظلمة مع رعد وبرق ، فإن قيل الذي كنت تقدره في التشبيه المفرق من حذف المضاف وهو قولك : أو كمثل ذوي صيب هل يقدر مثله في المركب ، قلنا لولا طلب الراجع في قوله { يجعلون أصابعهم في آذانهم } ما يرجع إليه لما كان بنا حاجة إلى تقديره : السؤال الرابع ما الصيب ؟ الجواب : أنه المطر الذي يصوب ، أي ينزل من صاب يصوب إذا نزل ومنه صوب رأسه إذا خفضه وقيل إنه من صاب يصوب إذا قصد ، ولا يقال صيب إلا للمطر الجود . كان عليه الصلاة والسلام يقول «اللهم اجعله صيبا هنيئا » أي مطرا جودا وأيضا يقال للسحاب صيب قال الشماخ :

وأسحم دان صادق الوعد صيب *** . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وتنكير صيب لأنه أريد نوع من المطر شديد هائل ، كما تنكرت النار في التمثيل الأول ، وقرئ أو كصائب وصيب أبلغ : والسماء هذه المظلة . السؤال الخامس : قوله من السماء . ما الفائدة فيه والصيب لا يكون إلا من السماء ؟ الجواب من وجهين : الأول : لو قال . أو كصيب فيه ظلمات . احتمل أن يكون ذلك الصيب نازلا من بعض جوانب السماء دون بعض ، أما لما قال من السماء دل على أنه عام مطبق آخذ بآفاق السماء فكما حصل في لفظ الصيب مبالغات من جهة والتركيب والتنكير أيد ذلك بأن جعله مطبقا ، الثاني : من الناس من قال : المطر إنما يحصل من ارتفاع أبخرة رطبة من الأرض إلى الهواء فتنعقد هناك من شدة برد الهواء ثم تنزل مرة أخرى ، فذاك هو المطر ثم إن الله سبحانه وتعالى أبطل ذلك المذهب ههنا بأن بين أن ذلك الصيب نزل من السماء ، كذا قوله { وأنزلنا من السماء ماء طهورا } وقوله { وينزل من السماء من جبال فيها من برد } . السؤال السادس ما الرعد والبرق ؟ الجواب : الرعد الصوت الذي يسمع من السحاب كأن أجرام السحاب تضطرب وتنتقض وترتعد إذا أخذتها الريح فصوت عند ذلك من الارتعاد والبرق الذي يلمع من السحاب من برق الشيء بريقا إذا لمع . السؤال السابع : الصيب هو المطر والسحاب فأيهما أريد فما ظلماته ؟ الجواب : أما ظلمات السحاب فإذا كان أسحم مطبقا فظلمته سحمته وتطبيقه مضمومة إليهما ظلمة الليل ، وأما ظلمة المطر فظلمته تكاثفه وانسجامه بتتابع القطر وظلمته إظلال الغمامة مع ظلمة الليل . السؤال الثامن : كيف يكون المطر مكانا للرعد والبرق وإنما مكانهما السحاب . الجواب : لما كان التعليق بين السحاب والمطر شديدا جاز إجراء أحدهما مجرى الآخر في الأحكام . السؤال التاسع : هلا قيل رعود وبروق كما قيل ظلمات ؟ الجواب : الفرق أنه حصلت أنواع مختلفة من الظلمات على الاجتماع فاحتيج إلى صيغة الجمع ، أما الرعد فإنه نوع واحد ، وكذا البرق ولا يمكن اجتماع أنواع الرعد والبرق في السحاب الواحد فلا جرم لم يذكر فيه لفظ الجمع . السؤال العاشر : لم جاءت هذه الأشياء منكرات . الجواب : لأن المراد أنواع منها ، كأنه قيل فيه ظلمات داجية ورعد قاصف وبرق خاطف . السؤال الحادي عشر : إلى ماذا يرجع الضمير في «يجعلون » . الجواب : إلى أصحاب الصيب وهو وإن كان محذوفا في اللفظ لكنه باق في المعنى ولا محل لقوله يجعلون لكونه مستأنفا لأنه لما ذكر الرعد والبرق على ما يؤذن بالشدة والهول فكأن قائلا قال فكيف حالهم مع مثل ذلك الرعد فقيل يجعلون أصابعهم في آذانهم ثم قال فكيف حالهم مع مثل ذلك البرق فقال { يكاد البرق يخطف أبصارهم } . السؤال الثاني عشر : رؤوس الأصابع هي التي تجعل في الآذان فهلا قيل أناملهم ؟ الجواب المذكور وإن كان هو الأصبع لكن المراد بعضه كما في قوله { فاقطعوا أيديهما } المراد بعضهما . السؤال الثالث عشر : ما الصاعقة ؟ الجواب : إنها قصف رعد ينقض منها شعلة من نار وهي نار لطيفة قوية لا تمر بشيء إلا أتت عليه إلا أنها مع قوتها سريعة الخمود . السؤال الرابع عشر : ما إحاطة الله بالكافرين . الجواب : إنه مجاز والمعنى أنهم لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط به حقيقة ثم فيه ثلاثة أقوال . أحدها : أنه عالم بهم قال تعالى { وأن الله قد أحاط بكل شيء علما } وثانيها : قدرته مستولية عليهم { والله من وراءهم محيط } وثالثها : يهلكهم من قوله تعالى { إلا أن يحاط بكم } السؤال الخامس عشر : ما الخطف . الجواب : أنه الأخذ بسرعة ، وقرأ مجاهد يخطف بكسر الطاء والفتح أفصح ، وعن ابن مسعود يختطف وعن الحسن يخطف بفتح الياء والخاء وأصله يختطف ، وعنه يخطف بكسرهما على اتباع الياء الخاء ، وعن زيد بن علي : يخطف من خطف وعن أبي يتخطف من قوله { ويتخطف الناس من حولهم } أما قوله تعالى { كلما أضاء لهم مشوا فيه } فهو استئناف ثالث كأنه جواب لمن يقول كيف يصنعون في حالة ، ظهور البرق وخفائه ، والمقصود تمثيل شدة الأمر على المنافقين بشدته على أصحاب الصيب وما هم فيه من غاية التحير والجهل بما يأتون وما يذرون إذا صادفوا من البرق خفقة مع خوف أن يخطف أبصارهم انتهزوا تلك الخفقة فرصة فخطوا خطوات يسيرة ، فإذا خفي وفتر لمعانه بقوا واقفين متقيدين عن الحركة ، ولو شاء الله لزاد في قصف الرعد فأصمهم ، وفي ضوء البرد فأعماهم . وأضاء إما متعد بمعنى كلما نور لهم مسلكا أخذوه ، فالمفعول محذوف ، وإما غير متعد بمعنى كلما لمع لهم مشوا في مطرح نوره ، ويعضده قراءة ابن أبي عبلة «كلما ضاء » فإن قيل كيف قال مع الإضاءة كلما ، ومع الإظلام إذا : قلنا لأنهم حراص على إمكان المشي ، فكلما صادفوا منه فرصة انتهزوها وليس كذلك التوقف ، والأقرب في أظلم أن يكون غير متعد وهو الظاهر ، ومعنى قاموا وقفوا وثبتوا في مكانهم ، ومنه قامت السوق ، وقام الماء جمد ، ومفعول شاء محذوف لأن الجواب يدل عليه والمعنى ولو شاء الله أن يذهب بسمعهم وأبصارهم لذهب بهما وههنا مسألة ، وهي أن المشهور أن «لو » تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره ، ومنهم من أنكر ذلك وزعم أنها لا تفيد إلا الربط واحتج عليه بالآية والخبر ، أما الآية فقوله تعالى { ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون } فلو أفادت كلمة لو انتفاء الشيء لا انتفاء غيره للزم التناقض لأن قوله { ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم } يقتضي أنه ما علم فيهم خيرا وما أسمعهم وقوله { ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون } يفيد أنه تعالى ما أسمعهم وأنهم ما تولوا ولكن عدم التولي خير فلزم أن يكون قد علم فيهم خيرا ، وما علم فيهم خيرا وأما الخبر فقوله عليه السلام : «نعم الرجل صهيب لو لم يخف الله لم يعصه » فعلى مقتضى قولهم يلزم أنه خاف الله وعصاه وذلك متناقض ، فقد علمنا أن كلمة «لو » لا تفيد إلا الربط والله أعلم .

وأما قوله { إن الله على كل شيء قدير } ففيه مسائل :

المسألة الأولى : منهم من استدل به على أن المعدوم شيء ، قال لأنه تعالى أثبت القدرة على الشيء ، والموجود لا قدرة عليه لاستحالة إيجاد الموجود ، فالذي عليه القدرة معدوم وهو شيء فالمعدوم شيء . والجواب : لو صح هذا الكلام لزم أن ما لا يقدر الله عليه لا يكون شيئا ، فالموجود لما لم يقدر الله عليه وجب أن لا يكون شيئا .

المسألة الثانية : احتج جهم بهذه الآية على أنه تعالى ليس بشيء ، قال لأنها تدل على أن كل شيء مقدور لله والله تعالى ليس بمقدور له ، فوجب أن لا يكون شيئا ، واحتج أيضا على ذلك بقوله تعالى { ليس كمثله شيء } قال لو كان هو تعالى شيئا لكان تعالى مثل نفسه فكان يكذب قوله { ليس كمثله شيء } فوجب أن لا يكون شيئا حتى لا تتناقض هذه الآية ، واعلم أن هذا الخلاف في الاسم ، لأنه لا واسطة بين الموجود والمعدوم ، واحتج أصحابنا بوجهين : الأول : قوله تعالى { قل أي شيء أكبر شهادة قل الله } والثاني : قوله تعالى { كل شيء هالك إلا وجهه } والمستثنى داخل في المستثنى منه فيجب أن يكون شيئا .

المسألة الثالثة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن مقدور العبد مقدور لله تعالى خلافا لأبي علي وأبي هاشم ، وجه الاستدلال أن مقدور العبد شيء ، وكل شيء مقدور لله تعالى بهذه الآية فيلزم أن يكون مقدور العبد مقدورا لله تعالى .

المسألة الرابعة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن المحدث حال حدوثه مقدور لله خلافا للمعتزلة ، فإنهم يقولون : الاستطاعة قبل الفعل محال ، فالشيء إنما يكون مقدورا قبل حدوثه ، وبيان استدلال الأصحاب أن المحدث حال وجوده شيء ، وكل شيء مقدور ، وهذا الدليل يقتضي كون الباقي مقدورا ترك العمل به فبقي معمولا به في محل النزاع ، لأنه حال البقاء مقدوره ، على معنى أنه تعالى قادر على إعدامه ، أما حال الحدوث ، فيستحيل أن يقدر الله على إعدامه لاستحالة أن يصير معدوما في أول زمان وجوده ، فلم يبق إلا أن يكون قادرا على إيجاده .

المسألة الخامسة : تخصيص العام جائز في الجملة ، وأيضا تخصيص العام جائز بدليل العقل ، لأن قوله { والله على كل شيء قدير } يقتضي أن يكون قادرا على نفسه ثم خص بدليل العقل ، فإن قيل إذا كان اللفظ موضوعا للكل ثم تبين أنه غير صادق في الكل كان هذا كذبا ، وذلك يوجب الطعن في القرآن . قلنا : لفظ الكل كما أنه يستعمل في المجموع ، فقد يستعمل مجازا في الأكثر ، وإذا كان ذلك مجازا مشهورا في اللغة لم يكن استعمال اللفظ فيه كذبا والله أعلم .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{يَكَادُ ٱلۡبَرۡقُ يَخۡطَفُ أَبۡصَٰرَهُمۡۖ كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوۡاْ فِيهِ وَإِذَآ أَظۡلَمَ عَلَيۡهِمۡ قَامُواْۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمۡعِهِمۡ وَأَبۡصَٰرِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ} (20)

{ يَكَادُ البرق يَخْطَفُ أبصارهم } استئناف آخر بياني كأنه قيل : فكيف حالهم مع ذلك البرق ؟ فقال : { يَكَادُ } الخ ، وفي «البحر » يحتمل أن يكون في موضع جر لذوي المحذوفة فيما تقدم ويكاد مضارع كاد من أفعال المقاربة وتدل على قرب وقوع الخبر وأنه لم يقع والأول لوجود أسبابه والثاني لمانع أو فقد شرط على ما تقضي العادة به ، والمشهور أنها إن نفيت أثبتت وإن أثبتت نفت وألغزوا بذلك ، ولم يرتض هذا أبو حيان وصحح أنها كسائر الأفعال في أن نفيها نفي وإثباتها إثبات ، واللام في البرق للعهد إشارة إلى ما تقدم نكرة ، وقيل : إشارة إلى البرق الذي مع الصواعق أي برقها وهو كما ترى . وإسناد الخطف وهو في الأصل الأخذ بسرعة أو الاستلاب إليه من باب إسناد الإحراق إلى النار وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيقه قريباً . والشائع في خبر كاد أن يكون فعلاً مضارعاً غير مقترن بأن المصدرية الاستقبالية أما المضارع فلدلالته على الحال المناسب للقرب حتى كأنه لشدة قربه وقع وأما أنه غير مقترن –بأن- فلمنافاتها لما قصدوا ونحو وأبت إلى فهم وما كدت آيباً ، وكاد الفقر أن يكون كفراً ، وقد كاد -من طول البلى أن يمحصا- قليل . وقرأ مجاهد وعلي بن الحسين ويحيى بن وثاب { يَخْطَفُ } بكسر الطاء والفتح أفصح . وعن ابن مسعود ( يختطف ) وعن الحسن ( يخطف ) بفتح الياء والخاء وأصله يختطف فأدغم التاء في الطاء . وعن عاصم وقتادة والحسن أيضاً ( يخطف ) بفتح الياء وكسر الخاء والطاء المشددة . وعن الحسن أيضاً والأعمش ( يخطف ) بكسر الثلاثة والتشديد . وعن زيد ( يخطف ) بضم الياء وفتح الخاء وكسر الطاء المشددة وهو تكثير مبالغة لا تعدية ، وكسر الطاء في الماضي لغة قريش ، وهي اللغة الجيدة .

{ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ } استئناف ثالث كأنه لما قيل إنهم مبتلون باستمرار تجدد خطف الأبصار فهم منه أنهم مشغولون بفعل ما يحتاج إلى الأبصار ساعة فساعة وإلا لغطوها كما سدوا الآذان ، فسئل وقيل : ما يفعلون في حالتي وميض البرق وعدمه ؟ فأجيب بأنهم حراص على المشي كلما أضاء لهم اغتنموه ومشوا وإذا أظلم عليهم توقفوا مترصدين . و{ كُلَّمَا } في هذه الآية وأمثالها منصوبة على الظرفية وناصبها ( ما ) هو جواب معنى . و( ما ) حرف مصدري أو اسم نكرة بمعنى وقت فالجملة بعدها صلة أو صفة وجعلت شرطاً لما فيها من معناه وهي لتقدير ما بعدها بنكرة تفيد عموماً بدلياً ولهذا أفادت ( كلما ) التكرار كما صرح به الأصوليون وذهب إليه بعض النحاة واللغويين واستفادة التكرار من ( إذا ) وغيرها من أدوات الشرط من القرائن الخارجية على الصحيح ، ومن ذلك قوله :

إذا وجدت أوار الحب من كبدي *** أقبلت نحو سقاء القوم أبترد

وزعم أبو حيان أن التكرار الذي ذكره الأصوليون وغيرهم في ( كلما ) إنما جاء من عموم كل لا من وضعها وهو مخالف للمنقول والمعقول ، وقد استعلمت هنا في لازم معناها كناية أو مجازاً وهو الحرص والمحبة لما دخلت عليه/ ولذا قال مع الإضاءة ( كلما ) ومع الإظلام ( إذا ) وقول أبي حيان : إن التكرار متى فهم من ( كلما ) هنا لزم منه التكرار في ( إذا ) إذ الأمر دائر بين إضاءة البرق والإظلام ومتى وجد ( ذا ) فقد ذا فلزم من تكرار وجود ( ذا ) تكرار عدم ذا غفلة عما أرادوه من هذا المعنى الكنائي والمجازي . وأضاء إما متعد كما في قوله :

أعد نظراً يا عبد قيس لعلما *** أضاءت لك النار الحمار المقيدا

والمفعول محذوف أي : كلما أضاء لهم ممشى مشوا فيه وسلكوه ، وإما لازم ويقدر حينئذ مضافان أي كلما لمع لهم مشوا في مطرح ضوئه ، ولا بد من التقدير إذا ليس المشي في البرق بل في محله وموضع إشراق ضوئه وكون ( في ) للتعليل والمعنى مشوا لأجل الإضاءة فيه يتوقف فيه من له ذوق في العربية ، ويؤيد اللزوم قراءة ابن أبي عبلة ( ضاء ) ثلاثياً ، وفي مصحف ابن مسعود بدل ( مشوا فيه ) ( مضوا فيه ) ، وللإشارة إلى ضعف قواهم لمزيد خوفهم ودهشتهم لم يأت سبحانه بما يدل على السرعة ، ولما حذف مفعول أضاء وكانت النكرة أصلاً أشار إلى أنهم لفرط الحيرة كانوا يخبطون خبط عشواء ويمشون كل ممشى ، ومعنى { أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ } اختفى عنهم ، والمشهور استعمال أظلم لازما ، وذكر الأزهري وناهيك به في «التهذيب » أن كل واحد من أوصاف الظلم يكون لازماً ومتعدياً ، وعلى احتمال التعدي هنا ويؤيده قراءة زيد بن قطيب والضحاك ( أظلم ) بالبناء للمفعول مع اتفاق النحاة على أن المطرد بناء المجهول من المتعدي بنفسه يكون المفعول محذوفاً أي إذا أظلم البرق بسبب خفائه معاينة الطريق قاموا أي وقفوا عن المشي ويتجوز به على الكساد ومنه قامت السوق ، وفي ضده يقال : مشت الحال { وَلَوْ شَاء الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبصارهم } عطف على مجموع الجمل الاستئنافية ولم يجعلوها معطوفة على الأقرب ومن تتمته لخروجها عن التمثيل وعدم صلاحيتها للجواب ، وعطف ما ليس بجواب على الجواب ليس بصواب وجوزه بعض المحققين إذ لا بأس بأن يزاد في الجواب ما يناسبه وإن لم يكن له دخل فيه بل قد يستحسن ذلك إذا اقتضاه المقام كما في { وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا موسى } [ طه : 7 1 ] الآية وكونها اعتراضية أو حالية من ضمير { قَامُواْ } بتقدير المبتدأ أو معطوفة على الجملة الأولى مع تخلل الفواصل اللفظية ، والمقدرة فضول عند ذوي الفضل ، والقول بأنه أتى بها لتوبيخ المنافقين حيث لم ينتهوا لأن من قدر على إيجاد قصيف الرعد ووميضه وإعدامهما قادر على إذهاب سمعهم وأبصارهم أفلا يرجعون عن ضلالهم محل للتوبيخ إذ لا يصح عطف الممثل له على حال الممثل به ، ومفعول شاء هنا محذوف وكثيراً ما يحذف( {[135]} ) مفعولها إذا وقعت في حيز الشرط ولم يكن مستغرباً ، والمعنى ولو أراد الله إذهاب سمعهم بقصيف الرعد وأبصارهم بوميض البرق لذهب ، ولتقدم ما يدل على التقييد من { يَجْعَلُونَ } [ البقرة : 9 1 ] و{ يَكَادُ } قوى دلالة السياق عليه وأخرجه من الغرابة ، ولك أن لا تقيد ذلك المفعول وتقيد الجواب كما صنعه الزمخشري أو لا تقيد أصلاً ، ويكون المعنى لو أراد الله إذهاب هاتيك القوى أذهبها من غير سبب فلا يغنيهم ما صنعوه ، والمشيئة عند المتكلمين كالإرادة سواء ، وقيل : أصل المشيئة إيجاد الشيء وإصابته وإن استعمل عرفاً في موضع الإرادة ، وقرأ ابن أبي عبلة ( لأذهب الله بأسماعهم ) وهي محمولة على زيادة الباء لتأكيد التعدية أو على أن ( أذهب ) لازم بمعنى ذهب كما قيل بنحوه في { تَنبُتُ بالدهن } [ المؤمنون : 0 2 ] { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ } [ البقرة : 195 ] إذ الجمع بين أداتي تعدية لا يجوز ، وبعضهم يقدر له مفعولا أي لأذهبهم فيهون الأمر( {[136]} ) وكلمة ( لو ) لتعليق حصول أمر ماض هو الجزاء بحصول أمر مفروض هو الشرط لما بينهما من الدوران حقيقة أو ادعاء ومن قضية مفروضة الشرط دلالتها على انتفائه قطعاً والمنازع فيه مكابر ، وأما دلالتها على انتفاء الجزاء فقد قيل وقيل ، والحق أنه إن كان ما بينهما من الدوران قد بني الحكم على اعتباره فهي دالة عليه بواسطة مدلولها ضرورة استلزام انتفاء العلة لانتفاء المعلول . أما في الدوران الكلي كالذي في قوله تعالى : شأنه { وَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ } [ النحل : 9 ] وقولك لو جئتني لأكرمتك فظاهر ، ثم إنه قد يساق الكلام لتعليل انتفاء الجزاء بانتفاء الشرط كما في المثالين ، وهو الاستعمال الشائع في ( لو ) ولذا قيل : إنها لامتناع الثاني لامتناع الأول وقد يساق للاستدلال بانتفاء الثاني لكونه ظاهراً أو مسلماً على انتفاء الأول لكونه بعكسه كما في قوله تعالى : { لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلهة إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا } [ الأنبياء : 22 ] و{ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ } [ الأحقاف : 11 ] واللزوم في الأول : حقيقي وفي الثاني : ادعائي ، وكذا انتفاء الملزومين وليس هذا بطريق السببية الخارجية بل بطريق الدلالة العقلية الراجعة إلى سببية العلم بانتفاء الثاني للعلم بانتفاء الأول . ومن لم يتنبه زعم أنه لانتفاء الأول لانتفاء الثاني . وأما في مادة الدوران الجزئي كما في قولك : لو طلعت الشمس لوجد الضوء فلأن الجزاء المنوط بالشرط ليس وجود أي ضوء بل وجود الضوء الخاص الناشئ من الطلوع ولا ريب في انتفائه بانتفائه هذا إذا بني الحكم على اعتبار الدوران وإن بني على عدمه فإما أن يعتبر تحقق مدار آخر له أو لا ، فإن اعتبر فالدلالة تابعة لحال ذلك المدار فإن كان بينه وبين الانتفاء الأول منافاة تعين الدلالة كما إذا قلت : لو لم تطلع الشمس لوجد الضوء فإن وجود الضوء معلق في الحقيقة بسبب آخر هو المدار ووضع عدم الطلوع موضعه لكونه كاشفاً عنه فكأنه قيل : لو لم تطلع الشمس لوجد الضوء بالقمر مثلاً .

ولا ريب في أن هذا الجزاء منتف عند انتفاء الشرط لاستحالة الضوء القمري عند طلوع الشمس ، وإن لم يكن بينهما منافاة تعين عدم الدلالة كحديث " لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي إنها لابنة أخي( {[137]} ) من الرضاعة " فإن المدار المعتبر في ضمن الشرط أعني كونها ابنة الأخ غير مناف لانتفائه الذي هو كونها ربيبته بل مجامع له ، ومن ضرورته مجامعة أثريهما أعني الحرمة الناشئة من هذا ، وهذا وإن لم يعتبر تحقق مدار آخر بل بني الحكم على اعتبار عدمه فلا دلالة لها على ذلك أصلاً ، ومساق الكلام حينئذ لبيان ثبوت الجزاء على كل حال بتعليقه بما ينافيه ليعلم ثبوته عند وقوع ما لا ينافيه بالأولى كما في قوله تعالى( {[138]} ) : { قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبّى إِذًا لأمْسَكْتُمْ } [ الإسرار : 100 ] فإن الجزاء قد نيط بما ينافيه إيذاناً بأنه في نفسه بحيث يجب ثبوته مع فرض انتفاء سببه أو تحقق سبب انتفائه فكيف إذا لم يكن كذلك على طريقة ( لو ) الوصلية «ونعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه » إن حمل على تعليق عدم العصيان في ضمن عدم الخوف بمدار آخر كالحياء مما يجامع الخوف كان من قبيل حديث الربيبة ، وإن حمل على بيان استحالة عصيانه مبالغة كان من هذا القبيل ، والآية الكريمة واردة على الاستعمال الشائع مفيدة لفظاعة حالهم وهول ما دهمهم وأنه قد بلغ الأمر حيث لو تعلقت مشيئة الله تعالى بإزالة قواهم لزالت لتحقق ما يقتضيه اقتضاء تاماً . وقيل : كلمة ( لو ) فيها لربط جزائها بشرطها مجردة عن الدلالة على انتفاء أحدهما لانتفاء الآخر بمنزلة إن ، ذكر جميع ذلك مولانا مفتي الديار الرومية وأظنه قد أصاب الغرض إلا أن كلام مولانا الساليكوتي يشعر باختيار أن ( لو ) موضوعة لمجرد تعليق حصول أمر في الماضي بحصول أمر آخر فيه من غير دلالة على انتفاء الأول أو الثاني أو على استمرار الجزاء/ بل جميع هذه الأمور خارجة عن مفهومها مستفادة بمعونة القرآن كيلا يلزم القول بالاشتراك أو الحقيقة والمجاز من غير ضرورة ، وبه قال بعضهم ، وما ذهب إليه ابن الحاجب من أنها للدلالة على انتفاء الأول لانتفاء الثاني من لوازم هذا المفهوم وكونه لازماً لا يستلزم الإرادة في جميع الموارد فإن الدلالة غير الإرادة . وذكر أن ما قالوه من أنها لتعليق حصول أمر في الماضي بحصول أمر آخر فرضاً مع القطع بانتفائه فيلزم لأجل انتفائه انتفاء ما علق به ، فيفيد أن انتفاء الثاني في الخارج إنما هو بسبب انتفاء الأول فيه مع توقفه على كون انتفاء الأول مأخوذاً في مدخولها ، وقد عرفت أنه يستلزم خلاف الأصل يرد عليه أن المستفاد من التعليق على أمر مفروض الحصول إبداء المانع من حصول المعلق في الماضي وأنه لم يخرج من العدم الأصلي إلى حد الوجود وبقي على حاله لارتباط وجوده بأمر معدوم ، وأما أن انتفاءه سبب لانتفائه في الخارج فكلا كيف والشرط النحوي قد يكون مسبباً مضافاً للجزاء ، نعم أن هذا مقتضى الشرط الاصطلاحي ، وما استدل به العلامة التفتازاني على إفادتها السببية الخارجية من قول الحماسي :

ولو طار ذو حافر قبلها *** لطارت ولكنه لم يطر

أن استثناء المقدم لا ينتج ، ففيه أن اللازم مما ذكر أن لا تكون مستعملة للاستدلال بانتفاء الأول على انتفاء الثاني ولا يلزم منه أن لا تكون مستعملة لمجرد التعليق لإفادة إبداء المانع مع قيام المقتضي كيف ولو كان معناها إفادة سببية الانتفاء للانتفاء كان الاستثناء تأكيداً وإعادة بخلاف ما إذا كان معناها مجرد التعليق فإنه يكون إفادة وتأسيساً ، وهذا محصل ما قالوه رداً وقبولاً . وزبدة ما ذكروه إجمالاً وتفصيلاً . ومعظم مفتى أهل العربية أفتوا بما قاله مفتي الديار الرومية ، ولا أوجب عليك التقليد فالأقوال بين يديك فاختر منها ما تريد .

{ إِنَّ الله على كُلِّ شيء قَدِيرٌ } كالتعليل للشرطية والتقرير لمضمونها الناطق بقدرته تعالى على إذهاب ما ذكر لأن القادر على الكل قادر على البعض والشيء لغة ما يصح أن يعلم ويخبر عنه كما نص عليه سيبويه ، وهو شامل للمعدوم والموجود الواجب والممكن وتختلف إطلاقاته ، ويعلم المراد منه بالقرائن فيطلق تارة ، ويراد به جميع أفراده كقوله تعالى : { والله بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ } [ البقرة : 282 ] بقرينة إحاطَة العلم الإلهي بالواجب والممكن المعدوم والموجود والمحال الملحوظ بعنوان ما ، ويطلق ويراد به الممكن مطلقاً كما في الآية الكريمة بقرينة القدرة التي لا تتعلق إلا بالممكن ، وقد يطلق ويراد به الممكن الخارجي الموجود في الذهن كما في قوله تعالى : { وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيء إِنّي فَاعِلٌ ذلك غَداً إِلاَّ أَن يَشَاء الله } [ الكهف : 23 ، 24 ] بقرينة كونه متصوراً مشيئاً فعله غداً ، وقد يطلق ويراد به الممكن المعدوم الثابت في نفس الأمر كما في قوله تعالى : { إِنَّمَا قَوْلُنَا لشيء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } [ النحل : 0 4 ] بقرينة إرادة التكوين التي تختص بالمعدوم ، وقد يطلق ويراد به الموجود الخارجي كما في قوله تعالى : { وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً } [ مريم : 9 ] أي موجوداً خارجياً لامتناع أن يراد نفي كونه شيئاً بالمعنى اللغوي الأعم الشامل للمعدوم الثابت في نفس الأمر لأن كل مخلوق فهو في الأزل شيء أي معدوم ثابت في نفس الأمر وإطلاق الشيء عليه قد قرر ، والأصل في الإطلاق الحقيقة ولا يعدل عنه إلا لصارف ولا صارف .

وشيوع استعماله في الموجود لا ينتهض صارفاً إذ ذاك إنما هو لكون تعلق الغرض في المحاورات بأحوال الموجودات أكثر لا لاختصاصه به لغة ، وما ذكره مولانا البيضاوي من اختصاصه بالموجود لأنه في الأصل مصدر شاء أطلق بمعنى شاء تارة ؛ وحينئذ يتناول الباري تعالى وبمعنى مشيء أخرى أي مشيء وجوده الخ ففيه مع ما فيه أنه يلزمه في قوله تعالى : { والله بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ } [ البقرة : 2 28 ] استعمال المشترك في معنييه لأنه إذا كان بمعنى الشائي لا يشمل نحو الجمادات عنده ، وإذا كان بمعنى المشيء وجوده لا يشمل الواجب تعالى شأنه ، وفي استعمال المشترك في معنييه خلاف( {[139]} ) ولا خلاف في الاستدلال بالآية على إحاطة علمه تعالى . وأما ما ذكر في «شرحي المواقف والمقاصد » فجعجعة ولا أرى طحناً ، وقعقعة ولا أرى سلاحاً تقنا ، وقد كفانا مؤنة الإطالة في رده مولانا الكوراني قدس سره ، والنزاع في هذا وإن كان لفظياً والبحث فيه من وطيفة أصحاب اللغة إلا أنه يبتني على النزاع في أن المعدوم الممكن ثابت أولا ، وهذا بحث طالما تحيرت فيه أقوام وزلت فيه أقدام .

والحق الذي عليه العارفون الأول لأن المعدوم الممكن أي ما يصدق عليه هذا المفهوم يتصور ويراد بعضه دون بعض ، وكل ما هو كذلك فهو متميز في نفسه من غير فرض الذهن ، وكل ما هو كذلك فهو ثابت ومتقرر في خارج أذهاننا منفكا عن الوجود الخارجي فما هو إلا في نفس الأمر . والمراد به علم الحق تعالى باعتبار عدم مغايرته للذات الأقدس فإن لعلم الحق تعالى اعتبارين أحدهما : أنه ليس غيراً والثاني : أنه ليس عيناً ، ولا يقال بالاعتبار الأول العلم تابع للمعلوم لأن التبعية نسبة تقتضي متمايزين ولو اعتباراً ، ولا تمايز عند عدم المغايرة ، ويقال ذلك بالاعتبار الثاني للتمايز النسبي المصحح للتبعية ، والمعلوم الذي يتبعه العلم هو ذات الحق تعالى بجميع شؤونه ونسبه واعتباراته . ومن هنا قالوا : علمه تعالى بالأشياء أزلاً عين علمه بنفسه لأن كل شيء من نسب علمه بالاعتبار الأول فإذا علم الذات بجميع نسبها فقد علم كل شيء من عين علمه بنفسه ، وحيث لم يكن الشريك من نسب العلم بالاعتبار الأول إذ لا ثبوت له في نفسه من غير فرض إذ الثابت كذلك هو أنه تعالى لا شريك له فلا يتعلق به العلم بالاعتبار الثاني ابتداء ، ومتى كان تعلق العلم بالأشياء أزلياً لم تكن أعداماً صرفة إذ لا يصح حينئذ أن تكون طرفاً إذ لا تمايز ، فإذا لها تحقق بوجه ما ، فهي أزلية بأزلية العلم ، فلذا لم تكن الماهيات بذواتها مجعولة لأن الجعل تابع للإرادة التابعة للعلم التابع للمعلوم الثابت ، فالثبوت متقدم على الجعل بمراتب فلا تكون من حيث الثبوت أثراً للجعل وإلا لدار ، وإنما هي مجعولة في وجودها ، لأن العالم حادث وكل حادث مجعول وليس الوجود حالا حتى لا تتعلق به القدرة ، ويلزم أن لا يكون الباري تعالى موجوداً للممكنات ولا قادراً عليها لأنه قد حقق أن الوجود بمعنى ما بانضمامه إلى الماهيات الممكنة يترتب عليها آثارها المختصة بها موجود ، أما أولاً : فلأن كل مفهوم مغاير للوجود فإنه إنما يكون موجوداً بأمر ينضم إليه وهو الوجود ، فهو موجود بنفسه لا بأمر زائد وإلا لتسلسل ، وامتيازه عما عداه بأن وجوده ليس زائداً على ذاته .

وأما ثانياً : فلأنه لو لم يكن موجوداً لم يوجد شيء أصلاً لأن الماهية الممكنة قبل انضمام الوجود متصفة بالعدم الخارجي فلو كان الوجود معدوماً كان مثلها محتاجاً لما تحتاجه فلا يترتب على الماهية بضمه آثارها لأنه على تقدير كونه معدوماً ليس فيه بعد العدم إلا افتقاره إلى الوجود ، وهذا بعينه متحقق في الماهية قبل الضم فلا يحدث لها بالضم وصف لم تكن عليه ، فلو كان هذا الوجود المفتقر مفيداً لترتب الآثار لكانت الماهية مستغنية عن الوجود حال افتقارها إليه واللازم باطل لاستحالة اجتماع النقيضين فلا بد أن يكون الوجود موجوداً بوجود هو نفسه وإلا لتسلسل أو انتهى إلى وجود موجود بنفسه ، والأول : باطل ، والثاني : قاض بالمطلوب . نعم الوجود بمعنى الموجودية حال لأنه صفة اعتبارية ليست بعرض ولا سلب ، ومع هذا يتعلق به الجعل لكن لا ابتداء بل بضم حصة من الوجود الموجود إلى الماهية فيترتب على ذلك اتصاف الماهية بالموجودية وظاهر أنه لا يلزم من عدم تعلق القدرة بالوجود بمعنى الموجودية ابتداء أن لا تتعلق به بوجه آخر ، وإذا تبين أن الماهيات مجعولة في وجودها فلا بد أن يكون وجود كل شيء عين حقيقته ، بمعنى أن ما صدق عليه حقيقة الشيء من الأمور الخارجية هو بعينه ما صدق عليه وجوده ، وليس لهما هويتان متمايزتان في الخارج كالسواد والجسم إذ الوجود إن قام بالماهية معدومة لزم التناقض ، وموجودة لزم وجودان مع الدور أو التسلسل ، والقول بأن الوجود ينضم إلى الماهية من حيث هي لا تحقيق فيه ، إذ تحقق في محله أن الماهية قبل عروض الوجود متصفة في نفس الأمر بالعدم قطعاً لاستحالة خلوها عن النقيضين فيه ، غاية الأمر أنا إذا لم نعتبر معها العدم لا يمكن أن نحكم عليها بأنها معدومة ، وعدم اعتبارنا العدم معها حين عروض الوجود لا يجعلها منفكة عنه في نفس الأمر وإنما يجعلها منفكة عنه باعتبارنا وضم الوجود أمر يحصل لها باعتبار نفس الأمر لا من حيث اعتبارنا ، فخلوها عن العدم باعتبارنا لا يصحح اتصافها بالوجود من حيث هي هي في نفس الأمر سالماً عن المحذور فإذاً ليس هناك هويتان تقوم إحداهما بالأخرى بل عين الشخص في الخارج عين تعين الماهية فيه وهو عين الماهية فيه أيضاً إذ ليس التعين أمراً وجودياً مغايراً بالذات للشخص منضماً للماهية في الخارج ممتازاً عنهما فيه مركباً منها ومن الفرد بل لا وجود في الخارج إلا للأشخاص ، وهي عين تعيينات الماهية وعين الماهية في الخارج لاتحادهما فيه ، وعلى هذا فلا شك في مقدورية الممكن إذ جعله بجعل حصته من الوجود المطلق الموجود في الخارج مقترنة بأعراض وهيآت يقتضيها استعداد حصته من الماهية النوعية فيكون شخصاً ، وإيجاد الشخص من الماهية على الوجه المذكور عين إيجاد الماهية لأنهما متحدان في الخارج جعلا ووجوداً متمايزان في الذهن فقط ، وهذا تحقيق قولهم : المجعول هو الوجود الخاص ، ولا يستعد معدوم لعروضه إلا إذا كان له ثبوت في نفس الأمر إذ ما لا ثبوت له وهو المنفي لا اقتضاء فيه لعروض الوجود بوجه ، وإلا لكان المحال ممكناً واللازم باطل ، فالثبوت الأزلي لماهية الممكن هو المصحح لعروض الإمكان المصحح للمقدورية لا أنه المانع كما توهموه ، هذا والبحث طويل والمطلب جليل .

وقد أشبعنا الكلام عليه في «الأجوبة العراقية عن الأسئلة الإيرانية » على وجه رددنا فيه كلام المعترضين المخالفين لما تبعنا فيه ساداتنا الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم ، وهذه نبذة يسيرة تنفعك في تفسير الآية الكريمة فاحفظها فلا أظنك تجدها في تفسير ، وحيث كان الشيء عاماً لغة واصطلاحاً عند أهل الله تعالى ، وإن ذهب إليه المعتزلة أيضاً فلا بد في مثل ما نحن فيه من تخصيصه بدليل العقل بالممكن .

والقدرة عند الأشاعرة صفة ذاتية ذات إضافة تقتضي التمكن من الإيجاد والإعدام والإبقاء لا نفس التمكن لأنه أمر اعتباري ولا نفي العجز عنه تعالى لأنه من الصفات السلبية ، ولعل من اختار ذلك اختاره تقليلاً للصفات الذاتية ، أو نفياً لها والقادر هو الذي إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل ، ولكون المشيئة عندنا صفة مرجحة لأحد طرفي المقدور ، وعند الحكماء العناية الأزلية ساغ لنا أن نعرفه بما ذكر دونهم خلافاً لمن وهم فيه .

والقدير هو الفعال لما يشاء على قدر ما تقتضيه الحكمة ، وقلما يوصف به غيره تعالى ، والمقتدر إن استعمل فيه تعالى فمعناه القدير أو في البشر فمعناه المتكلف والمكتسب للقدرة ، واشتقاق القدرة من القدر بمعنى التحديد والتعيين ، وفي الآية دليل على أن الممكن الحادث حال بقائه مقدور لأنه شيء وكل شيء مقدور له تعالى ، ومعنى كونه مقدوراً أن الفاعل إن شاء أعدمه وإن شاء لم يعدمه واحتياج الممكن حال بقائه إلى المؤثر مما أجمع عليه من قال إن علة الحاجة هي الإمكان ضرورة أن الإمكان لازم له حال البقاء وأما من قال إن علة الحاجة الحدوث وحده أو مع الإمكان قال باستغنائه إذ لا حدوث حينئذ وتمسك في ذلك ببقاء البناء بعد فناء البناء ، ولما رأى بعضهم شناعة ذلك قالوا : إن الجواهر لا تخلو عن الأعراض وهي لا تبقى زمانين فلا يتصور الاستغناء عن القادر سبحانه بحال ، وهذا مما ذهب إليه الأشعري ولما فيه من مكابرة الحس ظاهراً أنكره أهل الظاهر ، نعم يسلمه العارفون من أهل الشهود وناهيك بهم حتى إنهم زادوا على ذلك فقالوا : إن الجواهر لا تبقى زمانين أيضاً والناس في لبس من خلق جديد ، وأنا أسلم ما قالوا وأفوض أمري إلى الله الذي لا يتقيد بشأن وقد كان ولا شيء معه وهو الآن على ما عليه كان ، ثم المراد من هذا التمثيل تشبيه حال المنافقين في الشدة ولباس إيمانهم المبطن بالكفر المطرز بالخداع حذر القتل بحال ذوي مطر شديد فيه ما فيه يرقعون خروق آذانهم بأصابعهم حذر الهلاك إلى آخر ما علم من أوصافهم ، ووجه الشبه وجدان ما ينفع ظاهره وفي باطنه بلاء عظيم ، وقيل : شبه سبحانه المنافقين بأصحاب الصيب ، وإيمانهم المشوب بصيب فيه ما تلي من حيث إنه وإن كان نافعاً في نفسه لكنه لما وجد كذا عاد نفعه ضراً ، ونفاقهم حذراً عن النكاية بجعل الأصابع في الآذان مما دها حذر الموت من حيث إنه لا يرد من القدر شيئاً وتحيرهم لشدة ما عنى وجهلهم بما يأتون ويذرون بأنهم كلما صادفوا من البرق خفقة انتهزوها فرصة مع خوف أن يخطف أبصارهم فخطوا يسيراً ، ثم إذا خفي بقوا متقيدين لا حراك لهم ، وقيل : جعل الإسلام الذي هو سبب المنافع في الدارين كالصيب الذي هو سبب المنفعة وما في الإسلام من الشدائد والحدود بمنزلة الظلمات والرعد وما فيه من الغنيمة والمنافع بمنزلة البرق فهم قد جعلوا أصابعهم في آذانهم من سماع شدائده وإذا لمع لهم برق غنيمة مشوا فيه وإذا أظلم عليهم بالشدائد قاموا متحيرين ، وقيل غير ذلك ، وما تقتضيه جزالة التنزيل وتستدعيه فخامة شأنه الجليل غير خفي عليك إذا لمعت بوارق العناية لديك .

ومن البطون تشبيه من ذكر في التشبيه الأول بذوي صيب فيكون قوله تعالى : { كُلَّمَا أَضَاء } الخ إشارة إلى أنهم كلما وجدوا من طاعتهم حلاوة وعرضاً عاجلاً { مَّشَوْاْ فِيهِ } وإذا حبس عليهم طريق الكرامات تركوا الطاعات ، وقال الحسين : إذا أضاء لهم مرادهم من الدنيا في الدين أكثروا من تحصيله وإذا أظلم عليهم قاموا متحيرين .


[135]:_ ومثل شاء أراد اهـ منه.
[136]:_ وقريب من هذا المعنى ما قيل في القراءة المشهورة: إن معنى –ذهب الله بسمعهم وأبصارهم- أهلكهم لأن في إهلاكهم ذهاب ذلك وهو معنى قريب بعيد اهـ منه.
[137]:_ هي بنت أبي سلمة اهـ منه.
[138]:_ ومثله قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "لو كان الإيمان بالثريا لناله رجال من فارس"، وقول علي كرم الله تعالى وجهه: لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقينا اهـ منه.
[139]:_ والإمام الغزالي لا يقول باستعمال المشترك في معنييه واستدل في قواعد العقائد بالآية على عموم علمه تعالى اهـ منه.