مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{قُلۡ مَن كَانَ عَدُوّٗا لِّـجِبۡرِيلَ فَإِنَّهُۥ نَزَّلَهُۥ عَلَىٰ قَلۡبِكَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَهُدٗى وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِينَ} (97)

قوله تعالى : { قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين } .

اعلم أن هذا النوع أيضا من أنواع قبائح اليهود ومنكرات أقوالهم وأفعالهم وفيه مسائل :

المسألة الأولى : أن قوله تعالى : { قل من كان عدوا لجبريل } لا بد له من سبب وأمر قد ظهر من اليهود حتى يأمره تعالى بأن يخاطبهم بذلك لأنه يجري مجرى المحاجة ، فإذا لم يثبت منهم في ذلك أمر لا يجوز أن يأمره الله تعالى بذلك والمفسرون ذكروا أمورا ، أحدها : أنه عليه الصلاة والسلام لما قدم المدينة أتاه عبد الله بن صوريا فقال : يا محمد كيف نومك ، فقد أخبرنا عن نوم النبي الذي يجيء في آخر الزمان ؟ فقال عليه السلام : «تنام عيناي ولا ينام قلبي » قال : صدقت يا محمد ، فأخبرني عن الولد أمن الرجل يكون أم من المرأة ؟ فقال : أما العظام والعصب والعروق فمن الرجل ، وأما اللحم والدم والظفر والشعر ، فمن المرأة فقال صدقت . فما بال الرجل يشبه أعمامه دون أخواله أو يشبه أخواله دون أعمامه ؟ فقال : أيهما غلب ماؤه ماء صاحبه كان الشبه له ، قال : صدقت فقال : أخبرني أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه وفي التوراة أن النبي الأمي يخبر عنه ؟ فقال عليه السلام : «أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضا شديدا فطال سقمه فنذر لله نذرا لئن عافاه الله من سقمه ليحرمن على نفسه أحب الطعام والشراب ، وهو لحمان الإبل وألبانها ؟ فقالوا : نعم . فقال له : بقيت خصلة واحدة إن قلتها آمنت بك ، أي ملك يأتيك بما تقول عن الله ؟ قال جبريل : قال إن ذلك عدونا ينزل بالقتال والشدة ، ورسولنا ميكائيل يأتي بالبشر والرخاء فلو كان هو الذي يأتيك آمنا بك » فقال عمر : وما مبدأ هذه العداوة ؟ فقال ابن صوريا مبدأ هذه العداوة أن الله تعالى أنزل على نبينا أن بيت المقدس سيخرب في زمان رجل يقال له : بختنصر ووصفه لنا فطلبناه فلما وجدناه بعثنا لقتله رجالا فدفع عنه جبريل وقال : إن سلطكم الله على قتله فهذا ليس هو ذاك الذي أخبر الله عنه أنه سيخرب بيت المقدس ، فلا فائدة في قتله ، ثم إنه كبر وقوى وملك وغزانا وخرب بيت المقدس وقتلنا ، فلذلك نتخذه عدوا ، وأما ميكائيل فإنه عدو جبريل فقال عمر : فإني أشهد أن من كان عدوا لجبريل فهو عدو لميكائيل وهما عدوان لمن عداهما فأنكر ذلك على عمر فأنزل الله تعالى هاتين الآيتين . وثانيها : روي أنه كان لعمر أرض بأعلى المدينة وكان ممره على مدراس اليهود وكان يجلس إليهم ويسمع كلامهم فقالوا : يا عمر قد أحببناك وإنا لنطمع فيك فقال : والله ما أجيئكم لحبكم ولا أسألكم لأني شاك في ديني وإنما أدخل عليكم لأزداد بصيرة في أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأرى آثاره في كتابكم ، ثم سألهم عن جبريل فقالوا : ذاك عدونا يطلع محمدا على أسرارنا وهو صاحب كل خسف وعذاب ، وإن ميكائيل يجيء بالخصب والسلم فقال لهم : وما منزلتهما من الله ؟ قالوا : أقرب منزلة ، جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره وميكائيل عدوا لجبريل فقال عمر : لئن كان كما تقولون فما هما بعدوين ولأنتم أكفر من الحمير ، ومن كان عدو لأحدهما كان عدوا للآخر ومن كان عدوا لهما كان عدوا الله ، ثم رجع عمر فوجد جبريل عليه السلام قد سبقه بالوحي فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «لقد وافقك ربك يا عمر » قال عمر : لقد رأيتني في دين بعد ذلك أصلب من الحجر ، وثالثها : قال مقاتل زعمت اليهود أن جبريل عليه السلام عدونا ، أمر أن يجعل النبوة فينا فجعلها في غيرنا فأنزل الله هذه الآيات .

واعلم أن الأقرب أن يكون سبب عداوتهم له أنه كان ينزل القرآن على محمد عليه السلام لأن قوله : { من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله } مشعر بأن هذا التنزيل لا ينبغي أن يكون سببا للعداوة لأنه إنما فعل ذلك بأمر الله فلا ينبغي أن يكون سببا للعداوة وتقرير هذا من وجوه ، أولها : أن الذي نزله جبريل من القرآن بشارة المطيعين بالثواب وإنذار العصاة بالعقاب والأمر بالمحاربة والمقاتلة لما لم يكن ذلك باختياره بل بأمر الله الذي يعترفون أنه لا محيص عن أمره ولا سبيل إلى مخالفته فعداوة من هذا سبيله توجب عداوة الله وعداوة الله كفر ، فيلزم أن عداوة من هذا سبيله كفر ، وثانيها : أن الله تعالى لو أمر ميكائيل بإنزال مثل هذا الكتاب فإما أن يقال : إنه كان يتمرد أو يأبى عن قبول أمر الله وذلك غير لائق بالملائكة المعصومين أو كان يقبله ويأتي به على وفق أمر الله فحينئذ يتوجه على ميكائيل ما ذكروه على جبريل عليهما السلام فما الوجه في تخصيص جبريل بالعداوة ؟ وثالثها : أن إنزال القرآن على محمد كما شق على اليهود فإنزال التوراة على موسى شق على قوم آخرين ، فإن اقتضت نفرة بعض الناس لإنزال القرآن قبحه فلتقتض نفرة أولئك المتقدمين إنزال التوراة على موسى عليه السلام قبحه ومعلوم أن كل ذلك باطل فثبت بهذه الوجوه فساد ما قالوه .

المسألة الثانية : من الناس من استبعد أن يقول قوم من اليهود : إن جبريل عدوهم قالوا : لأنا نرى اليهود في زماننا هذا مطبقين على إنكار ذلك مصرين على أن أحدا من سلفهم لم يقل بذلك ، واعلم أن هذا باطل لأن حكاية الله أصدق ، ولأن جهلهم كان شديدا وهم الذين قالوا { اجعل لنا إلها كما لهم آلهة }

المسألة الثالثة : قرأ ابن كثير : «جبريل » بفتح الجيم وكسر الراء من غير همز ، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم بفتح الجيم والراء مهموزا والباقون بكسر الجيم والراء غير مهموز بوزن قنديل وفيه سبع لغات ثلاث منها ذكرناها ، وجبرائل على وزن جبراعل وجبرائيل على وزن جبراعيل وجبرايل على وزن جبراعل وجبرين بالنون ومنع الصرف للتعريف والعجمة .

المسألة الرابعة : قال بعضهم : جبريل معناه عبد الله ، ف «جبر » عبد و«إيل » الله : وميكائيل عبد الله وهو قول ابن عباس وجماعة من أهل العلم ، قال : أبو علي السوسي : هذا لا يصح لوجهين : أحدهما : أنه لا يعرف من أسماء الله «إيل » والثاني : أنه لو كان كذلك لكان آخر الاسم مجرورا .

أما قوله تعالى : { فإنه نزله على قلبك } ففيه سؤالات :

السؤال الأول : الهاء في قوله تعالى : «فإنه » وفي قوله : «نزله » إلى ماذا يعود ؟ الجواب فيه قولان : أحدهما : أن الهاء الأولى تعود على جبريل والثانية : على القرآن وإن لم يجر له ذكر لأنه كالمعلوم كقوله : { ما ترك على ظهرها من دابة } يعني على الأرض وهذا قول ابن عباس وأكثر أهل العلم . أي إن كانت عداوتهم لأن جبريل ينزل القرآن فإنما ينزله بإذن الله . قال صاحب «الكشاف » : إضمار ما لم يسبق ذكره فيه فخامة لشأن صاحبه حيث يجعل لفرط شهرته كأنه يدل على نفسه ويكتفي عن اسمه الصريح بذكر شيء من صفاته ، وثانيهما : المعنى فإن الله نزل جبريل عليه السلام لا أنه نزل نفسه .

السؤال الثاني : القرآن : إنما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم فما السبب في قوله نزله على قلبك ؟ الجواب : هذه المسألة ذكرناها في سورة الشعراء في قوله : { نزل به الروح الأمين على قلبك } وأكثر الأمة على أنه أنزل القرآن عليه لا على قلبه إلا أنه خص القلب بالذكر لأجل أن الذي نزل به ثبت في قلبه حفظا حتى أداه إلى أمته ، فلما كان سبب تمكنه من الأداء ثباته في قلبه حفظا جاز أن يقال : نزله على قلبك وإن كان في الحقيقة نزله عليه لا على قلبه .

السؤال الثالث : كان حق الكلام أن يقال على قلبي ، والجواب : جاءت على حكاية كلام الله كما تكلم به كأنه قيل : قل ما تكلمت به من قولي ، من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك .

السؤال الرابع : كيف استقام قوله : { فإنه نزله } جزاء للشرط ؟ والجواب فيه وجهان : الأول : أنه سبحانه وتعالى بين أن هذه العداوة فاسدة لأنه ما أتى إلا أنه أمر بإنزال كتاب فيه الهداية والبشارة فأنزله ، فهو من حيث إنه مأمور وجب أن يكون معذورا ، ومن حيث إنه أتى بالهداية والبشارة يجب أن يكون مشكورا فكيف تليق به العداوة ، والثاني : أنه تعالى بين أن اليهود إن كانوا يعادونه فيحق لهم ذاك ، لأنه نزل عليك الكتاب برهانا على نبوتك ، ومصداقا لصدقك وهم يكرهون ذلك فكيف لا يبغضون من أكد عليهم الأمر الذي يكرهونه .

أما قوله تعالى : { بإذن الله } فالأظهر بأمر الله وهو أولى من تفسيره بالعلم لوجوه . ( أولها ) : أن الإذن حقيقة في الأمر مجاز في العلم واللفظ واجب الحمل على حقيقته ما أمكن . ( وثانيها ) : أن إنزاله كان من الواجبات والوجوب مستفاد من الأمر لا من العلم . ( وثالثها ) : أن ذلك الإنزال إذا كان عن أمر لازم كان أوكد في الحجة .

أما قوله تعالى : { مصدقا لما بين يديه } فمحمول على ما أجمع عليه أكثر المفسرين من أن المراد ما قبله من كتب الأنبياء ولا معنى لتخصيص كتاب دون كتاب ، ومنهم من خصه بالتوراة وزعم أنه أشار إلى أن القرآن يوافق التوراة في الدلالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم . فإن قيل : أليس أن شرائع القرآن مخالفة لشرائع سائر الكتب ، فلم صار بأن يكون مصدقا لها لكونها متوافقة في الدلالة على التوحيد ونبوة محمد أولى بأن يكون غير مصدق لها ؟ قلنا : الشرائع التي تشتمل عليها سائر الكتب كانت مقدرة بتلك الأوقات ومنتهية في هذا الوقت بناء على أن النسخ بيان انتهاء مدة العبادة ، وحينئذ لا يكون بين القرآن وبين سائر الكتب اختلاف في الشرائع .

أما قوله تعالى : { وهدى } فالمراد به أن القرآن مشتمل على أمرين . ( أحدهما ) : بيان ما وقع التكليف به من أعمال القلوب وأعمال الجوارح وهو من هذا الوجه هدى . ( وثانيهما ) : بيان أن الآتي بتلك الأعمال كيف يكون ثوابه وهو من هذا الوجه بشرى ، ولما كان الأول مقدما على الثاني في الوجود لا جرم قدم الله لفظ الهدى على لفظ البشرى ، فإن قيل : ولم خص كونه هدى وبشرى بالمؤمنين مع أنه كذلك بالنسبة إلى الكل ؟ الجواب من وجهين : الأول : أنه تعالى إنما خصهم بذلك ، لأنهم هم الذين اهتدوا بالكتاب فهو كقوله تعالى : { هدى للمتقين } . والثاني : أنه لا يكون بشرى إلا للمؤمنين ، وذلك لأن البشرى عبارة عن الخبر الدال على حصول الخير العظيم وهذا لا يحصل إلا في حق المؤمنين ، فلهذا خصهم الله به .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قُلۡ مَن كَانَ عَدُوّٗا لِّـجِبۡرِيلَ فَإِنَّهُۥ نَزَّلَهُۥ عَلَىٰ قَلۡبِكَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَهُدٗى وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِينَ} (97)

{ قُلْ مَن كَانَ عَدُوّا لِّجِبْرِيلَ } أخرج ابن أبي شيبة في «مسنده » ، وابن جرير . وابن أبي حاتم عن الشعبي ، أنه دخل عمر رضي الله تعالى عنه مدارس اليهود يوماً فسألهم عن جبريل فقالوا : ذاك عدونا ، يطلع محمداً على أسرارنا ، وأنه صاحب كل خسف وعذاب ، وميكائيل صاحب الخصب والسلام فقال : ما منزلتهما من الله تعالى ؟ قالوا : جبريل عن يمينه ، وميكائيل عن يساره وبينهما عداوة فقال : لئن كانا كما تقولون فليسا بعدوين ، ولأنتم أكفر من الحمير ، ومن كان عدواً لأحدهما فهو عدو لله . ثم رجع عمر فوجد جبريل قد سبقه بالوحي ، فقال صلى الله عليه وسلم : «لقد وافقك ربك يا عمر » قال عمر : لقد رأيتني بعد ذلك أصلب من الحجر ، وقيل : نزلت في عبد الله بن صوريا كان يهودياً من أحبار فدكَ سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن ينزل عليه فقال : «جبريل » فقال : ذاك عدونا عادانا مراراً ، وأشدها أنه أنزل على نبينا أن بيت المقدس سيخربه بخت نصر ، فبعثنا من يقتله فرآه ببابل ، فدفع عنه جبريل وقال : إن كان ربكم أمره بهلاككم فلا يسلطكم عليه ، وإلا فبم تقتلونه ؟ وصدقه الرجل المبعوث ورجع إلينا ، وكبر بختنصر وقوي/ وغزانا ، وخرّب بيت المقدس ، روى ذلك بعض الحفاظ ، وقال العراقي : لم أقف له على سند ، فلعل الأول أقوى منه وإن أوهمَ صنيع بعضهم العكس و( جبريل ) عَلَمُ مَلَك كان ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن ، وهو اسم أعجمي ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة ، وأبعدَ من ذهب إلى أنه مشتق من جبروت الله وجعله مركباً تركيب مزج من مضاف ومضاف إليه ، فمنعه من الصرف للعلمية ، والتركيب ليس بشيء لأن ما يركب هذا التركيب يجوز فيه البناء والإضافة ومنع الصرف ، فكونه لم يسمع فيه الإضافة أو البناء دليل على أنه ليس من تركيب المزج ، وقد تصرفت فيه العرب على عادتها في تغيير الأسماء الأعجمية حتى بلغت فيه إلى ثلاث عشرة لغة ، أفصحها وأشهرها ( جبريل ) كقنديل ، وهي قراءة أبي عمرو . ونافع . وابن عامر . وحفص عن عاصم . وهي لغة الحجاز ، قال ورقة بن نوفل :

( وجبريل ) يأتيه وميكال معهما *** من الله وحي يشرح الصدر منزل

الثانية : كذلك إلا أنها بفتح الجيم وهي قراءة ابن كثير والحسن وابن محيصن قال الفراء : لا أحبها لأنه ليس في الكلام فعليل وليس بشيء لأن الأعجمي إذ عربوه قد يلحقونه بأوزانهم كلجام وقد لا يحلقونه بها كإبريسم وجبريل من هذا القبيل ، مع أنه سمع سموأل لطائر ، الثالث : جبرئيل كسلسبيل ، وبها قرأ حمزة والكسائي وحماد عن أبي بكر عن عاصم ، وهي لغة قيس وتميم وكثير من أهل نجد ، وحكاها الفراء ، واختارها الزجاج ، وقال : هي أجود اللغات ، وقال حسان :

شهدنا فما يلقى لنا من كتيبة *** مدى الدهر إلا ( جبرئيل ) أمامها

الرابعة : كذلك إلا أنها بدون ياء بعد الهمزة وهي رواية يحيى بن آدم عن أبي بكر عن عاصم ، وتروى عن يحيى بن يعمر الخامسة : كذلك إلا أن اللام مشددة وهي قراءة أبان عن عاصم ، ويحيى بن يعمر أيضاً السادسة : ( جبرائل ) بألف وهمزة بعدها مكسورة بدون ياء وبها قرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وعكرمة السابعة : مثلها مع زيادة ياء بعد الهمزة الثامنة : ( جبراييل ) بياءين بعد الألف ، وبها قرأ الأعمش وابن يعمر ، ورواها الكسائي عن عاصم التاسعة : ( جبرال ) العاشرة : ( جبريل ) بالياء والقصر وهي قراءة طلحة بن مصرف الحادية عشرة : ( جبرين ) بفتح الجيم والنون الثانية عشرة : كذلك إلا أنها بكسر الجيم وهي لغة أسد الثالثة عشر : ( جبراين ) قال أبو جعفر النحاس : جمع ( جبريل ) جمع تكسير على جبارين على اللغة العالية ، واشتهر أن معناه عبد الله ، على أن جبر هو الله تعالى وإيل هو العبد ، وقيل : عكسه ، ورده بعضهم بأن المعهود في الكلام العجمي تقديم المضاف إليه على المضاف ، وفيه تأمل .

{ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ على قَلْبِكَ } جواب الشرط إما نيابة أو حقيقة والمعنى من عاداه منهم فقد خلع ربقة الإنصاف أو كفر بما معه من الكتاب بمعاداته إياه لنزوله عليك بالوحي ؛ لأنه نزل كتاباً مصدقاً للكتب المتقدمة ، أو فالسبب في عداوته أنه نزل عليك ، وليس المبتدأ على هذا الأخير محذوفاً ، وأنه نزله خبره حتى يرد أن الموضع للمفتوحة بل أن الفاء داخلة على السبب ، ووقع جزاءاً باعتبار الإعلام والإخبار بسببيته لما قبله فيؤول المعنى إلى من عاداه فأعلمكم بأن سبب عداوته كذا فهو كقولك : إن عاداك فلان فقد آذيته أي فأخبرك بأن سبب عداوتك أنك آذيته ، وقيل : الجزاء محذوف بحيث لا يكون المذكور نائباً وعنه يقدر مؤخراً عنه ويكون هو تعليلاً وبياناً لسبب العداوة والمعنى من عاداه لأنه نزله على قلبك فليمت غيظاً ، أو فهو عدوّ لي وأنا عدوه/ والقرينة على حذف الثاني الجملة المعترضة المذكورة بعده في وعيدهم ، واحتمل أن يكون { مَن كَانَ عَدُوّا } الخ استفهاماً للاستبعاد ، أو التهديد ويكون فإنه تعليل العداوة وتقييداً لها أو تعليل الأمر بالقول مما لا ينبغي أن يرتكب في القرآن العظيم ، والضمير الأول البارز لجبريل ، والثاني : للقرآن كما يشير إليه الأحوال لأنها كلها من صفات القرآن ظاهراً ، وقيل : الأول لله تعالى والثاني لجبريل أي فإن الله نزل جبريل بالقرآن على قلبك وفي كل من الوجهين إضمار يعود على ما يدل عليه السياق ، وفي ذلك من فخامة الشأن ما لا يخفى ، ولم يقل سبحانه عليك كما في قوله تعالى :

{ مَا أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ القرءان لتشقى } [ طه : 2 ] بل قال : { على قَلْبِكَ } لأنه القابل الأول للوحي إن أريد به الروح ، ومحل الفهم والحفظ إن أريد به العضو بناءً على نفي الحواس الباطنة ، وقيل : كنى بالقلب عن الجملة الإنسانية كما يكنى ببعض الشيء عن كله ، وقيل : معنى نزله على قلبك جعل { قَلْبِكَ } متصفاً بأخلاق القرآن ومتأدباً بآدابه كما في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها : «كان خلقه القرآن يرضى لرضاه ويغضب لغضبه » وكان الظاهر أن يقول على قلبي لأن القائل رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنه حكى ما قال الله تعالى له وجعل القائل كأنه الله تعالى لأنه سفير محض .

{ بِإِذْنِ الله } أي بأمره أو بعلمه وتمكينه إياه من هذه المنزلة أو باختياره ، أو بتيسيره وتسهيله ، وأصل معنى الإذن في الشيء الإعلام بإجازته والرخصة فيه فالمعاني المذكورة كلها مجازية ، والعلاقة ظاهرة ، والمنتخب كما في «المنتخب » المعنى الأول ، والمعتزلة لما لم يقولوا بالكلام النفسي وإسناد الإذن إليه تعالى باعتبار الكلام اللفظي يحتاج إلى تكلف اقتصر الزمخشري على الوجه الأخير ، والقول : إن الإذن بمعنى الأمر إن أريد بالتنزيل معناه الظاهر ، وبمعنى التيسير إن أريد به التحفظ والتفهيم مما لا وجه له .

{ مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } من الكتب الإلهية التي معظمها التوراة وانتصاب { مُصَدّقاً } على الحال من الضمير المنصوب في { نَزَّلَهُ } إن كان عائداً للقرآن وإن كان لجبريل فيحتمل وجهين ، أحدهما : أن يكون حالاً من المحذوف لفهم المعنى كما أشرنا إليه ، والثاني : أن يكون حالاً من جبريل ، والهاء إما للقرآن أو لجبريل فإنه مصدق أيضاً لما بين يديه من الرسل والكتب .

{ وَهُدًى وبشرى لِلْمُؤْمِنِينَ } معطوفان على { مُصَدّقاً } فهما حالان مثله ، والتأويل غير خفي ، وخص المؤمنين بالذكر لأنه على غيرهم عمي ، وقد دلت الآية على تعظيم جبريل والتنويه بقدره حيث جعله الواسطة بينه تعالى وبين أشرف خلقه ، والمنزل بالكتاب الجامع للأوصاف المذكورة ، ودلت على ذم اليهود حيث أبغضوا من كان بهذه المنزلة العظيمة الرفيعة عند الله تعالى ، قيل : وتعلقت الباطنية بهذه الآية وقالوا : إن القرآن إلهام والحروف عبارة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ورد عليهم بأنه معجزة ظاهرة وباطنة وإن الله تعالى سماه قرآناً وكتاباً وعربياً ، وإن جبريل نزل به والملهم لا يحتاج إليه .