مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{فَجَعَلَهُمۡ جُذَٰذًا إِلَّا كَبِيرٗا لَّهُمۡ لَعَلَّهُمۡ إِلَيۡهِ يَرۡجِعُونَ} (58)

أما قوله تعالى : { فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون } ففيه مسائل :

المسألة الأولى : إن قيل لم قال : { فجعلهم جذاذا } وهذا جمع لا يليق إلا بالناس ، جوابه : من حيث اعتقدوا فيها أنها كالناس في أنها تعظم ويتقرب إليها ، ولعل كان فيهم من يظن أنها تضر وتنفع .

المسألة الثانية : قال صاحب «الكشاف » : جذاذا قطعا من الجذ وهو القطع ، وقرئ بالكسر والفتح وقرئ جذاذا جمع جذيذ وجذذا جمع جذة .

المسألة الثالثة : إن قيل ما معنى : { إلا كبيرا لهم } قلنا : يحتمل الكبير في الخلقة ويحتمل في التعظيم ويحتمل في الأمرين .

وأما قوله : { لعلهم إليه يرجعون } فيحتمل رجوعهم إلى إبراهيم عليه السلام ، ويحتمل رجوعهم إلى الكبير . أما الأول : فتقريره من وجهين : الأول : أن المعنى أنهم لعلهم يرجعون إلى مقالة إبراهيم ويعدلون عن الباطل . والثاني : أنه غلب على ظنه أنهم لا يرجعون إلا إليه لما تسامعوه من إنكاره لدينهم وسبه لآلهتهم فبكتهم بما أجاب به من قوله : { بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم } أما إذا قلنا : الضمير راجع إلى الكبير ففيه وجهان : الأول : أن المعنى لعلهم يرجعون إليه كما يرجع إلى العالم في حل المشكلات فيقولون ما لهؤلاء مكسورة وما لك صحيحا والفأس على عاتقك . وهذا قول الكلبي ، وإنما قال ذلك بناء على كثرة جهالاتهم فلعلهم كانوا يعتقدون فيها أنها تجيب وتتكلم . والثاني : أنه عليه السلام قال ذلك مع علمه أنهم لا يرجعون إليه استهزاء بهم ، وإن قياس حال من يسجد له ويؤهل للعبادة أن يرجع إليه في حل المشكلات .

المسألة الرابعة : إن قيل أولئك الأقوام إما أن يقال إنهم كانوا عقلاء أو ما كانوا عقلاء . فإن كانوا عقلاء وجب أن يكونوا عالمين بالضرورة أن تلك الأصنام لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضر ، فأي حاجة في إثبات ذلك إلى كسرها ؟ أقصى ما في الباب أن يقال : القوم كانوا يعظمونها كما يعظم الواحد منا المصحف والمسجد والمحراب ، وكسرها لا يقدح في كونها معظمة من هذا الوجه . وإن قلنا : إنهم ما كانوا عقلاء وجب أن لا تحسن المناظرة معهم ولا بعثة الرسل إليهم . الجواب : أنهم كانوا عقلاء وكانوا عالمين بالضرورة أنها جمادات ولكن لعلهم كانوا يعتقدون فيها أنها تماثيل الكواكب وأنها طلسمات موضوعة بحيث أن كل من عبدها انتفع بها وكل من استخف بها ناله منها ضرر شديد ، ثم إن إبراهيم عليه السلام كسرها مع أنه ما ناله منها ألبتة ضرر فكان فعله دالا على فساد مذهبهم من هذا الوجه .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَجَعَلَهُمۡ جُذَٰذًا إِلَّا كَبِيرٗا لَّهُمۡ لَعَلَّهُمۡ إِلَيۡهِ يَرۡجِعُونَ} (58)

والفاء في قوله تعالى : { فَجَعَلَهُمْ } فصيحة أي فولوا فأتى إبراهيم عليه السلام الأصنام فجعلهم { جُذَاذاً } أي قطعاً فعال بمعنى مفعول من الجذ الذي هو القطع ، قال الشاعر :

بنو المهلب جذ الله دابرهم *** أمسوا رماداً فلا أصل ولا طرف

فهو كالحطام من الحطم الذي هو الكسر ، وقرأ الكسائي . وابن محيصن . وابن مقسم . وأبو حيوة . وحميد والأعمش في رواية { جُذَاذاً } بكسر الجيم ، وابن عباس . وابن نهيك . وأبو السمال { جُذَاذاً } بالفتح ، والضم قراءة الجمهور ، وهي كما روى ابن جني عن أبي حاتم لغات أجودها الضم ؛ ونص قطرب أنه في لغات أجودها الضم ؛ ونص قطرب أنه في لغاته الثلاث مصدر لا يثنى ولا يجمع ، وقال اليزيدي : جذاذاً بالضم جمع جذاذة كزجاج وزجاجة ، وقيل : بالكسر جمع جذيذ ككريم وكرام ، وقيل : هو بالفتح مصدر كالحصاد بمعنى المحصود .

وقرأ يحيى بن وثابت { جُذَاذاً } بضمتين جمع جذيذ كسرير وسرر ، وقرئ { جذذاً } بضم ففتح جمع جذة كقبة وقبب أو مخفف فعل بضمتين . روى أن آزر خرج به في عيد لهم فبدؤوا ببيت الأصنام فدخلوه فسجدوا لها ووضعوا بينها طعاماً خرجوا به معهم وقالوا إلى أن نرجع بركت الآلهة على طعامنا فذهبوا فلما كان إبراهيم عليه السلام في الطريق ثنى عزمه عن المسير معهم فقعد وقال { إني سقيم } [ الصافات : 89 ] فدخل على الأصنام وهي مصطفة وثم صنم عظيم مستقبل الباب وكان من ذهب وفي عينيه جوهرتان تضيئان بالليل فكسر الكل بفأس كان في بده ولم يبق إلا الكبير وعلق الفأس في عنقه ، وقيل : في يده وذلك قوله تعالى : { جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ } أي الأصنام كما هو الظاهر مما سيأتي إن شاء الله تعالى . وضمير العقلاء هنا وفيما مر على زعم الكفرة ، والكبر إما في لمنزلة على زعمهم أيضاً أو في الجثة ، وقال أبو حيان : يحتمل أن يكون الضمير للعبدة ، قيل : ويؤيده أنه لو كان للأصنام لقيل إلا كبيرهم { لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ } استئناف لبيان وجه الكسر واستبقاء الكبير ، وضمير { إِلَيْهِ } عند الجمهور عائد على إبراهيم عليه السلام أي لعلهم يرجعون إلى إبراهيم عليه السلام لا إلى غيره فيحاجهم ويبكتهم بما سيأتي من الجواب إن شاء الله تعالى ، وقيل : الضمير لله تعالى أي لعلهم يرجعون إلى الله تعالى وتوحيده حين يسألونه عليه السلام فيجيبهم ، ويظهر عجز آلهتهم ويعلم من هذا أن قوله سبحانه : { إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ } ليس أجنبياً في البين على هذا القول كما توهم نعم لا يخفى بعده .

وعن الكلبي أن الضمير للكبير أي لعلهم يرجعون إلى الكبير كما يرجع إلى العالم في حل المشكلات فيقولون له ما لهؤلاء مكسورة ومالك صحيحاً والفأس في عنقك أو في يدك ؟ وحينئذ يتبين لهم أنه عاجز لا ينفع ولا يضر ويظهر أنهم في عبادته على جهل عظيم ، وكأن هذا بناء على ظنه عليه السلام بهم لما جرب وذاق من مكابرتهم لعقولهم واعتقادهم في آلهتهم وتعظيمهم لها .

ويحتمل أنه عليه السلام يعلم أنهم لا يرجعون إليه لكن ذلك من باب الاستهزاء والاستجهال واعتبار حال الكبير عندهم فإن قياس حال من يسجد له ويؤهل للعبادة أن يرجع إليه في حل المشكل ، وعلى الاحتمالين لا إشكال في دخول لعل في الكلام ، ولعل هذا الوجه أسرع الأوجه تبادراً لكن جمهور المفسرين على الأول ، والجار والمجرور متعلق بيرجعون ، والتقديم للحصر على الأوجه الثلاثة على ما قيل ، وقيل : هو متعين لذلك في الوجه الأول وغير متعين له في الأخيرين بل يجوز أن يكون لأداء حق الفاصلة فتأمل .

وقد يستأنس بفعل إبراهيم عليه السلام من كسر الأصنام لمن قال من أصحابنا إنه لا ضمان على من كسر ما يعمل من الفخار مثلاً من الصور ليلعب به الصبيان ونحوهم وهو القول المشهور عند الجمهور .