ثم قال تعالى : { ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم ، ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير }
لما قال تعالى : { لله ما في السماوات والأرض } وكان ذلك موهما لتناهي ملكه لانحصار ما في السماوات وما في الأرض فيهما ، وحكم العقل الصريح بتناهيهما بين أن في قدرته وعلمه عجائب لا نهاية لها فقال : { ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام } ويكتب بها والأبحر مداد لا تفنى عجائب صنع الله ، وعلى هذا فالكلمة مفسرة بالعجيبة ، ووجهها أن العجائب بقوله كن وكن كلمة وإطلاق اسم السبب على المسبب جائز . يقول الشجاع لمن يبارزه أنا موتك ، ويقال للدواء في حق المريض هذا شفاؤك ، ودليل صحة هذا هو أن الله تعالى سمى المسيح كلمة لأنه كان أمرا عجيبا وصنعا غريبا لوجوده من غير أب ، فإن قال قائل الآية واردة في اليهود حيث قالوا الله ذكر كل شيء في التوراة ولم يبق شيء لم يذكره ، فقال الذي في التوراة بالنسبة إلى كلام الله تعالى ليس إلا قطرة من بحار وأنزل هذه الآية ، وقيل أيضا إنها نزلت في واحد قال للنبي عليه السلام إنك تقول : { وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } وتقول : { ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا } فنزلت الآية دالة على أنه خير كثير بالنسبة إلى العباد ، وبالنسبة إلى الله وعلومه قليل ، وقيل أيضا إنها نزلت ردا على الكفار حيث قالوا بأن ما يورده محمد سينفد ، فقال إنه كلام الله وهو لا ينفد . وما ذكر من أسباب النزول ينافي ما ذكرتم من التفسير ، لأنها تدل على أن المراد الكلام ، فنقول ما ذكرتم من اختلاف الأقوال فيه يدل على جواز ما ذكرنا ، لأنه إذا صلح جوابا لهذه الأشياء التي ذكرتموها وهي متباينة علم أنها عامة وما ذكرنا لا ينافي هذا ، لأن كلام الله عجيب معجز لا يقدر أحد على الإتيان بمثله ، وإذا قلنا بأن عجائب الله لا نهاية لها دخل فيها كلامه ، لا يقال إنك جعلت الكلام مخلوقا ، لأنا نقول المخلوق هو الحرف والتركيب وهو عجيب ، وأما الكلمات فهي من صفات الله تعالى واعلم أن الآية وإن كانت نازلة على ترتيب غير الذي هو مكتوب ، ولكن الترتيب المكتوب عليه القرآن بأمر الله ، فإنه بأمر الرسول كتب كذلك ، وأمر الرسول من أمر الله وذلك محقق متيقن من سنن الترتيب الذي فيه ، ثم إن الآية فيها لطائف الأولى : قال : { ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام } وحد الشجرة وجمع الأقلام ولم يقل ولو أن ما في الأرض من الأشجار أقلام ولا قال ولو أن ما في الأرض من شجرة قلم إشارة إلى التكثير ، يعني ولو أن بعدد كل شجرة أقلاما ، الثانية : قوله { والبحر يمده } تعريف البحر باللام لاستغراق الجنس وكل بحر مداد ، ثم قوله : { يمده من بعده سبعة أبحر } إشارة إلى بحار غير موجودة ، يعني لو مدت البحار الموجودة بسبعة أبحر أخر وقوله : { سبعة } ليس لانحصارها في سبعة ، وإنما الإشارة إلى المدد والكثرة ولو بألف بحر ، والسبعة خصصت بالذكر من بين الأعداد ، لأنها عدد كثير يحصر المعدودات في العادة ، والذي يدل عليه وجوه الأول : هو أن ما هو معلوم عند كل أحد لحاجته إليه هو الزمان والمكان ، لأن المكان فيه الأجسام والزمان فيه الأفعال ، لكن المكان منحصر في سبعة أقاليم والزمان في سبعة أيام ، ولأن الكواكب السيارة سبعة ، وكان المنجمون ينسبون إليها أمورا ، فصارت السبعة كالعدد الحاصر للكثرات الواقعة في العادة فاستعملت في كل كثير الثاني : هو أن الآحاد إلى العشرة وهي العقد الأول وما بعده يبتدئ من الآحاد مرة أخرى فيقال أحد عشر واثنا عشر ، ثم المئات من العشرات والألوف من المئات ، إذا علم هذا فنقول أقل ما يلتئم منه أكثر المعدودات هو الثلاثة ، لأنه يحتاج إلى طرفين مبدأ ومنتهى ووسط ، ولهذا يقال أقل ما يكون الاسم والفعل منه هو ثلاثة أحرف ، فإذا كانت الثلاثة هو القسم الأول من العشرة التي هو العدد الأصلي تبقى السبعة القسم الأكثر ، فإذا أريد بيان الكثرة ذكرت السبعة ، ولهذا فإن المعدودات في العبادات من التسبيحات في الانتقالات في الصلوات ثلاثة ، والمرار في الوضوء ثلاثة تيسيرا للأمر على المكلف اكتفاء بالقسم الأول ، إذا ثبت هذا فنقول قوله عليه السلام :
«المؤمن يأكل في معى والكافر يأكل في سبعة أمعاء » إشارة إلى قلة الأكل وكثرته من غير إرادة السبعة بخصوصها ، ويحتمل أن يقال إن لجهنم سبعة أبواب بهذا التفسير ، ثم على هذا فقولنا للجنة ثمانية أبواب إشارة إلى زيادتها فإن فيها الحسنى وزيادة فلها أبواب كثيرة وزائدة على كثرة غيرها ، والذي يدل على ما ذكرنا في السبعة أن العرب عند الثامن يزيدون واوا ، يقول الفراء إنها واو الثمانية وليس ذلك إلا للاستئناف لأن العدد بالسبعة يتم في العرف ، ثم بالثامن استئناف جديد اللطيفة الثالثة : لم يقل في الأقلام المدد لوجهين أحدهما : هو أن قوله : { ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام } بينا أن المراد منه هو أن يكون بعدد كل شجرة موجودة أقلام فتكون الأقلام أكثر من الأشجار الموجودة وقوله في البحر : { والبحر يمده سبعة أبحر } إشارة إلى أن البحر لو كان أكثر من الموجود لاستوى القلم والبحر في المعنى والثاني : هو أن النقصان بالكتابة يلحق المداد أكثر فإنه هو النافد والقلم الواحد يمكن أن يكتب به كتب كثيرة فذكر المدد في البحر الذي هو كالمداد .
ثم قال تعالى : { إن الله عزيز حكيم } لما ذكر أن ملكوته كثيرا أشار إلى ما يحقق ذلك فقال : { إنه عزيز حكيم } أي كامل القدرة فيكون له مقدورات لا نهاية لها وإلا لانتهت القدرة إلى حيث لا تصلح للإيجاد وهو حكيم كامل العلم ففي علمه ما لا نهاية له فتحقق أن البحر لو كان مدادا لما نفد ما في علمه وقدرته .
{ وَلَوْ أَنَّمَا فِى الارض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ } أي لو ثبت كون ما في الأرض من شجرة أقلاما فإن وما بعدها فاعل ثبت مقدر بقرينة كون { أن } دالة على الثبوت والتحقق وإلى هذا ذهب المبرد ، وقال سيبويه : إن ذلك مبتدأ مستغن عن الخبر لذكر المسند والمسند إليه بعده ، وقيل : مبتدأ خبره مقدر قبله ، وقال ابن عصفور : بعده : و { مَّا فِى الارض } اسم أن و { مِن شَجَرَةٍ } بيان لما أو للضمير العائد إليها في الظرف فهو في موضع الحال منها أو منه أي ولو ثبت أن الذي استقر في الأرض كائناً من شجرة ، و { أَقْلاَمٌ } خبر أن قال أبو حيان : وفيه دليل دعوى الزمخشري وبعض العجم ممن ينصر قوله : إن خبر أن الجائة بعد لو لا يكون اسما جامداً ولا اسما مشتقاً بل يجب أن يكون فعلاً وهو باطل ولسان العرب طافح بخلافه ، قال الشاعر :
ولو أنها عصفورة لحسبتها *** مسومة تدعو عبيداً وأزنماً
ما أطيب العيش لو أن الفتى حجر *** تنبو الحوادث عنه وهو ملموم
إلى غير ذلك ، وتعقب بأن اشتراط كون خبرها فعلاً إنما هو إذا كان مشتقاً فلا يرد { أَقْلاَمٌ } هنا ولا ما ذكر في البيتين ، وأما قوله تعالى : { لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ } [ الأحزاب : 20 ] فلو فيه للتمني والكلام في خبر أن الواقعة بعد لو الشرطية ، والمراد بشجرة كل شجرة والنكرة قد تعم في الإثبات إذا اقتضى المقام ذلك كما في قوله تعالى : { عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ } [ التكوير : 4 1 ] وقول ابن عباس رضي الله عنهما لبعض أهل الشام وقد سأله عن المحرم إذا قتل جرادة أيتصدق بتمرة فدية لها ؟ تمرة خير من جرادة على ما اختاره جمع ولا نسلم المنافاة بين هذا العموم وهذا التاء فكأنه قيل : ولو أن كل شجرة في الأرض أقلام الخ ، وكون كل شجرة أقلاماً باعتبار الأجزاء أو الأغصان فيؤل المعنى إلى لو أن أجراء أو أغصان كل شجرة في الأرض أقلاماً الخ ، ويحسن إرادة العموم في نحو ما نحن فيه كون الكلام الذي وقعت فيه النكرة شرطاً بلو وللشرط . مطلقاً قرب ما من النفي فما ظنك به إذا كان شرطاً بها وإن كانت هنا ليست بمعناها المشهور من انتفاء الجواب لانتفاء الشرط أو العكس بل هي دالة على ثبوت الجواب أو حرف شرط في المستقبل على ما فصل في المغنى ، واختيار { شَجَرَةٍ } على أشجار أو شجر لأن الكلام عليه أبعد عن اعتبار التوزيع بأن تكون كل شجرة من الأشجار أو الشجر قلما المخل بمقتضى المقام من المبالغة بكثرة كلماته تعالى شأنه : وفي البحر أن هذا مما وقع فيه المفرد موقع الجمع والنكرة موقع المعرفة ، ونظيره { مَا نَنسَخْ مِنْ ءايَةٍ } [ البقرة : 6 10 ] { مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ } [ فاطر : 2 ] { وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى السموات ومَا فِى والارض مِنْ دَابَّةٍ } [ النحل : 9 4 ] وقول العرب : هذا أول فارس وهذا أفضل عالم يراد من الآيات ومن الرحمات ومن الدواب وأول الفرسان وأفضل العلماء ذكر المفرد النكرة وأريد به معنى الجمع المعرف باللام وهو مهيع في كلام العرب معروف وكذلك يقدر هنا من الشجرات أو من الأشجار اه فلا تغفل .
وقال الزمخشري : إنه قال سبحانه { شَجَرَةٍ } على التوحيد دون اسم الجنس الذي هو شجر لأنه أريد تفصيل الشجر شجرة شجرة حتى لا يبقى من جنس الشجر ولا واحد إلا وقد بريت أقلاماً . وتعقب بأن إفادة المفرد التفصيل بدون تكرار غير معهود والمعهود إفادته ذلك بالتكرير نحو جاؤوني رجلاً رجلاً فتأمل ، واختيار جمع القلة في { أَقْلاَمٌ } مع أن الأنسب للمقام جمع الكثرة لأنه لم يعهد للقلم جمع سواه وقلام غير متداول فلا يحسن استعماله { والبحر } أي المحيط فأل للعهد لأنه المتبادر ولأنه الفرد للكامل إذ قد يطلق على شعبه وعلى الإنهار العظام كدجلة والفرات ، وجوز إرادة الجنس ولعل الأول أبلع { يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ } أي من بعد نفاده وقيل من ورائه { سَبْعَةُ أَبْحُرٍ } مفروضة كل منها مثله في السعة والإحاطة وكثرة الماء ، والمراد بالسبعة الكثرة بحيث تشمل المائة والألف مثلاً لا خصوص العدد المعروف كما في قوله عليه الصلاة والسلام : «المؤمن يأكل في معي واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء » واختيرت لها لأنها عدد تام كما عرفت عند الكلام في قوله تعالى : { تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ } [ البقرة : 169 ] وكثير من المعدودات التي لها شأن كالسماوات والكواكب السيارة والأقاليم الحقيقة وأيام الأسبوع إلى غير ذلك منحصر في سبع فلعل في ذكرها هنا دون سبعين المتجوز به عن الكثرة أيضاً رمزاً إلى شأن كون تلك الأبحر عظيمة ذات شأن ولما لم تكن موضوعة في الأصل لذلك بل للعدد المعروف القليل جاء تمييزها أبحر بلفظ القلة دون بحور وإن كان لا يراد به إلا الكثرة ليناسب بين اللفظين فكما تجوز في السبعة واستعملت للتكثير تجوز في أبجر واستعمل فيه أيضاً ، وكان الظاهر بعد جعل ما في الأرض من شجرة أقلام أن يقال : والبحر مداد لكن جيء بما في النظم الجليل لأن يمده يغنى عن ذكر المداد لأنه من قولك : مد الدواة وأمدها أي جعلها ذات مداد وزاد في مدادها ففيه دلالة على المداد مع ما يزيد في المبالغة وهو تصوير الإمداد المستمر حالاً بعد حال كما تؤذن به صيغة المضارع فأفاد النظم الجليل جعل البحر المحيط بمنزلة الدواة وجعل أبحر سبعة مثله مملوءة مداداً فهي تصب فيه مدادها أبداً صبا لا ينقطع ، ورفع { البحر } على ما استظهره أبو حيان فيه على الابتداء وجملة يمده خبره والواو للحال والجملة حال من الموصول أو الضمير الذي في صلته أي لو ثبت كون ما في الأرض من شجرة أقلاماً في حال كون البحر ممدوداً بسبعة أبحر ، ولا يضر خلو الجملة عن ضمير ذي الحال فإن الواو يحصل بها من الربط ما لا يتقاعد عن الضمير لدلالتها على المقارنة ، وأشار الزمخشري إلى أن هذه الجملة وما أشبهها كقوله :
وقد اغتدي والطير في وكناتها *** بمنجرد فيد الأوابد هيكل
وجئت والجيش مصطف من الأحوال التي حكمها حكم الظروف لأنها في معناها إذ معنى جئت والجيش مصطف مثلاً ومعنى جئت وقد اصطفاف الجيش واحد وحيث أن الظرف يربطه بما قبله تعلقه به وإن لم يكن فيه ضمير وهو إذا وقع حالاً استقر فيه الضمير فما يشبهه كأنه فيه ضمير مستقر ، ولا يرد عليه اعتراض أبي حيان بأن الظرف إذا وقع حالاً ففي العامل فيه ضمير ينتقل إلى الظرف ، والجملة الاسمية إذا كانت حالاً بالواو فليس فيها ضمير منتقل فكيف يقال إنها في حكم الظرف . نعم الحق أن الربط بالواو كاف عن الضمير ولا يحتاج معه إلى تكلف هذه المؤنة ، وجوز أن تكون الجملة حالاً من الأرض والعامل فيه معنى الاستقرار والرابط ما سمعت أو أل التي في { البحر } بناء على رأي الكوفيين من جواز كون أل عوضاً عن الضمير كما في قوله تعالى : { جنات عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الابواب } [ ص : 0 5 ] أي ولو ثبت كون الذي استقر في الأرض من شجرة أقلاماً حال كون بحرها ممدوداً بسبعة أبحر قال في الكشف : ولا بد أن يجعل { مِن شَجَرَةٍ } بياناً للضمير العائد إلى { مَا } لئلا يلزم الفصل بين أجزاء الصلة بالأجنبي .
و { البحر } على تقدير جعل أل فيه عوضاً عن المضاف إليه العائد إلى الأرض يحتمل أن يراد به المعهود وأن يراد به غيره ، وقال الطيبي : إن البحر على ذلك يعم جميع الأبحر لقرينة الإضافة ويفيد أن السبعة خارجة عن بحر الأرض وعلى ما سواه يحتمل الحصة المعهودة المعلومة عند المخاطب . ورد بأن لا فرق بينهما بل كون بحرها للعهد أظهر لأن العهد أصل الإضافة ولا ينافيه كون الأرض شاملة لجميع الأقطار لأن المعهود البحر المحيط وهو محيط بها كلها ، وجوز الزمخشري كون رفعه بالعطف على محل أن ومعمولها ، وجملة { يَمُدُّهُ } حال على تقدير لو ثبت كون ما في الأرض من شجرة أقلاماً وثبت البحر ممدوداً بسبعة أبحر ، وتعقب بأن الدال على الفعل المحذوف هو أن وخبره على ما قرر في بابه فإذن لا يمكن افضاء المحذوف إلى المعطوف دون ملاحظة دال وفي هذا العطف إخراج عن الملاحظة ، وأجيب بأنه يحتمل في التابع ما لا يحتمل في المتبوع ، ثم لا يخفى أن العطف على هذا من عطف المفرد على المفرد لا المفرد على الجملة كما قيل إذ الظاهر أن المعطوف عليه إنما هو المصدر الواقع فاعلاً لثبت وهو مفرد لا جملة ، وجوز أن يكون العطف على ذلك أيضاً بناء على رأي من يجعله مبتدأ ، وتعقب بأنه يلزم أن يلي لو الاسم الصريح الواقع مبتدأ إذ يصير التقدير ولو البحر وذلك على ما قال أبو حيان لا يجوز إلا في ضرورة شعر نحو قوله :
لو بغير الماء حلقي شرق *** كنت كالغصان بالماء اعتصاري
وأجيب بأنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع كما في نحو رب رجل وأخيه يقولان ذلك ، وقال بعضهم : إنه يلزم على العطف السابق أن يلي لو الاسم الصريح وهو أيضاً مخصوص بالضرورة وأجاب بما أجيب وفيه عندي تأمل ، وجوز كون الرفع على الابتداء ، وجملة { يَمُدُّهُ } خبر المبتدأ والواو واو المعية وجملة المبتدأ وخبره في موضع المفعول معه بناء على أنه يكون جملة كما نقل عن ابن عشام ولا يخفى بعده ، وجوز كون الواو على ذلك للاستئناف وهو استئناف بياني كأنه ؟ قيل : ما المداد حينئذ فقيل : والبحر الخ ، وتعقب بأن اقتران الجواب بالواو وإن كانت استئنافية غير معهود ، وما قيل : إنه يقترن بها إذا كان جواباً للسؤال على وجه المناقشة لا للاستعلام مما لا يعتمد عليه ، ومن هنا قيل : الظاهر على إرادة الاستئناف أن يكون نحوياً ، وجوز في هذا التركيب غير ما ذكر من أوجه الأعراب أيضاً .
وقرأ البصريان { والبحر } بالنصب على أنه معطوف على اسم أن و { يمده } خبر له أي ولو أن البحر ممدود بسبعة أبحر .
قال ابن الحاجب في أماليه : ولا يستقيم أن يكون { والبحر يَمُدُّهُ } حالاً لأنه يؤدي إلى تقييد المبتدأ الجامد بالحال ولا يجوز لأنها لبيان الفاعل أو المفعول والمبتدأ ليس كذلك ويؤدي أيضاً إلى كون المبتدأ لا خبر له ولا يستقيم أن يكون { أَقْلاَمٌ } خبراً له لأنه خبر الأول اه ، ولم يذكر احتمال تقدير الخبر لظهور أنه خلاف الظاهر .
وجوز أن يكون منصوباً على شرطية التفسير عطفاً على الفعل المحذوف أعني ثبت ودخول لو على المضارع جائز ، وجملة { يَمُدُّهُ } الخ حينئذ لا محل لها من الإعراب .
وقرأ عبد الله { وبحر } بالتنكير والرفع وخرج ذلك ابن جني على أنه مبتدأ وخبره محذوف أي هناك بحر يمده الخ ، والواو واو الحال لا محالة ، ولا يجوز أن يعطف على { شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ } لأن البحر وما فيه ليس من حديث الشجر والأقلام وإنما هو من حديث المداد .
وفي البحران الواو على هذه القراءة للحال أو للعطف على ما تقدم ، وإذا كانت للحال كان { بَحْرٍ } مبتدأ وسوغ الابتداء به مع كونه نكرة تقدم تلك الواو فقد عد من مسوغات الابتداء بالنكرة كما في قوله :
سرينا ونجم قد أضاء فمذ بدا *** محياك أخفى ضوءه كل شارق
اه ولا يخفى أنه إذا عطف على فاعل ثبت فجملة { يَمُدُّهُ } في موضع الصفة له لا حال منه ؛ وجوز ذلك من جوز مجيء الحال من النكرة ، والظاهر على تقدير كونه مبتدأ جعل الجملة خبره ولا حاجة إلى جعل خبره محذوفاً كما فعل ابن جنى .
وقرأ ابن مسعود . وأبي { تمده } بتاء التأنيث من مد كالذي في قراءة الجمهور . وقرأ ابن مسعود أيضاً . والحسن . وابن مصرف . وابن هرمز { والبحر يَمُدُّهُ } بضم الياء التحتية من الأمداد . قال ابن الشيخ : يمد بفتح فضم ويمد بضم فكسر لغتان بمعنى . وقرأ جعفر بن محمد رضي الله تعالى عنهما { والبحر } أي ما يكتب به من الحبر ، وقال ابن عطية : هو مصدر { مَّا نَفِدَتْ كلمات الله } جواب { لَوْ } وفي الكلام اختصار يسمى حذف إيجاز ويدل على المحذوف السياق والتقدير ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر ممدود بسبعة أبحر وكتبت بتلك الأقلام وبذلك المداد كلمات الله تعالى ما نفدت لعدم تناهيها ونفد تلك الأقلام والمداد لتناهيها ، ونظير ذلك في الاشتمال على إيجاز الحذف قوله تعالى : { أَوْ بِهِ أَذًى مّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ } [ البقرة : 196 ] أي فحلق رأسه لدفع ما به من الأذى ففدية ، والمراد بكلماته تعالى كلمات علمه سبحانه وحكمته جل شأنه وهو الذي يقتضيه سبب النزول على ما أخرج ابن جرير عن عكرمة قال : سأل أهل الكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروم فأنزل سبحانه { ويسألونك عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبّى وَمَا أُوتِيتُم مّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً } [ الإسراء : 5 8 ] فقالوا : تزعم أنا لم نؤت من العلم إلا قليلاً وقد أوتينا التوراة وهي الحكمة ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً فنزلت { وَلَوْ أَنَّ } الخ . وظاهر هذا أن اليهود قالوا : ذلك له عليه الصلاة والسلام مشافهة وهو ظاهر في أن الآية مدنية ، وقيل : إنهم أمروا وفد قريش أن يقولوا له صلى الله عليه وسلم ذلك وهذا القائل يقول : أنها مكية ، وحاصل الجواب أنه وإن كان ما أوتيتموه خيراً كثيراً لكونه حكمة إلا أنه قليل بالنسبة إلى حكمته عز وجل . وفي رواية أنه نزل بمكة قوله تعالى : { وَيَسْئَلُونَكَ } الخ فلما هاجر عليه الصلاة والسلام أتاه أحبار اليهود فقالوا بلغنا أنك تقول : { وَمَا أُوتِيتُم مّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً } أفعنيتنا أم قومك فقال صلى الله عليه وسلم :
«كلا عنيت » فقالوا : ألست تتلو فيما جاءك إن أوتينا التوراة وفيها علم كل شيء فقال عليه الصلاة والتحية : «هي في علم الله تعالى قليل وقد أتاكم ما إن عملتم به نجوتم » قالوا : يا محمد كيف تزعم هذا وأنت تقول : { وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا } [ البقرة : 9 26 ] فكيف يجتمع ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : «هذا علم قليل وخير كثير » فأنزل الله تعالى هذه الآية . وهذا نص في أن الآية مدنية ، وقيل : المراد بها مقدوراته جل وعلا وعجائبه عز وجل التي إذا أراد سبحانه شيئاً منها قال تبارك وتعالى له : { كُنْ فَيَكُونُ } ( 117 ) ومن ذلك قوله تعالى في عيسى : { وَكَلِمَتُهُ ألقاها إلى مَرْيَمَ } [ النساء : 171 ] وإطلاق الكلمات على ما ذكر من اطلاق السبب على المسبب ، وعلى هذا وجه ربط الآية بما قبلها أظهر على ما قيل وهو أنه سبحانه لما قال : { للَّهِ مَا فِى السموات والأرض } [ لقمان : 26 ] وكان موهما لتناهي ملكه جل جلاله أردف سبحانه ذلك بما هو ظاهر بعدم التناهي وهذا ما اختاره الإمام في المراد بكلماته تعالى إلا أن في انطباقه على سبب النزول خفاء ، وعن أبي مسلم المراد بها ما وعد سبحانه به أهل طاعته من الثواب وما أوعد جل شأنه به أهل معصيته من العقاب ، وكأن الآية عليه بيان لأكثرية ما لم يظهر بعد من ملكه تعالى بعد بيان كثرة ما ظهر ، وقيل : المراد بها ما هو المتبادر منها بناء على ما أخرج عبد الرزاق . وابن جرير . وابن المنذر . وغيرهم عن قتادة قال : قال المشركون إنما هذا كلام يوشك أن ينفد فنزلت { وَلَوْ أَنَّمَا فِى الارض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ } الآية ، وفي وجه ربط الآية عليه بما قبلها وكذا بما بعدها خفاء جدا إلا أنه لا يقتضي كونها مدنية ، وإيثار الجمع المؤنث السالم بناء على أنه كجمع المذكر جمع قلة لإشعاره وان اقترن بما قد يفيد معه الاستغراق والعموم من أل أو الإضافة نظراً لأصل وضعه وهو القلة بأن ذلك لا يفي بالقليل فكيف بالكثير . وقرأ الحسن . { مَّا نَفِدَتْ } بغير تاء { كَلاَمَ الله } بدل كلمات الله { أَنَّ الله عَزِيزٌ } لا يعجزه جل شأنه شيء { حَكِيمٌ } لا يخرج عن علمه تعالى وحكمته سبحانه شيء ، والجملة تعليل لعدم نفاد كلماته تبارك وتعالى .