قوله تعالى : { واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابا رحيما }
المسألة الأولى : قرأ ابن كثير { واللذان } و { هذان } مشددة النون ، والباقون بالتخفيف ، وأما أبو عمرو فإنه وافق ابن كثير في قوله : { فذانك } أما وجه التشديد قال ابن مقسم : إنما شدد ابن كثير هذه النونات لأمرين : أحدهما : الفرق بين تثنيه الأسماء المتمكنة وغير المتمكنة ، والآخر : أن «الذي وهذا » مبنيان على حرف واحد وهو الذال ، فأرادوا تقوية كل واحد منهما بأن زادوا على نونها نونا أخرى من جنسها ، وقال غيره : سبب التشديد فيها أن النون فيها ليست نون التثنية ، فأراد أن يفرق بينها وبين نون التثنيه ، وقيل زادوا النون تأكيدا ، كما زادوا اللام ، وأما تخصيص أبي عمرو التعويض في المبهمة دون الموصولة ، فيشبه أن يكون ذلك لما رأى من أن الحذف للمبهمة ألزم ، فكان استحقاقها العوض أشد .
المسألة الثانية : الذين قالوا : أن الآية الأولى في الزناة قالوا : هذه الآية أيضا في الزناة فعند هذا اختلفوا في أنه ما السبب في هذا التكرير وما الفائدة فيه ؟ وذكروا فيه وجوها : الأول : أن المراد من قوله : { واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم } المراد منه الزواني ، والمراد من قوله : { واللذان يأتيانها منكم } الزناة ، ثم إنه تعالى خص الحبس في البيت بالمرأة وخص الإيذاء بالرجل ، والسبب فيه أن المرأة إنما تقع في الزنا عند الخروج والبروز ، فإذا حبست في البيت انقطعت مادة هذه المعصية ، وأما الرجل فإنه لا يمكن حبسه في البيت ، لأنه يحتاج إلى الخروج في إصلاح معاشه وترتيب مهماته واكتساب قوت عياله ، فلا جرم جعلت عقوبة المرأة الزانية الحبس في البيت ، وجعلت عقوبة الرجل الزاني أن يؤذى ، فإذا تاب ترك إيذاؤه ، ويحتمل أيضا أن يقال إن الإيذاء كان مشتركا بين الرجل والمرأة ، والحبس كان من خواص المرأة ، فإذا تابا أزيل الإيذاء عنهما وبقي الحبس على المرأة ، وهذا أحسن الوجوه المذكورة . الثاني : قال السدي : المراد بهذه الآية البكر من الرجال والنساء ، وبالآية الأولى الثيب ، وحينئذ يظهر التفاوت بين الآيتين . قالوا : ويدل على هذا التفسير وجوه : الأول : أنه تعالى قال : { واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم } فأضافهن إلى الأزواج . والثاني : أنه سماهن نساء وهذا الاسم أليق بالثيب . والثالث : أن الأذى أخف من الحبس في البيت والأخف للبكر دون الثيب . والرابع : قال الحسن : هذه الآية نزلت قبل الآية المتقدمة والتقدير : واللذان يأتيان الفاحشة من النساء والرجال فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما . ثم نزل قوله : { فأمسكوهن في البيوت } يعني إن لم يتوبا وأصرا على هذا الفعل القبيح فأمسكوهن في البيوت إلى أن يتبين لكم أحوالهن ، وهذا القول عندي في غاية البعد ، لأنه يوجب فساد الترتيب في هذه الآيات . الخامس : ما نقلناه عن أبي مسلم أن الآية الأولى في السحاقات ، وهذه في أهل اللواط وقد تقدم تقريره . والسادس : أن يكون المراد هو أنه تعالى بين في الآية الأولى أن الشهداء على الزنا لا بد وأن يكونوا أربعة ، فبين في هذه الآية أنهم لو كانوا شاهدين فآذوهما وخوفوهما بالرفع إلى الأمام والحد ، فإن تابا قبل الرفع إلى الإمام فاتركوهما .
المسألة الثالثة : اتفقوا على أنه لا بد في تحقيق هذا الإيذاء من الإيذاء باللسان وهو التوبيخ والتعيير ، مثل أن يقال : بئس ما فعلتما ، وقد تعرضتما لعقاب الله وسخطه ، وأخرجتما أنفسكما عن اسم العدالة ، وأبطلتما عن أنفسكما أهلية الشهادة . واختلفوا في أنه هل يدخل فيه الضرب ؟ فعن ابن عباس أنه يضرب بالنعال ، والأول أولى لأن مدلول النص إنما هو الإيذاء ، وذلك حاصل بمجرد الإيذاء باللسان ، ولا يكون في النص دلالة على الضرب فلا يجوز المصير إليه .
ثم قال تعالى : { فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما } يعني فاتركوا ايذاءهما .
ثم قال : { إن الله كان توابا رحيما } معنى التواب : أنه يعود على عبده بفضله ومغفرته إذا تاب إليه من ذنبه ، وأما قوله : { كان توابا } فقد تقدم الوجه فيه .
{ واللذان يأتيانها مِنكُمْ } هما الزاني والزانية بطريق التغليب ، قاله السدي وابن زيد وابن جبير ، أراد بهما البكران اللذان لم يحصنا ، ويؤيد ذلك كون عقوبتهما أخف من الحبس المخلد ، وبذلك يندفع التكرار لكن يبقى حكم الزاني المحصن غير ظاهر . وقرأ ابن كثير { واللذان } بتشديد النون وهي لغة وليس مخصوصاً بالألف كما قيل بل يكون مع الياء أيضاً وهو عوض عن ياء الذي المحذوف إذ قياسه اللذيان والتقاء الساكنين هنا على حده كما في دابة وشابة { فَئَاذُوهُمَا } أي بعد استشهاد أربعة شهود عليهما بالإتيان ، وترك ذكر ذلك تعويلاً على ما ذكر آنفاً ، واختلف في الإيذاء على قولين : فعن ابن عباس أنه بالتعيير والضرب بالنعال ، وعن السدي وقتادة ومجاهد أنه بالتعيير والتوبيخ فقط { فَإِن تَابَا } عما فعلا من الفاحشة بسبب الإيذاء كما ينبىء عنه الفاء { وَأَصْلَحَا } أي العمل . { فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا } أي اصفحوا عنهما وكفوا عن أذاهما { إِنَّ الله كَانَ تَوَّاباً } مبالغاً في قبول التوبة { رَّحِيماً } واسع الرحمة والجملة في معرض التعليل للأمر بالإعراض ، والخطاب هنا للحكام ، وجوز أن يكون للشهود الواقفين على فعلتهما ، ويراد بالإيذاء ذمهما وتعنيفهما وتهديدهما بالرفع إلى القضاة والجر إلى الولاة وفتح باب الشر عليهما ، وبالإعراض عنهما ترك التعرض لهما بذلك ، والوجه الأول هو المشهور ، والحكم عليه منسوخ بالحد المفروض في سورة النور أيضاً عند الحسن وقتادة والسدي والضحاك وابن جبير وغيرهم ، وإلى ذلك ذهب البلخي والجبائي والطبري وقال الفراء : إن هذه الآية نسخت الآية التي قبلها ، وهذا مما لا يتمشى على القول بأن المراد بالموصول البكران كما لا يخفى ، وذهب أبو مسلم إلى أنه لا نسخ لحكم الآيتين بل الآية الأولى في السحاقات وهن النساء اللاتي يستمتع بعضهن ببعض وحدهن الحبس ، والآية الثانية في اللائطين وحدهما الإيذاء ، وأما حكم الزناة فسيأتي في سورة النور ، وزيف هذا القول بأن لم يقل به أحد ، وبأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم اختلفوا في حكم اللوطي ولم يتمسك أحد منهم بهذه الآية ، وعدم تمسكهم بها مع شدة احتياجهم إلى نص يدل على الحكم دليل على أن الآية ليست في ذلك ، وأيضاً جعل الحبس في البيت عقوبة السحاق مما لا معنى له لأنه مما لا يتوقف على الخروج كالزنا ، فلو كان المراد السحاقات لكانت العقوبة لهن اختلاط بعضهنّ ببعض لا الحبس والمنع من الخروج ، فحيث جعل هو عقوبة دل ذلك على أن المراد باللاتي يأتين الفاحشة الزانيات ، وأجاب أبو مسلم بأنه قول مجاهد وهو من أكابر المفسرين المتقدمين وقد قال غير واحد : إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك على أنه تبين في الأصول أن استنباط تأويل جديد في الآية لم يذكره المتقدمون جائز ، وبأن مطلوب الصحابة رضي الله تعالى عنهم معرفة حد اللوطي وكمية ذلك ، وليس في الآية دلالة عليه بالنفي والإثبات ، ومطلق الإيذاء لا يصلح حداً ولا بياناً للكمية فلذا اختلفوا ، وبأن المراد من إمساكهن في البيوت حبسهن فيها واتخاذها سجناً عليهن ومن حال المسجون منع من يريد الدخول عليه وعدم تمكينه من الاختلاط ، فكان الكلام في قوة فامنعوهنّ عن اختلاط بعضهن ببعض على أن الحبس المذكور حد ، وليس المقصود منه إلا الزجر والتنكيل ، وأيد مذهبه بتمحيض التأنيث في الآية الأولى والتذكير في الآية الثانية ، والتغليب خلاف الأصل ، ويبعده أيضاً لفظ منكم فإن المتبادر منه من رجالكم كما في قوله تعالى :
{ أَرْبَعةً مّنْكُمْ } [ النساء : 15 ] وأيضاً لو كان كل واحدة من الآيتين وارداً في الزنا يلزم أن يذكر الشيء الواحد في الموضع الواحد مرتين وأنه تكرير لا وجه له ، وأيضاً على هذا التقدير لا يحتاج إلى التزام النسخ في شيء من الآيتين بل يكون حكم كل واحد منهما مقرراً على حاله ، وعلى ما قاله الغير يحتاج إلى التزام القول بالنسخ وهو خلاف الأصل ، وأيضاً على ما قالوه يكون الكتاب خالياً عن بيان حكم السحاق واللواطة ، وعلى ما قلناه يكون متضمناً لذلك وهو الأنسب بحاله ، فقد قال سبحانه : { مَّا فَرَّطْنَا فِى الكتاب مِن شَىْء } [ الأنعام : 38 ] ، و { تِبْيَانًا لّكُلّ شَىْء } [ النحل : 89 ] وأجيب بأنا لا نسلم أن هذا قول لمجاهد ، ففي «مجمع البيان » أنه حمل اللذان يأتيانها على الرجلين الزانيين ، وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أنهما الفاعلان وهو ليس بنص على أنهما اللائطان على أن حمل { اللاتى } في الآية الأولى على السحاقات لم نجد فيه عنه رواية صحيحة بل قد أخرجوا عنه ما هو ظاهر في خلافه ، فقد أخرج آدم والبيهقي في «سننه » عنه في تلك الآية أنه كان أمر أن يحبس ثم نسختها { الزانية والزانى فاجلدوا } [ النور : 2 ] وما ذكر من العلاوة مسلم لكن يبعد هذا التأويل أنه لا معنى للتثنية في الآية الثانية لأن الوعد والوعيد إنما عهدا بلفظ الجمع ليعم الآحاد أو بلفظ الواحد لدلالته على الجنس ولا نكتة للعدول عن ذلك هنا على تقرير أبي مسلم بل كان المناسب عليه الجمع لتكون آية اللواطة كآية السحاق ، ولا يرد هذا على ما قرره الجمهور لأن الآية الأولى عندهم للإناث الثيبات إذا زنين ، والآية الثانية للذكر البكر والأنثى البكر إذا زنيا فغوير بين التعبيرين لقوة المغايرة بين الموردين ، ويحتمل أيضاً أن تكون المغايرة على رأيهم للإيذان بعزة وقوع زنا البكر بالنسبة إلى وقوع زنا الثيب لأن البكر من النساء تخشى الفضيحة أكثر من غيرها من جهة ظهور أثر الزنا ، وهو زوال البكارة فيها ولا كذلك الثيب ، ولا يمكن اعتبار مثل هذه النكتة في المغايرة على رأي أبي مسلم إذ لا نسلم أن وقوع اللواطة من الرجال أقل من وقوع السحاق من النساء بل لعل الأمر بالعكس ، وكون مطلوب الصحابة رضي الله تعالى عنهم معرفة حد اللوطي وكمية ذلك والإيذاء لا يصلح حداً ولا بياناً للكمية ليس بشيء كما يرشد إلى ذلك أن منهم من لم يوجب عليه شيئاً ، وقال : تؤخر عقوبته إلى الآخرة ، وبه أخذ الأئمة رضي الله تعالى عنهم على أنه أي مانع من أن يعتبر الإيذاء حداً بعد أن ذكر في معرض الحدّ وتفوض كيفيته إلى رأي الإمام فيفعل مع اللوطي ما ينزجر به مما لم يصل إلى حد القتل ؛ وكون الكلام في قوة فامنعوهن عن اختلاط بعضهن ببعض في غاية الخفاء كما لا يخفى .
نعم ما في حيز العلاوة مما لا بأس به ، وما ذكر من أن التغليب خلاف الأصل مسلم لكنه في القرآن العظيم أكثر من أن يحصى ، واعتباره في منكم تبع لاعتباره في اللذان وذكر مثله قبل بلا تغليب فيه ربما يؤيد اعتبار التغليب فيه ليغاير الأول فيكون لذكره بعده أتم فائدة ألا ترى كيف أسقط من الآية الثانية الاستشهاد مع اشتراطه إجماعاً اكتفاءاً بما ذكر في الآية الأولى لاتحاد الاستشهادين في المسألتين ، ودعوى لزوم التكرار في الموضع الواحد على رأي الجمهور ليست في محلها على ما أشرنا إليه في تفسير الآية ، ودعوى الاحتياج إلى التزام القول بالنسخ لا تضر لأن النسخ أمر مألوف في كثير من الأحكام ، وقد نص عليه هنا جماعة من الصحابة والتابعين على أن في كون فرضية الحدّ نسخاً في الآية الأولى مقالاً يعلم مما قدمناه في البقرة ، وإذا جعل { أَوْ يَجْعَلَ } [ النساء : 15 ] الخ معتبراً في الآية الثانية إلا أنه حذف منها اكتفاءاً بما في الأولى كما يشير إلى ذلك خبر عبادة بن الصامت جرى المقال في الآيتين ولزوم خلو الكتاب عن بيان حكم السحاق واللواطة على رأي الجمهور دون رأيه في حيز المنع أما على تقدير تسمية السحاق واللواطة زنا فظاهر ، وأما على تقدير عدم التسمية فلأن ذكر ما يمكن قياسهما عليه في حكم البيان لحكمهما ، وكم حكم ترك التصريح فيه في الكتاب اعتماداً على القياس كحكم النبيذ ، وكحكم الجد وغيرهما اعتماداً على بيان ما يمكن القياس عليه وذلك لا ينافي كونه تِبْيَانًا لّكُلّ شَىْء وأنه ما فرط فيه من شيء ، ومن ادعى أن جميع الأحكام الدينية مذكورة في القرآن صريحاً من غير اعتبار قياس ، فقد ارتكب شططاً وقال غلطاً ، وبالجملة المعول عليه ما ذهب إليه الجمهور ، ويد الله تعالى مع الجماعة ، ومذهب أبي مسلم وإن لم يكن من الفساد بمحل إلا أنه لم يعوّل عليه ولم تحط رحال القبول لديه ، وهذا ما عندي في تحقيق المقام وبالله سبحانه الاعتصام .