قوله تعالى : { وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب * أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب } .
اعلم أنه تعالى لما وصف فرعون بكونه متكبرا جبارا بين أنه أبلغ في البلادة والحماقة إلى أن قصد الصعود إلى السموات ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : احتج الجمع الكثير من المشبة بهذه الآية في إثبات أن الله في السموات وقرروا ذلك من وجوه : ( الأول ) أن فرعون كان من المنكرين لوجود الله ، وكل ما يذكره في صفات الله تعالى فذلك إنما يذكره لأجل أنه سمع أن موسى يصف الله بذلك ، فهو أيضا يذكره كما سمعه ، فلولا أنه سمع موسى يصف الله بأنه موجود في السماء وإلا لما طلبه في السماء ، ( الوجه الثاني ) أنه قال وإني لأظنه كاذبا ، ولم يبين أنه كاذب فيماذا ، والمذكور السابق متعين لصرف الكلام إليه فكأن التقدير فأطلع إلى الإله الذي يزعم موسى أنه موجود في السماء ، ثم قال : { وإني لأظنه كاذبا } أي وإني لأظن موسى كاذبا في إدعائه أن الإله موجود في السماء ، وذلك يدل على أن دين موسى هو أن الإله موجود في السماء ، ( الوجه الثالث ) العلم بأنه لو وجد إله لكان موجودا في السماء علم بديهي متقرر في كل العقول ولذلك فإن الصبيان إذا تضرعوا إلى الله رفعوا وجوههم وأيديهم إلى السماء ، وإن فرعون مع نهاية كفره لما طلب الإله فقد طلبه في السماء ، وهذا يدل على أن العلم بأن الإله موجود في السماء علم متقرر في عقل الصديق والزنديق والملحد والموحد والعالم والجاهل .
فهذا جملة استدلالات المشبهة بهذه الآية ، والجواب : أن هؤلاء الجهال يكفيهم في كمال الخزي والضلال أن جعلوا قول فرعون اللعين حجة لهم على صحة دينهم ، وأما موسى عليه السلام فإنه لم يزد في تعريف إله العالم على ذكر صفة الخلاقية فقال في سورة طه { ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى } وقال في سورة الشعراء { ربكم ورب ءابائكم الأولين * رب المشرق والمغرب وما بينهما } فظهر أن تعريف ذات الله بكونه في السماء دين فرعون وتعريفه بالخلاقية والموجودية دين موسى ، فمن قال بالأول كان على دين فرعون ، ومن قال بالثاني كان على دين موسى ، ثم نقول لا نسلم أن كل ما يقوله فرعون في صفات الله تعالى فذلك قد سمعه من موسى عليه السلام ، بل لعله كان على دين المشبهة فكان يعتقد أن الإله لو كان موجودا لكان حاصلا في السماء ، فهو إنما ذكر هذا الاعتقاد من قبل نفسه لا لأجل أنه قد سمعه من موسى عليه السلام .
وأما قوله { وإني لأظنه كاذبا } فنقول لعله لما سمع موسى عليه السلام قال : { رب السموات والأرض } ظن أنه عنى به أنه رب السموات ، كما يقال للواحد منا إنه رب الدار بمعنى كونه ساكنا فيه ، فلما غلب على ظنه ذلك حكى عنه ، وهذا ليس بمستبعد ، فإن فرعون كان بلغ في الجهل والحماقة إلى حيث لا يبعد نسبة هذا الخيال إليه ، فإن استبعد الخصم نسبة هذا الخيال إليه كان ذلك لائقا بهم ، لأنهم لما كانوا على دين فرعون وجب عليهم تعظيمه . وأما قوله إن فطرة فرعون شهدت بأن الإله لو كان موجودا لكان في السماء ، قلنا نحن لا ننكر أن فطرة أكثر الناس تخيل إليهم صحة ذلك لاسيما من بلغ في الحماقة إلى درجة فرعون فثبت أن هذا الكلام ساقط .
المسألة الثانية : اختلف الناس في أن فرعون هل قصد بناء الصرح ليصعد منه إلى السماء أم لا ؟ أما الظاهريون من المفسرين فقد قطعوا بذلك ، وذكروا حكاية طويلة في كيفية بناء ذلك الصرح ، والذي عندي أنه بعيد والدليل عليه أن يقال فرعون لا يخلو إما أن يقال إنه كان من المجانين أو كان من العقلاء ، فإن قلنا إنه كان من المجانين لم يجز من الله تعالى إرسال الرسول إليه ، لأن العقل شرط في التكليف ، ولم يجز من الله أن يذكر حكاية كلام مجنون في القرآن ، وأما إن قلنا إنه كان من العقلاء فنقول إن كل عاقل يعلم ببديهة عقله أنه يتعذر في قدرة البشر وضع بناء يكون أرفع من الجبل العالي ، ويعلم أيضا ببديهة عقله أنه لا يتفاوت في البصر حال السماء بين أن ينظر إليه من أسفل الجبال وبين أن ينظر إليه من أعلى الجبال ، وإذا كان هذا العلمان بديهيين امتنع أن يقصد العاقل وضع بناء يصعد منه إلى السماء ، وإذا كان فساد هذا معلوما بالضرورة امتنع إسناده إلى فرعون ، والذي عندي في تفسير هذه الآية أن فرعون كان من الدهرية وغرضه من ذكر هذا الكلام إيراد شبهة في نفي الصانع وتقريره أنه قال : إنا لا نرى شيئا نحكم عليه بأنه إله العالم فلم يجز إثبات هذا الإله ، أما إنه لا نراه فلأنه لو كان موجودا لكان في السماء ونحن لا سبيل لنا إلى صعود السموات فكيف يمكننا أن نراه ، ثم إنه لأجل المبالغة في بيان أنه لا يمكنه صعود السموات { قال يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب } والمقصود أنه لما عرف كل أحد أن هذا الطريق ممتنع كان الوصول إلى معرفة وجود الله بطريق الحس ممتنعا ، ونظيره قوله تعالى : { فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية } وليس المراد منه أن محمدا صلى الله عليه وسلم طلب نفقا في الأرض أو وضع سلما إلى السماء ، بل المعنى أنه لما عرف أن هذا المعنى ممتنع فقد عرف أنه لا سبيل لك إلى تحصيل ذلك المقصود ، فكذا هاهنا غرض فرعون من قوله { يا هامان ابن لي صرحا } يعني أن الاطلاع على إله موسى لما كان لا سبيل إليه إلا بهذا الطريق وكان هذا الطريق ممتنعا ، فحينئذ يظهر منه أنه لا سبيل إلى معرفة الإله الذي يثبته موسى فنقول هذا ما حصلته في هذا الباب .
واعلم أن هذه الشبهة فاسدة لأن طرق العلم ثلاثة الحس والخبر والنظر ، ولا يلزم من انتفاء طريق واحد وهو الحس انتفاء المطلوب ، وذلك لأن موسى عليه السلام كان قد بين لفرعون أن الطريق في معرفة الله تعالى إنما هو الحجة والدليل كما قال : { ربكم ورب ءابائكم الأولين * رب المشرق والمغرب } إلا أن فرعون لخبثه ومكره تغافل عن ذلك الدليل ، وألقى إلى الجهال أنه لما كان لا طريق إلا الإحساس بهذا الإله وجب نفيه ، فهذا ما عندي في هذا الباب وبالله التوفيق والعصمة .
المسألة الثالثة : ذهب قوم إلى أنه تعالى خلق جواهر الأفلاك وحركاتها بحيث تكون هي الأسباب لحدوث الحوادث في هذا العالم الأسفل ، واحتجوا بقوله تعالى : { لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات } ومعلوم أنها ليست أسبابا إلا لحوادث هذا العالم قالوا ويؤكد هذا بقوله تعالى في سورة ص { فليرتقوا في الأسباب } أما المفسرون فقد ذكروا في تفسير قوله تعالى : { لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات } أن المراد بأسباب السماوات طرقها وأبوابها وما يؤدي إليها ، وكل ما أداك إلى شيء فهو سبب كالرشاد ونحوه .
المسألة الرابعة : قالت اليهود أطبق الباحثون عن تواريخ بني إسرائيل وفرعون أن هامان ما كان موجودا البتة في زمان موسى وفرعون وإنما جاء بعدهما بزمان مديد ودهر داهر ، فالقول بأن هامان كان موجودا في زمان فرعون خطأ في التاريخ ، وليس لقائل أن يقول إن وجود شخص يسمى بهامان بعد زمان فرعون لا يمنع من وجود شخص آخر يسمى بهذا الاسم في زمانه ، قالوا لأن هذا الشخص المسمى بهامان الذي كان موجودا في زمان فرعون ما كان شخصا خسيسا في حضرة فرعون بل كان كالوزير له ، ومثل هذا الشخص لا يكون مجهول الوصف والحلية فلو كان موجودا لعرف حاله ، وحيث أطبق الباحثون عن أحوال فرعون وموسى أن الشخص المسمى بهامان ما كان موجودا في زمان فرعون وإنما جاء بعده بأدوار علم أن غلط وقع في التواريخ ، قالوا ونظير هذا أنا نعرف في دين الإسلام أن أبا حنيفة إنما جاء بعد محمد صلى الله عليه وسلم فلو أن قائلا ادعى أن أبا حنيفة كان موجودا في زمان محمد عليه السلام وزعم أنه شخص آخر سوى الأول وهو يسمى بأبي حنيفة ، فإن أصحاب التواريخ يقطعون بخطئه فكذا هاهنا والجواب : أن تواريخ موسى وفرعون قد طال العهد بها واضطربت الأحوال والأدوار فلم يبق على كلام أهل التواريخ اعتماد في هذا الباب ، فكان الأخذ بقول الله تعالى أولى بخلاف حال رسولنا مع أبي حنيفة فإن هذه التواريخ قريبة غير مضطربة بل هي مضبوطة فظهر الفرق بين البابين ، فهذا جملة ما يتعلق بالمباحث المعنوية في هذه الآية ، وبقي ما يتعلق بالمباحث اللفظية .
قيل الصرح البناء الظاهر لا يخفى على الناظر وإن بعد ، اشتقوه من صرح الشيء إذ ظهر و{ أسباب السموات } طرقها ، فإن قيل ما فائدة هذا التكرير . ولو قيل : لعلي أبلغ الأسباب السموات ، كان كافيا ؟ أجاب صاحب «الكشاف » عنه فقال : إذا أبهم الشيء ثم أوضح كان تفخيما لشأنه ، فلما أراد تفخيم أسباب السموات أبهمها ثم أوضحها ، وقوله { فأطلع إلى إله موسى } قرأ حفص عن عاصم { فأطلع } بفتح العين والباقون بالرفع ، قال المبرد : من رفع فقد عطفه على قوله { أبلغ } والتقدير لعلي أبلغ الأسباب ثم أطلع إلا أن حرف ثم أشد تراخيا من الفاء ، ومن نصب جعله جوابا ، والمعنى { لعلي أبلغ الأسباب } فمتى بلغتها أطلع والمعنى مختلف ، لأن الأول لعلي أطلع والثاني لعلي أبلغ وأنا ضامر أني متى بلغت فلا بد وأن أطلع .
واعلم أنه تعالى لما حكى عن فرعون هذه القصة قال بعدها { وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة والكسائي { وصد } بضم الصاد ، قال أبو عبيدة : وبه يقرأ ، لأن ما قبله فعل مبني للمفعول به فجعل ما عطف عليه مثله ، والباقون { وصد } بفتح الصاد على أنه منع الناس عن الإيمان ، قالوا ومن صده قوله { لأقطعن أيديكم وأرجلكم } ويؤيد هذه القراءة قوله { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله } وقوله { هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام } .
المسألة الثانية : قوله تعالى : { زين } لا بد له من المزين ، فقالت المعتزلة : إنه الشيطان ، فقيل لهم إن كان المزين لفرعون هو الشيطان ، فالمزين للشيطان إن كان شيطانا آخر لزم إثبات التسلسل في الشياطين أو الدور وهو محال ، ولما بطل ذلك وجب انتهاء الأسباب والمسببات في درجات الحاجات إلى واجب الوجود ، وأيضا فقوله { زين } يدل على أن الشيء إن لم يكن في اعتقاد الفاعل موصوفا بأنه خير وزينة وحسن فإنه لا يقدم عليه ، إلا أن ذلك الاعتقاد إن كان صوابا فهو العلم ، وإن كان خطأ فهو الجهل ، ففاعل ذلك الجهل ليس هو ذلك الإنسان ، لأن العاقل لا يقصد تحصيل الجهل لنفسه ، ولأنه إنما يقصد تحصيل الجهل لنفسه إذا عرف كونه جهلا ، ومتى عرف كونه جهلا امتنع بقاؤه جاهلا ، فثبت أن فاعل ذلك الجهل ليس هو ذلك الإنسان ، ولا يجوز أن يكون فاعله هو الشيطان ، لأن البحث الأول بعينه عائد فيه ، فلم يبق إلا أن يكون فاعله هو الله تعالى ، والله أعلم . ويقوي ما قلناه أن صاحب «الكشاف » نقل أنه قرئ { وزين له سوء عمله } على البناء للفاعل والفعل لله عز وجل ، ويدل عليه قوله { إلى إله موسى } .
ثم قال تعالى : { وما كيد فرعون إلا في تباب } والتباب الهلاك والخسران ، ونظيره قوله تعالى : { وما زادوهم غير تتبيب } وقوله تعالى : { تبت يدا أبى لهب } ، والله أعلم .
{ أسباب السموات } بيان لها ، وفي إبهامها ثم إيضاحها تفخيم لشأنها وتشويق للسامه إلى معرفتها .
{ فَأَطَّلِعَ إلى إله موسى } بالنصب على جواب الترجى عند الكوفيين فإنهم يجوزون النصب بعد الفاء في جواب الترجى كالتمني ؛ ومنع ذلك البصريون وخرجوا النصب هنا على أنه في جواب الأمر وهو { ابن } كما في قوله
: يا ناق سيري عنقا فسيحا *** إلى سليمان فنستريحا
وجوز أن يكون بالعطف على خبر لعلي بتوهم أن فيه لأنه كثيراً ما جاءنا مقرورنا بها أو على { الاسباب } على حد
. ولبس عباءة وتقر عيني *** وقال بعض : إن هذا الترجي تمن في الحقيقة لكن أخرجه اللعين هذا المخرج تمويهاً على سامعيه فكان النصب في جواب التمني ، والظاهر أن البصريين لا يفرقون بين ترج وترج . وقرأ الجمهور بالرفع عطفاً على { أَبْلُغُ } [ غافر : 36 ] قيل : ولعله أراد أن يبني له رصداً في موضع عال يرصد منه أحوال الكواكب التي هي أسباب سماوية تدل على الحوادث الأرضية فيرى هل فيها ما يدل على إرسال الله تعالى إياه ، وهذا يدل على أنه مقر بالله عز وجل وإنما طلب ما يزيل شكه في الرسالة ، وكان للعين وأهل عصره اعتناء بالنجوم وأحكامها على ما قيل .
وهذا الاحتمال في غاية البعد عندي ، وقيل : أراد أن يعلم الناس بفساد قول موسى عليه السلام : إني رسول من رب السماوات بأنه إن كان رسولاً منه فهو ممن يصل إليه وذلك بالصعود للسماء وهو محال فما بني عليه مثله ، ومنشأ ذلك جهله بالله تعالى وظنه أنه سبحانه مستقر في السماء وان رسله كرسل الملوك يلاقونه ويصلون إلى مقره ، وهو عز وجل منزه عن صفات المحدثات والأجسام ولا تحتاج إلى ما تحتاج إليه رسل الملوك رسله الكرام عليهم الصلاة والسلام ، وهذا نفي لرسالته من الله تعالى ولا تعرض فيه لنفي الصانع المرسل له ، وقال الإمام : الذي عندي في تفسبر الآية أن فرعون كان من الدهرية وغرضه من هذا الكلام إيراد شبهة في نفسي الصانع وتقريره أنه قال : إنا لا نرى شيئاً نحكم عليه بأنه إله العالم فلم يجزا إثبات هذا الإله ، أما أنا لا نراه فلأنه لو كان موجوداً لكان في السماء ونحن لا سبيل لنا إلى صعود السماوات فكيف يمكننا أن نراه ، وللمبالغة في بيان عدم الإمكان قال : { ياهامان ابن لِى صَرْحاً } [ غافر : 36 ] فما هو ألا لاظهار عدم إمكان ما ذكر لكل أحد ، ولعل لا تأبى ذلك لأنها للتهكم على هذا وهي شبهة في غاية الفساد إذ لا يلزم من انتفاء أحد طرق العلم بالشيء انتفاء ذلك الشيء ، ورأيت لبعض السلفيين إن اللعين ما قال ذلك إلا لأنه سمع من موسى عليه السلام أو من أحد من المؤمنين وصف الله تعالى بالعلو أو بأنه سبحانه في السماء فحمله على معنى مستحيل في حقه تعالى لم يرده موسى عليه السلام ولا أحد من المؤمنين فقال ما قال تهكماً وتمويهاً على قومه ، وللإمام في هذا المقام كلام رد به على القائلين بأن الله تعالى في السماء ورد احتجاجهم بما أشعرت به الآية على ذلك وسماهم المشبهة ، والبحث في ذلك طويل المجال والحق مع السلف عليهم رحمة الملك المتعال وحاشاهم ثم حاشاهم من التشبيه ، وقوله : { وَإِنّى لاَظُنُّهُ كاذبا } يحتمل أن يكون عني به كاذباً في دعوى الرسالة وأن يكون عني به كاذباً في دعوىأن له إلهاً غيري لقوله : { مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إله غَيْرِى } [ القصص : 38 ]
وكذلك } أي ومثل ذلك التزيين البليغ المفرط { زُيّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوء عَمَلِهِ } فانهمك فيه انهماكا لا يرعوى عنه بحال { وَصُدَّ عَنِ السبيل } أي عن سبيل الرشاد ، فالتعريف للعهد والفعلان مبنيان للمفعول والفاعل في الحقيقة هو الله تعالى ، ولم يفعل سبحانه كلا من التزيين والصد إلا لأن فرعون طلبه بلسان استعداده واقتضى ذلك سوء اختياره ؛ ويدل على هذا أنه قرئ { زُيّنَ } مبنياً للفاعل ولم يسبق سوى ذكره تعالى دون الشيطان .
وجوز أن يكون الفاعل الشيطان ونسبة الفعل إليه بواسطة الوسوسة ، وقرأ الحجازيان . والشامي . وأبو عمرو { وَصُدَّ } بالبناء للفاعل وهو ضمير فرعون على أن المعنى وصد فرعون الناس عن سبيل الرشاد بأمثال هذه التمويهات والشبهات ، ويؤيده { وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِى تَبَابٍ } أي في خسار لأنه يشعر بتقدم ذكر للكيد وهو في هذه القراءة أظهر ، وقرأ ابن وثاب { وَصُدَّ } بكسر الصاد أصله صدد نقلت الحركة إلى الصاد بعد توهم حذفها ، وابن أبي إسحق . وعبد الرحمن بن أبي بكرة { وَصُدَّ } بفتح الصاد وضم الدال منونة عطفاً على { سُوء عَمَلِهِ } ، وقرئ { وَصُدُّواْ } بواو الجمع أي هو وقومه .