قوله تعالى : { الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون }
اعلم أنه تعالى لما بين أن من صفة من تكتب له الرحمة في الدنيا والآخرة التقوى وإيتاء الزكاة والإيمان بالآيات ، ضم إلى ذلك أن يكون من صفته اتباع { النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل } واختلفوا في ذلك فقال بعضهم : المراد بذلك أن يتبعوه باعتقاد نبوته من حيث وجدوا صفته في التوراة ، إذ لا يجوز أن يتبعوه في شرائعه قبل أن يبعث إلى الخلق ، وقال في قوله : { والإنجيل } أن المراد سيجدونه مكتوبا في الإنجيل ، لأن من المحال أن يجدوه فيه قبل ما أنزل الله الإنجيل ، وقال بعضهم : بل المراد من لحق من بني إسرائيل أيام الرسول فبين تعالى أن هؤلاء اللاحقين لا يكتب لهم رحمة الآخرة إلا إذا اتبعوا الرسول النبي الأمي . والقول الثاني أقرب ، لأن اتباعه قبل أن بعث ووجد لا يمكن . فكأنه تعالى بين بهذه الآية أن هذه الرحمة لا يفوز بها من بني إسرائيل إلا من اتقى وآتى الزكاة وآمن بالدلائل في زمن موسى ، ومن هذه صفته في أيام الرسول إذا كان مع ذلك متبعا للنبي الأمي في شرائعه .
إذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى وصف محمدا صلى الله عليه وسلم في هذه الآية بصفات تسع .
الصفة الأولى : كونه رسولا ، وقد اختص هذا اللفظ بحسب العرف بمن أرسله الله إلى الخلق لتبليغ التكاليف .
الصفة الثانية : كونه نبيا ، وهو يدل على كونه رفيع القدر عند الله تعالى .
الصفة الثالثة : كونه أميا . قال الزجاج : معنى { الأمي } الذي هو على صفة أمة العرب . قال عليه الصلاة والسلام : «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب » فالعرب أكثرهم ما كانوا يكتبون ولا يقرؤون والنبي عليه الصلاة والسلام كان كذلك ، فلهذا السبب وصفه بكونه أميا . قال أهل التحقيق وكونه أميا بهذا التفسير كان من جملة معجزاته وبيانه من وجوه : الأول : أنه عليه الصلاة والسلام كان يقرأ عليهم كتاب الله تعالى منظوما مرة بعد أخرى من غير تبديل ألفاظه ولا تغيير كلماته والخطيب من العرب إذا ارتجل خطبة ثم أعادها فإنه لا بد وأن يزيد فيها وأن ينقص عنها بالقليل والكثير ، ثم إنه عليه الصلاة والسلام مع أنه ما كان يكتب وما كان يقرأ يتلو كتاب الله من غير زيادة ولا نقصان ولا تغيير . فكان ذلك من المعجزات وإليه الإشارة بقوله تعالى : { سنقرئك فلا تنسى } والثاني : أنه لو كان يحسن الخط والقراءة لصار متهما في أنه ربما طالع كتب الأولين فحصل هذه العلوم من تلك المطالعة فلما أتى بهذا القرآن العظيم المشتمل على العلوم الكثيرة من غير تعلم ولا مطالعة ، كان ذلك من المعجزات وهذا هو المراد من قوله : { وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون } الثالث : أن تعلم الخط شيء سهل فإن أقل الناس ذكاء وفطنة يتعلمون الخط بأدنى سعى ، فعدم تعلمه يدل على نقصان عظيم في الفهم ، ثم إنه تعالى آتاه علوم الأولين والآخرين وأعطاه من العلوم والحقائق ما لم يصل إليه أحد من البشر ، ومع تلك القوة العظيمة في العقل والفهم جعله بحيث لم يتعلم الخط الذي يسهل تعلمه على أقل الخلق عقلا وفهما ، فكان الجمع بين هاتين الحالتين المتضادتين جاريا مجرى الجمع بين الضدين وذلك من الأمور الخارقة للعادة وجار مجرى المعجزات .
الصفة الرابعة : قوله تعالى : { الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل } وهذا يدل على أن نعته وصحة نبوته مكتوب في التوراة والإنجيل ، لأن ذلك لو لم يكن مكتوبا لكان ذكر هذا الكلام من أعظم المنفرات لليهود والنصارى عن قبول قوله ، لأن الإصرار على الكذب والبهتان من أعظم المنفرات ، والعاقل لا يسعى فيما يوجب نقصان حاله ، وينفر الناس عن قبول قوله : فلما قال ذلك دل هذا على أن ذلك النعت كان مذكورا في التوراة والإنجيل وذلك من أعظم الدلائل على صحة نبوته .
الصفة الخامسة : قوله : { يأمرهم بالمعروف } قال الزجاج : يجوز أن يكون قوله : { يأمرهم بالمعروف } استئنافا ، ويجوز أن يكون المعنى { يجدونه مكتوبا عندهم } أنه { يأمرهم بالمعروف } وأقول مجامع الأمر بالمعروف محصورة في قوله عليه الصلاة والسلام : «التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله » وذلك لأن الموجود إما واجب الوجود لذاته وإما ممكن الوجود لذاته . أما الواجب لذاته فهو الله جل جلاله ، ولا معروف أشرف من تعظيمه وإظهار عبوديته وإظهار الخضوع والخشوع على باب عزته والاعتراف بكونه موصوفا بصفات الكمال مبرأ عن النقائص والآفات منزها عن الأضداد والأنداد ، وأما الممكن لذاته فإن لم يكن حيوانا ، فلا سبيل إلى إيصال الخير إليه لأن الانتفاع مشروط بالحياة ، ومع هذا فإنه يجب النظر إلى كلها بعين التعظيم من حيث أنها مخلوقة لله تعالى ، ومن حيث أن كل ذرة من ذرات المخلوقات لما كانت دليلا قاهرا وبرهانا باهرا على توحيده وتنزيهه فإنه يجب النظر إليه بعين الاحترام . ومن حيث أن الله تعالى في كل ذرة من ذرات المخلوقات أسرارا عجيبة وحكما خفية فيجب النظر إليها بعين الاحترام ، وأما إن كان ذلك المخلوق من جنس الحيوان فإنه يجب إظهار الشفقة عليه بأقصى ما يقدر الإنسان عليه ، ويدخل فيه بر الوالدين وصلة الأرحام وبث المعروف فثبت أن قوله عليه الصلاة والسلام : «التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله » كلمة جامعة لجميع جهات الأمر بالمعروف .
الصفة السادسة : قوله : { وينهاهم عن المنكر } والمراد منه أضداد الأمور المذكورة وهي عبادة الأوثان ، والقول في صفات الله بغير علم ، والكفر بما أنزل الله على النبيين ، وقطع الرحم ، وعقوق الوالدين .
الصفة السابعة : قوله تعالى : { ويحل لهم الطيبات } من الناس من قال : المراد بالطيبات الأشياء التي حكم الله بحلها وهذا بعيد لوجهين : الأول : أن على هذا التقدير تصير الآية ويحل لهم المحللات وهذا محض التكرير . الثاني : أن على هذا التقدير تخرج الآية عن الفائدة ، لأنا لا ندري أن الأشياء التي أحلها الله ما هي وكم هي ؟ بل الواجب أن يكون المراد من الطيبات الأشياء المستطابة بحسب الطبع وذلك لأن تناولها يفيد اللذة ، والأصل في المنافع الحل فكانت هذه الآية دالة على أن الأصل في كل ما تستطيبه النفس ويستلذه الطبع الحل إلا لدليل منفصل .
الصفة الثامنة : قوله تعالى : { ويحرم عليهم الخبائث } قال عطاء عن ابن عباس ، يريد الميتة والدم وما ذكر في سورة المائدة إلى قوله : { ذلكم فسق } وأقول : كل ما يستخبثه الطبع وتستقذره النفس كان تناوله سببا للألم ، والأصل في المضار الحرمة ، فكان مقتضاه أن كل ما يستخبثه الطبع فالأصل فيه الحرمة إلا لدليل منفصل . وعلى هذا الأصل : فرع الشافعي رحمه الله تحريم بيع الكلب ، لأنه روى عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب الصحيحين أنه قال : ( الكلب خبيث ، وخبيث ثمنه ) وإذا ثبت أن ثمنه خبيث وجب أن يكون حراما لقوله تعالى : { ويحرم عليهم الخبائث } وأيضا الخمر محرمة لأنها رجس بدليل قوله : { إنما الخمر والميسر } إلى قوله : { رجس } والرجس خبيث بدليل إطباق أهل اللغة عليه ، والخبيث حرام لقوله تعالى : { ويحرم عليهم الخبائث } .
الصفة التاسعة : قوله تعالى : { ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : قرأ ابن عامر وحده ( آصارهم ) على الجمع ، والباقون { إصرهم } على الواحد . قال أبو علي الفارسي : الإصر مصدر يقع على الكثرة مع إفراد لفظه يدل على ذلك إضافته ، وهو مفرد إلى الكثرة ، كما قال : { ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم } ومن جمع ، أراد ضروبا من العهود مختلفة ، والمصادر قد تجمع إذا اختلفت ضروبها كما في قوله : { وتظنون بالله الظنونا } .
المسألة الثانية : الإصر الثقل الذي يأصر صاحبه ، أي يحبسه من الحراك لثقله ، والمراد منه : أن شريعة موسى عليه السلام كانت شديدة . وقوله : { والأغلال التي كانت عليهم } المراد منه : الشدائد التي كانت في عباداتهم كقطع أثر البول ، وقتل النفس في التوبة ، وقطع الأعضاء الخاطئة ، وتتبع العروق من اللحم وجعلها الله أغلالا ، لأن التحريم يمنع من الفعل ، كما أن الغل يمنع عن الفعل ، وقيل : كانت بنو إسرائيل إذا قامت إلى الصلاة لبسوا المسوح ، وغلوا أيديهم إلى أعناقهم تواضعا لله تعالى ، فعلى هذا القول الأغلال غير مستعارة .
واعلم أن هذه الآية تدل على أن الأصل في المضار أن لا تكون مشروعة ، لأن كل ما كان ضررا كان إصرا وغلا ، وظاهر هذا النص يقتضي عدم المشروعية ، وهذا نظير لقوله عليه الصلاة والسلام : " لا ضرر ولا ضرار " في الإسلام ، ولقوله عليه الصلاة والسلام : " بعثت بالحنيفية السهلة السمحة " وهو أصل كبير في الشريعة .
واعلم أنه لما وصف محمدا عليه الصلاة والسلام بهذه الصفات التسع . قال بعده : { فالذين آمنوا به } قال ابن عباس : يعني من اليهود { وعزروه } يعني وقروه . قال صاحب «الكشاف » : أصل التعزير المنع ومنه التعزير وهو الضرب ، دون الحد ، لأنه منع من معاودة القبيح .
ثم قال تعالى : { ونصروه } أي على عدوه { واتبعوا النور الذي أنزل معه } وهو القرآن . وقيل الهدى والبيان والرسالة . وقيل الحق الذي بيانه في القلوب كبيان النور .
فإن قيل : كيف يمكن حمل النور ههنا على القرآن ؟ والقرآن ما أنزل مع محمد ، وإنما أنزل مع جبريل .
قلنا : معناه إنه أنزل مع نبوته لأن نبوته ظهرت مع ظهور القرآن .
ثم أنه تعالى لما ذكر هذه الصفات { قال أولئك هم المفلحون } أي هم الفائزون بالمطلوب في الدنيا والآخرة .
{ الذين يَتَّبِعُونَ الرسول } الذي أرسله الله تعالى لتبليغ الأحكام { النبى } / أي الذي أنبأ الخلق عن الله تعالى فالأول تعتبر فيه الإضافة إلى الله تعالى والثاني تعتبر فيه الإضافة إلى الخلق ، وقدم الأول عليه لشرف وتقدم إرسال الله تعالى له على تبليغه ، وإلى هذا ذهب بعضهم ، وجعلوا إشارة إلى أن الرسول والنبي هنا مراد بهما معناهما اللغوي لاجرائهما على ذات واحدة كما أنهما كذلك في قوله تعالى : { وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا } [ مريم : 54 ] ، وفسر في الكشاف الرسول بالذي يوحى إليه كتاب والنبي بالذي له معجزة ، ويشير إلى الفرق بين الرسول والنبي بأن الرسول من له كتاب خاص والنبي أعم . وتعقبه في الكشف بأن أكثر الرسل لم يكونوا أصحاب كتاب مستقل كاسمعيل . ولوط . والياس عليهم السلام وكم وكم ثم قال : والتحقيق أن النبي هو الذي ينبىء عن ذاته تعالى وصفاته وما لا تستقل العقول بدرايته ابتداء بلا واسطة بشر ، والرسول هو المأمور مع ذلك باصلاح النوع ، فالنبوة نظر فيها إلى الأنبار عن الله تعالى والرسالة إلى المبعوث إليهم ، والثناي وإن كان أخص وجودا إلا أنهما مفهومان مفترقان ولهذا لم يكن رسولاً نبيا مثل انسان هيوان ا ه .
وفيه مخالفة بينة لما ذكر أولاً ، ولا حجر في الاعتبار . نعم ما ذكروه مدفوع بأن الفرق المذكور مع تغاير المفهومين على كل حال من عرف الشرع والاستعمال ، واما في الوضع والحقيقة اللغوية فهما عامان . وقد ورد في القرآن بالاستعمالين فلا تعارض بينهما .
ولا يرد أن ذكر النبي العام بعد الخاص لا يفيد والمعروف في مثل ذلك العكس ، ولا يخفى أن المراد بهذا الرسول النبي نبينا صلى الله عليه وسلم { النبى الامى } أي الذي لا يكتب ولا يقرأ ، وهو على ما قال الزجاج نسبة إلى أمة العرب لأن الغالب عليهم ذلك . وروى الشيخان وغيرهما عن ابن عمر قال : «قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب » أو إلى أم القرى لأن أهلها كانوا كذلك ، ونسب ذلك إلى الباقر رضي الله تعالى عنه أو إلى أمه كأنه على الحالة التي ولدته امه عليها ، ووصف عليه الصلاة والسلام بذلك تنبيهاً على أن كمال علمه مع حاله احدى معجزاته صلى الله عليه وسلم فهو بالنسبة إليه بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام صفة مدح ، وأما بالنسبة إلى غيره فلا ، وذلك كصفة التكبير فإنها صفة مدح لله عز وجل وصفة ذم لغيره .
واختلف في أنه عليه الصلاة والسلام هل صدر عنه الكتابة في وقت أم لا ؟ فقيل : نعم صدرت عنه عام الحديبية فكتب الصلح وهي معجزة أيضاً له صلى الله عليه وسلم وظاهر الحديث يقتضيه ، وقيل : لم يصدر عنه أصلاً وإنما أسندت إليه في الحديث مجازاً .
وجاء عن بعض أهل البيت رضي الله تعالى عنهم أنه صلى الله عليه وسلم كان تنطق له الحروف المكتوبة إذا نظر فيها ، ولم أر لذلك سنداً يعول عليه ، وهو صلى الله عليه وسلم فوق ذلك . نعم أخرج أبو الشيخ من طريق مجاهد قال حدثني عون بن عبد الله بن عتبة عن أبيه قال : «ما مات النبي صلى الله عليه وسلم حتى قرأ وكتب فذكرت هذا الحديث للشعبي فقال : صدق سمعت أصحابنا يقولون ذلك » وقيل : الأمي نسبة إلى الأم بفتح الهمزة بمعنى القصد لأنه المقصود وضم الهمزة من تغيير النسب ، ويؤيده قراءة يعقوب { الامى } بالفتح وإن احتملت أن تكون من تغيير النسب أيضاً ، والموصول في محل جر بدل من الموصول الأول ، هو أما بدل كل على أن المراد منه هؤلاء المعهودين أو بعض على أنه عام ويقدر حينئذ منهم ، وجوز أن يكون نعتاً له ، ويحتمل أن يكون في محل نصب على القطع وإضمار ناصب له ، وأن يكون في محل رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، وقيل : على أنه مبتدأ خبره جملة { يَأْمُرُهُم } أو { أُوْلَئِكَ هُمُ المفلحون } وكلاهما خلاف المتبادر من النظم { الذى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا } باسمه ونعوته الشريفة بحيث لا يشكون أنه هو ، ولذلك عدل عن أن يقال : يجدون اسمه أو وصفه مكتوباً { عِندَهُمُ } ظرف لمكتوبا الواقع حالا أو ليجدون ، وذكر لزيادة التقرير وأن شأنه عليه الصلاة والسلام حاضرة عندهم لا يغيب عنهم أصلا { فِي التوراة والإنجيل } اللذين يعتمد بهما بنو اسرائيل سابقاً ولاحقاً ، وكأنه لهذا المعنى اقتصر عليهما وإلا فهو صلى الله عليه وسلم مكتوب في الزبور أيضاً ، أخرج ابن سعد . والدارمي في مسنده . والبيهقي في الدلائل . وابن عساكر عن عبد الله بن سلام قال : «صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وحرزاً للأميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ولا يجزي بالسيئة ولكن يعفو ويصفح ولن يقيضه الله تعالى حتى يقيم به الملة العوجاء حتى يقولوا لا آله إلا الله ويفتح أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً » ، ومثله من رواية البخاري وغيره عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، وجاء من حديث أخرجه ابن سعد . وابن عساكر من طريقذ موسى بن يعقوب الربعي عن سهل مولى خيثمة قال : «قرأت في الإنجيل محمد صلى الله عليه وسلم أنه لا قصير ولا طويل أبيض ذو ضفيرتين بين كتفيه خاتم لا يقبل الصدقة وبركب الحمار .
والبعير ويحلب الشاة ويلبس قميصاً مرقوعاً ومن فعل ذلك فقد برىء من الكبر وهو يفعل ذلك وهو من ذرية إسماعيل اسمه أحمد » .
وجاء من خبر أخرجه البيهقي في الدلائل عن وهب بن منبه قال : «إن الله تعالى أوحى في الزبور يا داود إنه سيأتي من بعدك نبي اسمه أحمد ومحمد لا أغضب عليه أبداً ولا يعصيني أبداً وقد غفرت له قبل أن يعصيني ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأمته مرحومة أعطيتهم من النوافل مثل ما أعطيت الأنبياء وافترضت عليهم الفرائض التي افترضت على الأنبياء والرسل حتى يأتوني يوم القيامة ونورهم مثل نور الأنبياء وذلك أني افترضت عليهم أن يتطهروا إلى كل صلاة كما افترضت على الأنبياء قبلهم وأمرتهم بالغسل من الجنابة كما أمرت الأنبياء قبلهم وأمرتهم بالحج كما أمرت الأنبياء قبلهم وأمرتهم باجلهاد كما أمرت الرسل قبلهم يا داود إني فضلت محمداً وأمته على الأمم كلهم ، أعطيتهم ست خصال لم أعطها غيرهم من الأمم ، لا أؤاخذهم بالخطأ والنسيان وكل ذنب ركبوه على غير عمد إذا استغفروني منه غفرته وما قدموا لآخرتهم من شيء طيبة به أنفسهم عجلته لهم اضعافاً مضاعفة ولهم عندي أضعاف مضاعفة وأفضل من ذلك ، وأعطيتهم على المصائب إذا صبروا وقالوا : { إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجعون } [ البقرة : 156 ] الصلاة والرحمة والهدى إلى جنات النعيم ، فإن دعوني استجبت لهم فإما أن يروه عاجلاً وإما أن أصرف عنهم سوءاً وإما أن أدخره لهم في الآخرة ، يا داود من لقيني من أمة محمد يشهد أن لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي صادقاً بها فهو معي في جنتي وكرامتي ومن لقيني وقد كذب محمداً وكذب بما جاء به واستهزأ بكتابي صببت عليه من قبره العذاب صبا وضربت الملائكة وجهه ودبره عند منشره في قبره ثم أدخله في الدرك الأسفل من النار » إلى غير ذلك من الأخبار الناطقة بأنه صلى الله عليه وسلم مكتوب في الكتب الإلهية . والظرفان متعلقان بيجدونه أو بمكتوبا . وذكر الإنجيل قبل نزوله من قبيل ما نحن فيه من ذكر النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن الكريم قبل مجيئهما .
{ يَأْمُرُهُم بالمعروف وينهاهم عَنِ المنكر } كلام مستأنف ، وهو على ما قيل متضمن لتفصيل بعض أحكام الرحمة التي وعد فيما سبق بكتبها إجمالاً إذا ما أشارت إليه المتعاطفات من آثار الرحمة والواسعة ، وجوز كونه في محل نصب على أنه حال مقدرة من مفعول يجدونه أو من النبي أو من المستكن في مكتوباً ، وقيل : هو مفسر لمكتوبا أي لما كتب ، والمراد بالمعروف قيل الإيمان ، وقيل : ما عرف في الشريعة ، والمراد بالمنكر ضد ذلك { وَيُحِلُّ لَهُمُ الطيبات وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الخبئث } فسر الأول بالأشياء التي يستطيبها الطبع كالشحوم ، والثاني بالأشياء التي يستخبثها كالدم ، فتكون الآية دالة على أن الأصل في كل ما تستطيبه النفس وستلذه الطبع الحل وفي كل ما تستخبثه النفس ويكرهه الطبع الحرمة إلا لدليل منفصل ، وفسر بعضهم الطيب بما طاب في حكم الشرع والخبيث بما خبث فيه كالربا والرشوة .
وتعقب بأن الكلام حينئذ يحل ما يحكم بحله ويحرم ما يحكم بحرمته ولا فائدة فيه . وردوه بأنه يفيد فائدة وأي فائدة لأن معناه أن الحل والحرمة بحكم الشرع لا بالعقل والرأي ، وجوز بعضهم كون الخبيث بمعنى ما يستخبث طبعاً أو ما خبث شرعاً وقال كالدم أو الربا ومثل للطيب بالشحم وجعل ذلك مبينا على اقتضاء التحليل سبق التحريم والشحم كان محرماً عند بني اسرائيل ، وعلى اقتضاء التحريم سبق التحليل وجعل الدم وأخيه مما حرم على هذا لأن الأصل في الأشياء الحل ، ولا يرد { أَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الرباا } [ البقرة : 275 ] لأنه لرد قولهم { إِنَّمَا البيع مِثْلُ الرباا } [ البقرة : 275 ] أو لأن المراد ابقاؤه على حله لمقابلته بتحريم الربا ، ودفع بهذا ما توهم من عدم الفائدة { وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ والاغلال التى كَانَتْ عَلَيْهِمْ } أي يخفف عنهم ما كلفوه من التكاليف الشاقة كقطع موضع النجاسة من الثواب أو منه ومن البدن ، واحراق الغنائم ، وتحريم السبت ، وقطع الأعضاء الخاطئة ، وتعين القصاص في العمد والخطأ من غير شرع الدية فإنه وان لم يكن مأموراً به في الألواح إلا أنه شرع بعد تشديداً عليهم على ما قيل ، وأصل الأصر الثقل الذي يأصر صاحبه عن الحراك ، والاغلال جمع غل بضم الغين وهي في الأصل كما قال ابن الأثير الحديدة التي تجمع يد الأسير إلى عنقه ويقال لها جامعة أيضاً ، ولعل غير الحديد إذا جمع به يد إلى عنق يقال له ذلك أيضاً ، والمراد منهما هنا ما علمت وهو المأثور عن كثير من السلف ، ولا يخفى ما في الآية من الاستعارة .
وجوز أن يكون هناك تمثيل ، وعن عطاء كانت بنو إسرائيل إذا قامت تصلي لبسوا المسوح وغلوا أيديهم إلى أعناقهم وربما ثقب الرجل ترقوته وجعل فيها طرف السلسلة وأوثقها على السارية يحبس نفسه على العبادة وعلى هذا فالاغلال يمكن أن يراد حقيقته ، وقرأ ابن عامر { آصارهم } على الجمع وقرأ { عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ } بالفتح على المصدر وبالضم على الجمع أيضاً { فالذين ءامَنُواْ بِهِ } أي صدقوا برسالته ونبوته { وَعَزَّرُوهُ } أي عظموه ووقروه كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عتهما ، وقال الراغب : التعزير النصرة مع التعظيم ، والتعزير الذي هو دون الحد يرجع إليه لأنه تأديب والتأذيب نصرة لأن أخلاق السوء أعداء ولذا قال في الحديث : «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً فقيل كيف أنصره ظالماً ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : تكفه عن الظلم » وأصلح عند غير وأحد المنع والمراد منعوه حتى لا يقوى عليه عدو ، وقرىء { عزروه } بالتخفيف { وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ } على أعدائه في الدين وعطف هذا على ما قبله ظاهر على ما روي عن الحبر وكذا على ما قاله الجمع إذ الأول عليه من قبيل درء المفاسد وهذا من قبيل جلب المصالح ، ومن فسر الأول بالتعظيم مع التقوية أخذا من كلام الراغب قال هنا نصروه لي أي قصدوا بنصره وجه الله تعالى واعلاء كلمته فلا تكرار خلافاً لمن توهمه { واتبعوا النور الذى أُنزِلَ مَعَهُ } وهو القرآن وعبر عنه بالنور لظهوره في نفسه باعجازه وإظهاره لغيره من الأحكام وصدق الدعوى فهو أشبه شيء بالنور الظاهر بنفسه والمظهر لغيره بل هو نور على نور ، والظرف اما متعلق بانزل والكلام على حذف مضاف أي مع نبوته أو ارساله عليه السلام لأنه لم ينزل معهم وإنما نزل مع جبريل عليه السلام .
نعم استنباؤه أو ارساله كان مصحوباً بالقرآن مشفوعاً به وإما متعلق باتبعوا على معنى شاركوه في اتباعه وحينئذ لم يحتج إلى تقدير ، وقد يعلق به على معنى اتبعوا القرآن مع اتباعهم النبي صلى الله عليه وسلم إشارة إلى العمل بالكتاب والسنة ، وجوز أن يكون في موضع الحال من ضمير اتبعوا أي اتبعوا أي اتبعوا النور مصاحبين له في اتباعه وحاصله ما ذكر في الاحتمال الثاني ، وأن يكون حالا مقدرة من نائب فاعل أنزل . وفي مجمع البيان أن مع بمعنى على وهو متعلق بأنزل ولم يشتهر وروي ذلك ، وقال بعضهم : هن هنا مرادفة لعند وهو أحد معانيها المشهورة إلا أنه لا يخفى بعده وإن قيل حاصل المعنى حينئذ أنزل عليه { أولئك } أي المنعوتون بتلك النعوت الجليلة { هُمُ المفلحون } أي هم الفائزون يا لمطلوب لا المتصفون بأضداد صفاتهم ، وفي الإشارة إشارة إلى علية تلك الصفات للحكم ، وكاف البعد للايذان ببعد المنزلة وعلو الدرجة في الفضل والشرف ، والمراد من الموصول المخبر عنه بهذه الجملة عند ابن عباس رضي الله تعالى عنه اليهود الذين آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقيل : ما يعمهم وغيرهم من أمته عليه الصلاة والسلام المتصفين بعنوان الصلة إلى يوم القيامة والاتصاف بذلك لا يتوقف على إدراكه صلى الله عليه وسلم كما لا يخفى وهو الأولى عندي .
وادعى بعضهم أن المراد من الموصول في قوله تعالى : { فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ } [ الأعراف : 156 ] المعنى الأعم أيضاً وجعله ابن الخازن قول جمهور المفسرين ، وفيه ما فيه ومما يقضي منه العجب كون المراد منه اليهود الذين كانوا في زمن موسى عليه السلام ، والجملة متفرعة على ما تقدم من نعوته صلى الله عليه وسلم الجليلة الشان ، وقيل : على كتب الرحمة لمن مر ، وذكر شيخ الإسلام أنها تعليم لكيفية اتباعه عليه السلام وبيان علو رتبة متبعيه واغتنامهم مغانم الرحمة الواسعة في الدارين ءثر بيان نعوته الجليلة والإشارة إلى إرشاده عليه الصلاة والسلام إياهم بما في ضمن { يَأْمُرُهُم } الخ ، وجعل الحصر المدلول عليه بقوله سبحانه : { أُوْلَئِكَ هُمُ المفلحون } بالنسبة إلى غيرهم من الأمم ثم قال : فيدخل فيهم قوم موسى عليه السلام دخولا أوليا حيث لم ينجوا عما في توبتهم من المشقة الهائلة ، وهو مبني على ما سلكه في تفسير الآيات من أول الأمر ولا يصفو عن كدر