مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{تَعۡرُجُ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيۡهِ فِي يَوۡمٖ كَانَ مِقۡدَارُهُۥ خَمۡسِينَ أَلۡفَ سَنَةٖ} (4)

قوله تعالى : { تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة } وهاهنا مسائل :

المسألة الأولى : اعلم أن عادة الله تعالى في القرآن أنه متى ذكر الملائكة في معرض التهويل والتخويف أفرد الروح بعدهم بالذكر ، كما في هذه الآية ، وكما في قوله : { يوم يقوم الروح والملائكة صفا } وهذا يقتضي أن الروح أعظم [ من ] الملائكة قدرا ، ثم هاهنا دقيقة وهي أنه تعالى ذكر عند العروج الملائكة أولا والروح ثانيا ، كما في هذه الآية ، وذكر عند القيام الروح أولا والملائكة ثانيا ، كما في قوله : { يوم يقوم الروح والملائكة صفا } وهذا يقتضي كون الروح أولا في درجة النزول وآخرا في درجة الصعود ، وعند هذا قال بعض المكاشفين : إن الروح نور عظيم هو أقرب الأنوار إلى جلال الله ، ومنه تتشعب أرواح سائر الملائكة والبشر في آخر درجات منازل الأرواح ، وبين الطرفين معارج مراتب الأرواح الملكية ومدارج منازل الأنوار القدسية ، ولا يعلم كميتها إلا الله ، وأما ظاهر قول المتكلمين وهو أن الروح هو جبريل عليه السلام فقد قررنا هذه المسألة في تفسير قوله : { يوم يقوم الروح والملائكة صفا } .

المسألة الثانية : احتج القائلون بأن الله في مكان ، إما في العرش أو فوقه بهذه الآية من وجهين : ( الأول ) أن الآية دلت على أن الله تعالى موصوف بأنه ذو المعارج وهو إنما يكون كذلك لو كان في جهة فوق ( والثاني ) قوله : { تعرج الملائكة والروح إليه } فبين أن عروج الملائكة وصعودهم إليه ، وذلك يقتضي كونه تعالى في جهة فوق ( والجواب ) لما دلت الدلائل على امتناع كونه في المكان والجهة ثبت أنه لا بد من التأويل ، فأما وصف الله بأنه ذو المعارج فقد ذكرنا الوجوه فيه ، وأما حرف ( إلى ) في قوله : { تعرج الملائكة والروح إليه } فليس المراد منه المكان بل المراد انتهاء الأمور إلى مراده كقوله : { وإليه يرجع الأمر كله } المراد الانتهاء إلى موضع العز والكرامة كقوله : { إني ذاهب إلى ربي } ويكون هذا إشارة إلى أن دار الثواب أعلى الأمكنة وأرفعها .

المسألة الثالثة : الأكثرون على أن قوله : { في يوم } من صلة قوله { تعرج } ، أي يحصل العروج في مثل هذا اليوم ، وقال مقاتل : بل هذا من صلة قوله : { بعذاب واقع } وعلى هذا القول يكون في الآية تقديم وتأخير والتقدير : سأل سائل بعذاب واقع في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة وعلى التقدير الأول ، فذلك اليوم ، إما أن يكون في الآخرة أو في الدنيا ، وعلى تقدير أن يكون في الآخرة ، فذلك الطول إما أن يكون واقعا ، وإما أن يكون مقدرا فهذه هي الوجوه التي تحملها هذه الآية ، ونحن نذكر تفصيلها ( القول الأول ) هو أن معنى الآية أن ذلك العروج يقع في يوم من أيام الآخرة طوله خمسون ألف سنة ، وهو يوم القيامة ، وهذا قول الحسن : قال وليس يعني أن مقدار طوله هذا فقط ، إذ لو كان كذلك لحصلت له غاية ولفنيت الجنة والنار عند تلك الغاية وهذا غير جائز ، بل المراد أن موقفهم للحساب حتى يفصل بين الناس خمسون ألف سنة من سني الدنيا . ثم بعد ذلك يستقر أهل النار في دركات النيران نعوذ بالله منها . واعلم أن هذا الطول إنما يكون في حق الكافر ، أما في حق المؤمن فلا ، والدليل عليه الآية والخبر ، أما الآية فقوله تعالى : { أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا } واتفقوا على أن ذلك المقيل والمستقر هو الجنة وأما الخبر فما روي عن أبي سعيد الخدري أنه قال : قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما طول هذا اليوم ؟ فقال : «والذي نفسي بيده إنه ليخفف عن المؤمن حتى يكون عليه أخف من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا » ومن الناس من قال : إن ذلك الموقف وإن طال فهو يكون سببا لمزيد السرور والراحة لأهل الجنة ، ويكون سببا لمزيد الحزن والغم لأهل النار ( الجواب ) عنه أن الآخرة دار جزاء فلا بد من أن يعجل للمثابين ثوابهم ، ودار الثواب هي الجنة لا الموقف ، فإذن لا بد من تخصيص طول الموقف بالكفار ( القول الثاني ) هو أن هذه المدة واقعة في الآخرة ، لكن على سبيل التقدير لا على سبيل التحقق ، والمعنى أنه لو اشتغل بذلك القضاء والحكومة أعقل الخلق وأذكاهم لبقي فيه خمسين ألف سنة ثم إنه تعالى يتمم ذلك القضاء والحكومة في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا ، وأيضا الملائكة يعرجون إلى مواضع لو أراد واحد من أهل الدنيا أن يصعد إليها لبقي في ذلك الصعود خمسين ألف سنة ثم إنهم يصعدون إليها في ساعة قليلة ، وهذا قول وهب وجماعة من المفسرين ( القول الثالث ) وهو قول أبي مسلم : إن هذا اليوم هو يوم الدنيا كلها من أول ما خلق الله إلى آخر الفناء ، فبين تعالى أنه لا بد في يوم الدنيا من عروج الملائكة ونزولهم ، وهذا اليوم مقدر بخمسين ألف سنة ، ثم لا يلزم على هذا أن يصير وقت القيامة معلوما ، لأنا لا ندري كم مضى وكم بقي ( القول الرابع ) تقدير الآية : سأل سائل بعذاب واقع من الله في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ، ثم يحتمل أن يكون المراد منه استطالة ذلك اليوم لشدته على الكفار ، ويحتمل أن يكون المراد تقدير مدته ، وعلى هذا فليس المراد تقدير العذاب بهذا المقدار ، بل المراد التنبيه على طول مدة العذاب ، ويحتمل أيضا أن العذاب الذي سأله ذلك السائل يكون مقدرا بهذه المدة ، ثم إنه تعالى ينقله إلى نوع آخر من العذاب بعد ذلك ، فإن قيل : روى ابن أبي مليكة أن ابن عباس سئل عن هذه الآية ، وعن قوله : { في يوم كان مقداره ألف سنة } فقال : أيام سماها الله تعالى هو أعلم بها كيف تكون ، وأكره أن أقول فيها مالا أعلم ، فإن قيل : فما قولكم في التوفيق بين هاتين الآيتين ؟ قلنا : قال وهب في الجواب عن هذا ما بين أسفل العالم إلى أعلى شرفات العرش مسيرة خمسين ألف سنة ومن أعلى السماء الدنيا إلى الأرض مسيرة ألف سنة ، لأن عرض كل سماء مسيرة خمسمائة سنة ، وما بين أسفل السماء إلى قرار الأرض خمسمائة أخرى ، فقوله تعالى : { في يوم } يريد من أيام الدنيا وهو مقدار ألف سنة لو صعدوا فيه إلى سماء الدنيا ، ومقدار ألف سنة لو صعدوا إلى أعالي العرش .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{تَعۡرُجُ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيۡهِ فِي يَوۡمٖ كَانَ مِقۡدَارُهُۥ خَمۡسِينَ أَلۡفَ سَنَةٖ} (4)

{ تَعْرُجُ الملائكة والروح } أي جبريل عليه السلام كما ذهب إليه الجمهور أفرد بالذكر لتميزه وفضله بناء على المشهور من أنه عليه السلام أفضل الملائكة وقيل لمجرد التشريف وإن لم يكن عليه السلام أفضلهم بناءً على ما قيل من أن إسرافيل عليه السلام أفضل منه وقال مجاهد الروح ملائكة حفظة للملائكة الحافظين لبني آدم لا تراهم الحفظة كما لا نرى نحن حفظتنا وقيل خلق هم حفظة الملائكة مطلقاً كما أن الملائكة حفظة الناس وقيل ملك عظيم الخلقة يقوم وحده يوم القيامة صفاً ويقوم الملائكة كلهم صفاً وقال أبو صالح خلق كهيئة الناس وليسوا بالناس وقال قبيصة بن ذؤيب روح الميت حين تقبض ولعله أراد الميت المؤمن وقرأ عبد الله والكسائي وابن مقسم وزائدة عن الأعمش يعرج بالياء التحتية { إِلَيْهِ } قيل أي إلى عرشه تعالى وحيث يهبط منه أوامره سبحانه وقيل هو من قبيل قول إبراهيم عليه السلام { إني ذاهب إلى ربي } [ الصافات : 99 ] أي إلى حيث أمرني عز وجل به وقيل المراد إلى محل بره وكرامته جل وعلا على أن الكلام على حذف مضاف وقيل إلى المكان المنتهى إليه الدال عليه السياق وفسر بمحل الملائكة عليهم السلام من السماء ومعظم السلف يعدون ذلك من المتشابه مع تنزيهه عز وجل عن المكان والجسمية واللوازم التي لا تليق بشأن الألوهية وقوله تعالى : { في يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ } أي من سنينكم الظاهر تعلقه بتعرج واليوم بمعنى الوقت والمراد به مقدار ما يقوم الناس فيه لرب العالمين إلى أن يستقر أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار من اليوم الآخر والذي لا نهاية له ويشير إلى هذا ما أخرج الإمام أحمد وابن حبان وأبو يعلى وابن جرير والبيهقي في البعث عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ما أطول هذا اليوم فقال عليه الصلاة والسلام والذي نفسي بيده أنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أهون عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا واختلف في المراد بهذا التقدير على هذا الوجه فقيل الإشارة إلى استطالة ذلك اليوم لشدته لا أنه بهذا المقدار من العدد حقيقة وروى هذا عن ابن عباس والعرب تصف أوقات الشدة والحزن بالطول وأوقات الرخاء والفرح بالقصر ومن ذلك قول الشاعر :

من قصر الليل إذا زرتني *** أشكو وتشكين من الطول

وقوله :

ليلى وليلى نفي نومي اختلافهما *** بالطول والطول يا طوبى لو اعتدلا

يجود بالطول ليلى كلما بخلت *** بالطول ليلى وإن جادت به بخلا

وقوله :

ويوم كظل الرمح قصر طوله *** دم الزق عنا واصطفاق المزاهر

إلى ما لا يكاد يحصى وفي قوله عليه الصلاة والسلام في الخبر السابق أنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أهون عليه من صلاة مكتوبة إشارة إلى هذا وكذا ما روي عن عبد الله بن عمر من قول يوضع للمؤمنين يومئذ كراسي من ذهب ويظلل عليهم الغمام ويقصر عليهم ذلك اليوم ويهون حتى يكون كيوم من أيامكم هذه ولينظر على هذا القول ما حكمة التنصيص على العدد المذكور وقيل هو على ظاهره وحقيقته وإن في ذلك اليوم خمسين موطناً كل موطن ألف سنة من سني الدنيا أي حقيقة وقيل الخمسون على حقيقتها إلا أن المعنى مقدار ما يقضي فيه من الحساب قدر ما يقضي بالعدل في خمسين ألف سنة من أيام الدنيا وهو مروي عن عكرمة وأشار بعضهم إلى أن المقدار المذكور عليه مجاز عما يلزمه من كثرة ما يقع فيه من المحاسبات أو كناية فكأنه قيل في يوم يكثر فيه الحساب ويطول بحيث لو وقع من غير أسرع الحاسبين وفي الدنيا طال إلى خمسين ألف سنة وتخصيص عروج الملائكة والروح بذلك اليوم مع أن عروجهم متحقق في غيره أيضاً للإشارة إلى عظم هوله وانقطاع الخلق فيه إلى الله عز وجل وانتظارهم أمره سبحانه فيهم أو للإشارة إلى عظم الهول على وجه آخر وأياً ما كان فالجملة استئناف مؤكد لما سيق له الكلام وقيل هو متعلق بواقع وقيل بدافع وقيل بسال إذا جعل من السيلان لا به من السؤال لأنه لم يقع فيه والمراد باليوم على هذه الأقوال ما أريد به فيما سبق وتعرج الملائكة والروح إليه مستطرد عند وصفه عز وجل بذي المعارج وقيل هو متعلق بتعرج كما هو الظاهر إلا أن العروج في الدنيا والمعنى تعرج الملائكة والروح إلى عرشه تعالى ويقطعون في يوم من أيامكم ما يقطعه الإنسان في خمسين ألف سنة لو فرض سيره فيه وروى عن ابن إسحق ومنذر بن سعيد ومجاهد وجماعة وهو رواية عن ابن عباس أيضاً واختلف في تحديد المسافة فقيل هي من وجه الأرض إلى منتهى العرش وقيل من قعر الأرض السابعة السفلى إلى العرش وفصل بأن ثخن كل أرض خمسمائة عام وبين كل أرضين خمسمائة عام وبين الأرض العليا والسماء الدنيا خمسمائة عام وثخن كل سماء كذلك وما بين كل سماءين كذلك وما بين السماء العليا ومقعر الكرسي كذلك ومجموع ذلك أربعة عشر ألف عام ومن مقعر الكرسي إلى العرش مسيرة ست وثلاثين ألف عام فالمجموع خمسون ألف سنة وفي خبر أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس نحوه ولعله لا يصح وإن لم تبعد هذه السرعة من الملائكة عليهم السلام عند من وقف على سرعة حركة الأضواء وعلم أن الله عز وجل على كل شيء قدير ومن الناس من اعتبر هذه المدة من الأرض إلى العرش عروجاً وهبوطاً واعتبرها كذلك من الأرض إلى مقعر السماء الدنيا في قوله سبحانه { يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة } [ السجدة : 50 ] ومن يعتبر أحد الأمرين يعتبر هنا محدب السماء الدنيا والأرض وسيأتي إن شاء الله تعالى ما للمتصوفة في ذلك وقيل الكلام بيان لغاية ارتفاع تلك المعارج وبعد مداها على سبيل التمثيل والتخييل والمراد أنها في غاية البعد والارتفاع المعنوي على بعض الأوجه في المعارج أو الحسي كما في بعض آخر وليس المراد التحديد وعن عكرمة أن تلك المدة هي مدة الدنيا منذ خلقت إلى أن تقوم الساعة إلا أنه لا يدري أحد ما مضى منها وما بقي أي تعرج الملائكة إليه في مدة الدنيا وبقاء هذه البنية وهذا يحتاج إلى نقل صحيح والظاهر أنه أراد بالدنيا ما يقابل الأخرى ويشمل العرش ونحوه ويرد عليه أن ما ورد عن علي كرم الله تعالى وجهه جواباً لمن سأله متى خلق الله تعالى العرش يكذبه فإنه يدل على أن ما مضى من أول زمن خلقه إلى اليوم يزيد على خمسين ألف سنة بألوف ألوف سنين لا يحصيها إلا الله عز وجل ولعله أولى بالقبول مما قاله عكرمة والحق أنه لا يعلم مبدأ الخلق ولا مدة بقاء هذه البنية إلا الله عز وجل بيد أنا نعلم بتوفيق الله تعالى أن هذا العالم حادث حدوثاً زمانياً وأنه ستبدل الأرض غير الأرض والسموات وتبرز الخلائق لله تعالى الواحد القهار .