واعلم أن قوله تعالى : { ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين } يدل على أن الفعل موقوف على حصول الداعي ، ويدل على أن حصول الداعي ليس إلا من قبل الله تعالى .
أما بيان الأول : فهو أن حال انهزام القوم لم تحصل داعية السكون والثبات في قلوبهم ، فلا جرم لم يحصل السكون والثبات ، بل فر القوم وانهزموا . ولما حصلت السكينة التي هي عبارة عن داعية السكون والثبات رجعوا إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام ، وثبتوا عنده وسكنوا . فدل هذا على أن حصول الفعل موقوف على حصول الداعية .
وأما بيان الثاني : وهو أن حصول تلك الداعية من الله تعالى فهو صريح .
قوله تعالى : { ثم أنزل الله سكينته على رسوله } والعقل أيضا دل عليه ، وهو أنه لو كان حصول ذلك الداعي في القلب من جهة العبد ، لتوقف على حصول داع آخر ولزم التسلسل ، وهو محال .
ثم قال تعالى : { وأنزل جنودا لم تروها } واعلم أن هذا هو الأمر الثاني الذي فعله الله في ذلك اليوم ، ولا خلاف أن المراد إنزال الملائكة ، وليس في الظاهر ما يدل على عدة الملائكة كما هو مذكور في قصة بدر ، وقال سعيد بن جبير : أمد الله نبيه بخمسة آلاف من الملائكة ولعله إنما ذكر هذا العدد قياسا على يوم بدر ، وقال سعيد بن المسيب : حدثني رجل كان في المشركين يوم حنين قال : لما كشفنا المسلمين جعلنا نسوقهم ، فلما انتهينا إلى صاحب البغلة الشهباء ، تلقانا رجال بيض الوجوه حسان ، فقالوا شاهت الوجوه ارجعوا فرجعنا فركبوا أكتافنا ، وأيضا اختلفوا أن الملائكة هل قاتلوا ذلك اليوم ؟ والرواية التي نقلناها عن سعيد بن المسيب تدل على أنهم قاتلوا ومنهم من قال إن الملائكة ما قاتلوا إلا يوم بدر . وأما فائدة نزولهم في هذا اليوم فهو إلقاء الخواطر الحسنة في قلوب المؤمنين .
ثم قال تعالى : { وعذب الذين كفروا } وهذا هو الأمر الثالث الذي فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم ، والمراد من هذا التعذيب قتلهم وأسرهم وأخذ أموالهم وسبي ذراريهم . واحتج أصحابنا بهذا على أن فعل العبد خلق الله ، لأن المراد من التعذيب ليس إلا الأخذ والأسر وهو تعالى نسب تلك الأشياء إلى نفسه وقد بينا أن قوله : { ثم أنزل الله سكينته على رسوله } يدل على ذلك فصار مجموع هذين الكلامين دليلا بينا ثابتا ، وفي هذه المسألة قالت المعتزلة : إنما نسب تعالى ذلك الفعل إلى نفسه لأنه حصل بأمره ، وقد سبق جوابه غير مرة .
ثم قال : { وذلك جزاء الكافرين } والمراد أن ذلك التعذيب هو جزاء الكافرين ، واعلم أن أهل الحقيقة تمسكوا في مسألة الجلد مع التعزيز بقوله : { الزانية والزاني فاجلدوا } قالوا الفاء تدل على كون الجلد جزاء ، والجزاء اسم للكافي ، وكون الجلد كافيا يمنع كون غيره مشروعا معه . فنقول : في الجواب عنه الجزاء ليس اسما للكافي ، وذلك باعتبار أنه تعالى سمى هذا التعذيب جزاء ، مع أن المسلمين أجمعوا على أن العقوبة الدائمة في القيامة مدخرة لهم ، فدلت هذه الآية على أن الجزاء ليس اسما لما يقع به الكفاية .
{ ثُمَّ أَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ على رَسُولِهِ } أي رحمته التي تسكن بها القلوب وتطمئن اطمئناناً كلياً مستتبعاً للنصر القريب ، وأما مطلق السكينة فقد كانت حاصلة له صلى الله عليه وسلم { وَعَلَى المؤمنين } عطف على رسوله وإعادة الجار للإيذان بالتفاوت ، والمراد بهم الذين انهزموا ، وفيه دلالة على أن الكبيرة لا تنافي الإيمان .
وعن الحسن أنهم الذين ثبتوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقيل : المراد ما يعم الطائفتين ولا يخلو عن حسن ، ولا ضير في تحقق أصل السكينة في الثابتين من قبل ، وفسر بعضهم السكينة بالأمان وهو له صلى الله عليه وسلم بمعاينة الملائكة عليهم السلام ولمن معه بظهور علامات ذلك وللمنهزمين بزوال قلقهم واضطرابهم باستحضار إن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن أو نحو ذلك ، والظاهر أن { ثُمَّ } في محلها للتراخي بين الانهزام وإنزال السكينة على هذا الوجه .
وقيل : إذا أريد من المؤمنين المنهزمون فهي على محلها ، وإن أريد الثابتون يكون التراخي في الأخبار أو باعتبار مجموع هذا الإنزال وما عطف عليه ، وجعلها للتراخي الرتبي بعيد { وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا } بأبصاركم كما يرى بعضكم بعضاً وهم الملائكة عليهم السلام على خيول بلق عليهم البياض ، وكون المراد لم تروا مثلها قبل ذلك خلاف الظاهر ولم نر في الآثار ما يساعده ، واختلف في عددهم فقيل : ثمانية آلاف لقوله تعالى : { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ } مع قوله سبحانه بعد : { يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءالافٍ } [ آل عمران : 124 ، 125 ] وقيل : خمسة آلاف للآية الثانية والثلاثة الأولى داخلة في هذه الخمسة ، وقيل : ستة عشر ألفاً بعدد العسكرين اثنا عشر ألفاً عسكر المسلمين وأربعة آلاف عسكر المشركين ، وكذا اختلفوا في أنهم قاتلوا في هذه الوقعة أم لا ، والجمهور على أن الملائكة لم يقاتلوا إلا يوم بدر . وإنما نزلوا لتقوية قلوب المؤمنين بإلقاء الخواطر الحسنة وتأييدهم بذلك وإلقاء الرعب في قلوب المشركين . فعن سعيد بن المسيب قال حدثني رجل كان في المشركين يوم حنين قال : لما كشفنا المسلمين جعلنا نسوقهم فلما انتهينا إلى صاحب البغلة الشهباء تلقانا رجال بيض الوجوه فقالوا : شاهت الوجوه ارجعوا فرجعنا فركبوا أكنافنا .
واحتج من قال : إنهم قاتلوا بما روي أن رجلاً من المشركين قال لبعض المؤمنين بعد القتال : أين الخيل البلق والرجال عليهم ثياب بيض ؟ ما كنا نراهم فيكم إلا كهيئة الشامة وما كان قتلنا إلا بأيديهم فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام : «تلك الملائكة » وليس له سند يعول عليه { وَعذَّبَ الذين كَفَرُواْ } بالقتل والأسر والسبي { وَذَلِكَ } أي ما فعل بهم مما ذكر { جَزَاء الكافرين } لكفرهم في الدنيا .
( ومن باب الإشارة ) :ولما رأى سبحانه ندم القوم على عجبهم بكثرتهم ردهم إلى ساحة جوده وألبسهم أنوار قربه وأمدهم بجنوده وإليه الإشارة بقوله تعالى : { ثُمَّ أَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ على رَسُولِهِ وَعَلَى المؤمنين } [ التوبة : 26 ] الآية ، وكانت سكينته عليه الصلاة والسلام كما قال بعض العارفين من مشاهدة الذات وسكينة المؤمنين من معاينة الصفات ، ولهم في تعريف السكينة عبارات كثيرة متقاربة المعنى فقيل : هي استحكام القلب عند جريان حكم الرب بنعت الطمأنينة بخمود آثار البشرية بالكلية والرضا بالبادي من الغيب من غير معارضة واختيار ، وقيل : هي القرار على بساط الشهود وبشواهد الصحو والتأدب بإقامة صفاء العبودية من غير لحوق مشقة ولا تحرك عرق بمعارضة حكمد وقيل : هي المقام مع الله تعالى بفناء الحظوظ . والحنود روادف آثار قوة تجلي الحق سبحانه ، ويقال : هي وفود اليقين وزوائد الاستبصار .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.