مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ ٱئۡذَن لِّي وَلَا تَفۡتِنِّيٓۚ أَلَا فِي ٱلۡفِتۡنَةِ سَقَطُواْۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ} (49)

ثم قال تعالى : { ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني } يريد ائذن لي في القعود ولا تفتني بسبب الأمر بالخروج ، وذكروا فيه وجوها : الأول : لا تفتني أي لا توقعني في الفتنة وهي الإثم بأن لا تأذن لي ، فإنك إن منعتني من القعود وقعدت بغير إذنك وقعت في الإثم ، وعلى هذا التقدير فيحتمل أن يكونوا ذكروه على سبيل السخرية ، وإن يكونوا أيضا ذكروه على سبيل الجد ، وإن كان ذلك المنافق منافقا كان يغلب على ظنه كون محمد عليه السلام صادقا ، وإن كان غير قاطع بذلك . والثاني : لا تفتني أي لا تلقني في الهلاك فإن الزمان زمان شدة الحر ولا طاقة لي بها . والثالث : لا تفتني فإني إن خرجت معك هلك مالي وعيالي . والرابع : قال الجد بن قيس : قد علمت الأنصار أني مغرم بالنساء فلا تفتني ببنات الأصفر ، يعني نساء الروم ، ولكني أعينك بمال فاتركني ، وقرئ { ولا تفتني } من أفتنه { ألا في الفتنة سقطوا } والمعنى أنهم يحترزون عن الوقوع في الفتنة ، وهم في الحال ما وقعوا إلا في الفتنة ، فإن أعظم أنواع الفتنة الكفر بالله ورسوله ، والتمرد عن قبول التكليف . وأيضا فهم يبقون خالفين عن المسلمين ، خائفين من أن يفضحهم الله ، وينزل آيات في شرح نفاقهم وفي مصحف أبي { سقط } لأن لفظ من موحد اللفظ مجموع المعنى . قال أهل المعاني : وفيه تنبيه على أن من عصى الله لغرض ما ، فإنه تعالى يبطل عليه ذلك الغرض ، ألا ترى أن القوم إنما اختاروا القعود لئلا يقعوا في الفتنة ، فالله تعالى بين أنهم في عين الفتنة واقعون ساقطون .

ثم قال تعالى : { وإن جهنم لمحيطة بالكافرين } قيل : إنها تحيط بهم يوم القيامة . وقيل إن أسباب تلك الإحاطة حاصلة في الحال ، فكأنهم في وسطها . وقال الحكماء المسلمون : إنهم كانوا محرومين من نور معرفة الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وما كانوا يعتقدون لأنفسهم كمالا وسعادة سوى الدنيا وما فيها من المال والجاه ، ثم إنهم اشتهروا بين الناس بالنفاق والطعن في الدين ، وقصد الرسول بكل سوء ، وكانوا يشاهدون أن دولة الإسلام أبدا في الترقي والاستعلاء والتزايد ، وكانوا في أشد الخوف على أنفسهم ، وأولادهم وأموالهم ، والحاصل أنهم كانوا محرومين عن كل السعادات الروحانية ، فكانوا في أشد الخوف ، بسبب الأحوال العاجلة ، والخوف الشديد مع الجهل الشديد ، أعظم أنواع العقوبات الروحانية ، فعبر الله تعالى عن تلك الأحوال بقوله : { وإن جهنم لمحيطة بالكافرين } .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ ٱئۡذَن لِّي وَلَا تَفۡتِنِّيٓۚ أَلَا فِي ٱلۡفِتۡنَةِ سَقَطُواْۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ} (49)

{ وَمنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائذن لِّي } في القعود عن الجهاد { وَلاَ تَفْتِنّى } أي لا توقعني في الفتنة بنساء الروم .

أخرج ابن المنذر . والطبراني . وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج إلى غزوة تبوك قال لجد بن قيس : يا جد بن قيس ما تقول في مجاهدة بني الاصفر ؟ فقال : يا رسول الله إني امرأ صاحب نساء ومتى أرى نساء بني الاصفر أفتتن فائذن لي ولا تفتني فنزلت ، وروي نحوه عن عائشة . وجابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما ، أولا توقعني في المعصية والاثم بمخالفة أمرك في الخروج إلى الجهاد ، وروي هذا عن الحسن . وقتادة . واختاره الجبائي ، وفي الكلام على هذا إشعار بأنه لا محالة متخلف أذن له صلى الله عليه وسلم أو لم يأذن . وفسر بعضهم الفتنة بالضرر أي لا توقعني في ذلك فاني إن خرجت معك هلك مالي وعيالي لعدم من يقوم بمصالحهم ، وقال أبو مسلم : أي لا تعذبني بتكليف الخروج في شدة الحر ، وقرىء { وَلاَ تَفْتِنّى } من أفتنه بمعنى فتنة { أَلا فِى الفتنة } أي في نفسها وعينها وأكمل أفرادها الغنى عن الوصف بالكمال الحقيق باختصاص اسم الجنس به { سَقَطُواْ } لا في شيء مغاير لها فضلاً عن أن يكون مهرباً ومخلصاً عنها ، وذلك بما فعلوا من العزيمة على التخلف والجراءة على هذا الاستئذان والقعود بالإذن المبني عليه وعلى الاعتذارات الكاذبة ، وفي مصحف أبي { سُقِطَ } بالافراد مراعاة للفظ { مِنْ } ولا يخفى ما في تصدير الجملة بأداة التنبيه من التحقيق ، وفي التعبير عن الافتتان بالسقوط في الفتنة تنزيل لها منزلة المهواة المهلكة المفصحة عن ترديهم في دركات الردي أسفل سافلين ، وتقديم الجار والمجرور لا يخفى وجهه { وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بالكافرين } وعيد لهم على ما فعلوا وهو عطف على الجملة السابقة داخل تحت التنبيه ، أي جامعة لهم من كل جانب لا محالة وذلك يوم القيامة ، فالمجاز في اسم الفاعل حيث استعمل في الاستقبال بناء على أنه حقيقة في الحال ، ويحتمل أن يكون المراد أنها حيطة بهم الآن بأن يراد من جهنم أسبابها من الكفر والفتنة التي سقطوا فيها ونحو ذلك مجازاً .

وقد يجعل الكلام تمثيلاً بأن تشبه حالهم في إحاطة الأسباب بحالهم عند إحاطة النار ، وكون الأعمال التي هم فيها هي النار بعينها لكنها ظهرت بصورة الأعمال في هذه النشأة وتظهر بالصورة النارية في النشأة الأخرى كما قيل نظيره في قوله تعالى : { إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً } [ النساء : 10 ] منزع صوفي ، والمراد بالكافرين إما المنافقون المبحوث عنهم ، وإيثار وضع الظاهر موضع الضمير للتسجيل عليهم بالكفر والاشعار بأنه معظم أسباب الإحاطة المذكورة وإما جميع الكافرين ويدخل هؤلاء دخولاً أولياً .