ثم قال تعالى : { ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني } يريد ائذن لي في القعود ولا تفتني بسبب الأمر بالخروج ، وذكروا فيه وجوها : الأول : لا تفتني أي لا توقعني في الفتنة وهي الإثم بأن لا تأذن لي ، فإنك إن منعتني من القعود وقعدت بغير إذنك وقعت في الإثم ، وعلى هذا التقدير فيحتمل أن يكونوا ذكروه على سبيل السخرية ، وإن يكونوا أيضا ذكروه على سبيل الجد ، وإن كان ذلك المنافق منافقا كان يغلب على ظنه كون محمد عليه السلام صادقا ، وإن كان غير قاطع بذلك . والثاني : لا تفتني أي لا تلقني في الهلاك فإن الزمان زمان شدة الحر ولا طاقة لي بها . والثالث : لا تفتني فإني إن خرجت معك هلك مالي وعيالي . والرابع : قال الجد بن قيس : قد علمت الأنصار أني مغرم بالنساء فلا تفتني ببنات الأصفر ، يعني نساء الروم ، ولكني أعينك بمال فاتركني ، وقرئ { ولا تفتني } من أفتنه { ألا في الفتنة سقطوا } والمعنى أنهم يحترزون عن الوقوع في الفتنة ، وهم في الحال ما وقعوا إلا في الفتنة ، فإن أعظم أنواع الفتنة الكفر بالله ورسوله ، والتمرد عن قبول التكليف . وأيضا فهم يبقون خالفين عن المسلمين ، خائفين من أن يفضحهم الله ، وينزل آيات في شرح نفاقهم وفي مصحف أبي { سقط } لأن لفظ من موحد اللفظ مجموع المعنى . قال أهل المعاني : وفيه تنبيه على أن من عصى الله لغرض ما ، فإنه تعالى يبطل عليه ذلك الغرض ، ألا ترى أن القوم إنما اختاروا القعود لئلا يقعوا في الفتنة ، فالله تعالى بين أنهم في عين الفتنة واقعون ساقطون .
ثم قال تعالى : { وإن جهنم لمحيطة بالكافرين } قيل : إنها تحيط بهم يوم القيامة . وقيل إن أسباب تلك الإحاطة حاصلة في الحال ، فكأنهم في وسطها . وقال الحكماء المسلمون : إنهم كانوا محرومين من نور معرفة الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وما كانوا يعتقدون لأنفسهم كمالا وسعادة سوى الدنيا وما فيها من المال والجاه ، ثم إنهم اشتهروا بين الناس بالنفاق والطعن في الدين ، وقصد الرسول بكل سوء ، وكانوا يشاهدون أن دولة الإسلام أبدا في الترقي والاستعلاء والتزايد ، وكانوا في أشد الخوف على أنفسهم ، وأولادهم وأموالهم ، والحاصل أنهم كانوا محرومين عن كل السعادات الروحانية ، فكانوا في أشد الخوف ، بسبب الأحوال العاجلة ، والخوف الشديد مع الجهل الشديد ، أعظم أنواع العقوبات الروحانية ، فعبر الله تعالى عن تلك الأحوال بقوله : { وإن جهنم لمحيطة بالكافرين } .
{ وَمنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائذن لِّي } في القعود عن الجهاد { وَلاَ تَفْتِنّى } أي لا توقعني في الفتنة بنساء الروم .
أخرج ابن المنذر . والطبراني . وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج إلى غزوة تبوك قال لجد بن قيس : يا جد بن قيس ما تقول في مجاهدة بني الاصفر ؟ فقال : يا رسول الله إني امرأ صاحب نساء ومتى أرى نساء بني الاصفر أفتتن فائذن لي ولا تفتني فنزلت ، وروي نحوه عن عائشة . وجابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما ، أولا توقعني في المعصية والاثم بمخالفة أمرك في الخروج إلى الجهاد ، وروي هذا عن الحسن . وقتادة . واختاره الجبائي ، وفي الكلام على هذا إشعار بأنه لا محالة متخلف أذن له صلى الله عليه وسلم أو لم يأذن . وفسر بعضهم الفتنة بالضرر أي لا توقعني في ذلك فاني إن خرجت معك هلك مالي وعيالي لعدم من يقوم بمصالحهم ، وقال أبو مسلم : أي لا تعذبني بتكليف الخروج في شدة الحر ، وقرىء { وَلاَ تَفْتِنّى } من أفتنه بمعنى فتنة { أَلا فِى الفتنة } أي في نفسها وعينها وأكمل أفرادها الغنى عن الوصف بالكمال الحقيق باختصاص اسم الجنس به { سَقَطُواْ } لا في شيء مغاير لها فضلاً عن أن يكون مهرباً ومخلصاً عنها ، وذلك بما فعلوا من العزيمة على التخلف والجراءة على هذا الاستئذان والقعود بالإذن المبني عليه وعلى الاعتذارات الكاذبة ، وفي مصحف أبي { سُقِطَ } بالافراد مراعاة للفظ { مِنْ } ولا يخفى ما في تصدير الجملة بأداة التنبيه من التحقيق ، وفي التعبير عن الافتتان بالسقوط في الفتنة تنزيل لها منزلة المهواة المهلكة المفصحة عن ترديهم في دركات الردي أسفل سافلين ، وتقديم الجار والمجرور لا يخفى وجهه { وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بالكافرين } وعيد لهم على ما فعلوا وهو عطف على الجملة السابقة داخل تحت التنبيه ، أي جامعة لهم من كل جانب لا محالة وذلك يوم القيامة ، فالمجاز في اسم الفاعل حيث استعمل في الاستقبال بناء على أنه حقيقة في الحال ، ويحتمل أن يكون المراد أنها حيطة بهم الآن بأن يراد من جهنم أسبابها من الكفر والفتنة التي سقطوا فيها ونحو ذلك مجازاً .
وقد يجعل الكلام تمثيلاً بأن تشبه حالهم في إحاطة الأسباب بحالهم عند إحاطة النار ، وكون الأعمال التي هم فيها هي النار بعينها لكنها ظهرت بصورة الأعمال في هذه النشأة وتظهر بالصورة النارية في النشأة الأخرى كما قيل نظيره في قوله تعالى : { إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً } [ النساء : 10 ] منزع صوفي ، والمراد بالكافرين إما المنافقون المبحوث عنهم ، وإيثار وضع الظاهر موضع الضمير للتسجيل عليهم بالكفر والاشعار بأنه معظم أسباب الإحاطة المذكورة وإما جميع الكافرين ويدخل هؤلاء دخولاً أولياً .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.