ثم إنه تعالى أتبع ذكر الدلائل الفلكية بذكر الدلائل المأخوذة من هذا العالم الأسفل ، فبدأ بذكر الإنسان فقال : { خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها } ودلالة تكون الإنسان على الإله المختار قد سبق بيانها مرارا كثيرة ، فإن قيل كيف جاز أن يقول : { خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها } والزوج مخلوق قبل خلقهم ؟ أجابوا عنه من وجوه الأول : أن كلمة ثم كما تجيء لبيان كون إحدى الواقعتين متأخرة عن الثانية ، فكذلك تجيء لبيان تأخر أحد الكلامين عن الآخر ، كقول القائل بلغني ما صنعت اليوم ، ثم ما صنعت أمس كان أعجب ، ويقول أيضا قد أعطيتك اليوم شيئا ، ثم الذي أعطيتك أمس أكثر الثاني : أن يكون التقدير خلقكم من نفس خلقت وحدها ثم جعل منها زوجها الثالث : أخرج الله تعالى ذرية آدم من ظهره كالذر ثم خلق بعد ذلك حواء .
واعلم أنه تعالى لما ذكر الاستدلال بخلقة الإنسان على وجود الصانع ذكر عقيبه الاستدلال بوجود الحيوان عليه فقال : { وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج } وهي الإبل والبقر والضأن والمعز وقد بينا كيفية دلالة هذه الحيوانات على وجود الصانع في قوله : { والأنعام خلقها لكم فيها دفء } وفي تفسير قوله تعالى : { وأنزل لكم } وجوه : الأول : أن قضاء الله وتقديره وحكمه موصوف بالنزول من السماء لأجل أنه كتب في اللوح المحفوظ كل كائن يكون الثاني : أن شيئا من الحيوان لا يعيش إلا بالنبات والنبات لا يقوم إلا بالماء والتراب ، والماء ينزل من السماء فصار التقدير كأنه أنزلها الثالث : أنه تعالى خلقها في الجنة ثم أنزلها إلى الأرض وقوله : { ثمانية أزواج } أي ذكر وأنثى من الإبل والبقر والضأن والمعز ، والزوج اسم لكل واحد معه آخر ، فإذا انفرد فهو فرد منه قال تعالى : { فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى } .
ثم قال تعالى : { يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق } وفيه أبحاث :
الأول : قرأ حمزة بكسر الألف والميم ، والكسائي بكسر الهمزة وفتح الميم ، والباقون أمهاتكم بضم الألف وفتح الميم .
الثاني : أنه تعالى لما ذكر تخليق الناس من شخص واحد وهو آدم عليه السلام أردفه بتخليق الأنعام ، وإنما خصها بالذكر لأنها أشرف الحيوانات بعد الإنسان ، ثم ذكر عقيب ذكرهما حالة مشتركة بين الإنسان وبين الأنعام وهي كونها مخلوقة في بطون أمهاتهم وقوله : { خلقا من بعد خلق } المراد منه ما ذكره الله تعالى في قوله : { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة في قرار مكين * ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين } وقوله : { في ظلمات ثلاث } قيل : الظلمات الثلاث البطن والرحم والمشيمة وقيل : الصلب والرحم والبطن ووجه الاستدلال بهذه الحالات قد ذكرناه في قوله : { هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء } .
واعلم أنه تعالى لما شرح هذه الدلائل ووصفها قال : { ذلكم الله ربكم } أي : ذلكم الشيء الذي عرفتم عجائب أفعاله هو الله ربكم ، وفي هذه الآية : دلالة على كونه سبحانه وتعالى منزها عن الأجزاء والأعضاء وعلى كونه منزها عن الجسمية والمكانية ، وذلك أنه تعالى عندما أراد أن يعرف عباده ذاته المخصوصة لم يذكر إلا كونه فاعلا لهذه الأشياء ، ولو كان جسما مركبا من الأعضاء لكان تعريفه بتلك الأجزاء والأعضاء تعريفا للشيء بأجزاء حقيقته ، وأما تعريفه بأحواله وأفعاله وآثاره فذلك تعريف له بأمور خارجة عن ذاته . والتعريف الأول أكمل من الثاني ، ولو كان ذلك القسم ممكنا لكان الاكتفاء بهذا القسم الثاني تقصيرا ونقصا وذلك غير جائز ، فعلمنا أن الاكتفاء بهذا القسم إنما حسن لأن القسم الأول محال ممتنع الوجود ، وذلك يدل على كونه سبحانه وتعالى متعاليا عن الجسمية والأعضاء والأجزاء .
ثم قال تعالى : { له الملك } وهذا يفيد الحصر أي له الملك لا لغيره ، ولما ثبت أنه لا ملك إلا له وجب القول بأنه لا إله إلا هو لأنه لو ثبت إله آخر ، فذلك الإله إما أن يكون له الملك أو لا يكون له الملك ، فإن كان له الملك فحينئذ يكون كل واحد منهما مالكا قادرا ويجري بينهما التمانع كما ثبت في قوله : { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } وذلك محال ، وإن لم يكن للثاني شيء من القدرة والملك فيكون ناقصا ولا يصلح للإلهية ، فثبت أنه لما دل الدليل على أنه لا ملك إلا الله ، وجب أن يقال لا إله للعالمين ولا معبود للخلق أجمعين إلا الله الأحد الحق الصمد ، ثم اعلم أنه سبحانه لما بين بهذه الدلائل كمال قدرة الله سبحانه وحكمته ورحمته ، رتب عليه تزييف طريقة المشركين والضالين من وجوه الأول : قوله : { فأنى تصرفون } يحتج به أصحابنا ويحتج به المعتزلة . أما أصحابنا فوجه الاستدلال لهم بهذه الآية : أنها صريحة في أنهم لم ينصرفوا بأنفسهم عن هذه البيانات بل صرفها عنهم غيرهم ، وما ذاك الغير إلا الله ، وأيضا فدليل العقل يقوي ذلك لأن كل واحد يريد لنفسه تحصيل الحق والصواب ، فلما لم يحصل ذلك وإنما حصل الجهل والضلال علمنا أنه من غيره لا منه ، وأما المعتزلة فوجه الاستدلال لهم : أن قوله : { فأنى تصرفون } تعجب من هذا الانصراف ، ولو كان الفاعل لذلك الصرف هو الله تعالى لم يبق لهذا التعجب معنى .
{ خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها } استدلال آخر بما أوجده في العالم السفلي مبدوء به من خلق الإنسان لأنه أقرب وأكثر دلالة وأعجب ، وفيه على ما ذكره ثلاث دلالات : خلق آدم أولا من غير أب وأم ، ثم خلق حواء من قصيراه ، ثم تشعيب الخلق الفائت للحصر منهما . و{ ثم } للعطف على محذوف هو صفة { نفس } مثل خلقها أو على معنى واحدة أي من نفس وحدت ثم جعل منها زوجها فشفعها بها . أو على { خلقكم } لتفاوت ما بين الآيتين ، فإن الأولى عادة مستمرة دون الثانية . وقيل أخرج من ظهره ذريته كالذر ثم خلق منها حواء . { وأنزل لكم } وقضى أو قسم لكم ، فإن قضاياه وقسمه توصف بالنزول من السماء حيث كتبت في اللوح المحفوظ ، أو أحدث لكم بأسباب نازلة كأشعة الكواكب والأمطار . { من الأنعام ثمانية أزواج } ذكر وأنثى من الإبل والبقر والضأن والمعز . { يخلقكم في بطون أمهاتكم } بيان لكيفية ما ذكر من الأناسي والأنعام إظهارا لما فيها من عجائب القدرة ، غير أنه غلب أولي العقل أو خصهم بالخطاب لأنهم المقصودون . { خلقا من بعد خلق } حيوانا سويا من بعد عظام مكسوة لحما من بعد عظام عارية من بعد مضغ من بعد علق من بعد نطف . { في ظلمات ثلاث } ظلمة البطن والرحم والمشيمة ، أو الصلب والرحم والبطن . { ذلكم } الذي هذه أفعاله . { الله ربكم } هو المستحق لعبادتكم والمالك . { له الملك لا إله إلا هو } إذ لا يشاركه في الخلق غيره . { فأني تصرفون } يعدل بكم عن عبادته إلى الإشراك .
ومن عزته أن { خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ } على كثرتكم وانتشاركم ، في أنحاء الأرض ، { ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا } وذلك ليسكن إليها وتسكن إليه ، وتتم بذلك النعمة . { وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ } أي : خلقها بقدر نازل منه ، رحمة بكم . { ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ } وهي التي ذكرها في سورة الأنعام { ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين } { ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين }
وخصها بالذكر ، مع أنه أنزل لمصالح عباده من البهائم غيرها ، لكثرة نفعها ، وعموم مصالحها ، ولشرفها ، ولاختصاصها بأشياء لا يصلح غيرها ، كالأضحية والهدي ، والعقيقة ، ووجوب الزكاة فيها ، واختصاصها بالدية .
ولما ذكر خلق أبينا وأمنا ، ذكر ابتداء خلقنا ، فقال : { يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ } أي : طورا بعد طور ، وأنتم في حال لا يد مخلوق تمسكم ، ولا عين تنظر إليكم ، وهو قد رباكم في ذلك المكان الضيق { فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ } ظلمة البطن ، ثم ظلمة الرحم ، ثم ظلمة المشيمة ، { ذَلِكُمْ } الذي خلق السماوات والأرض ، وسخر الشمس والقمر ، وخلقكم وخلق لكم الأنعام والنعم { اللَّهُ رَبُّكُمْ } أي : المألوه المعبود ، الذي رباكم ودبركم ، فكما أنه الواحد في خلقه وتربيته لا شريك له في ذلك ، فهو الواحد في ألوهيته ، لا شريك له ، ولهذا قال : { لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ } .