نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي  
{خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ ثُمَّ جَعَلَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ ثَمَٰنِيَةَ أَزۡوَٰجٖۚ يَخۡلُقُكُمۡ فِي بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ خَلۡقٗا مِّنۢ بَعۡدِ خَلۡقٖ فِي ظُلُمَٰتٖ ثَلَٰثٖۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ لَهُ ٱلۡمُلۡكُۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَأَنَّىٰ تُصۡرَفُونَ} (6)

ولما كان خلق الحيوان أدل على الوحدانية والقهر بما خالف به الجمادات من الحياة التي لا يقدر على الانفكاك عنها قبل أجله ، وبما له من أمور اضطرارية لا محيص له عنها ، وأمور اختيارية موكولة في الظاهر إلى مشيئته ، وكان أعجبه خلقاً الإنسان بما له من قوة النطق ، قال دالاً على ما دل عليه بخلق الخافقين لافتاً القول إلى خطاب النوع كله إيذاناً بتأهلهم للخطاب ، وترقيهم في عُلا الأسباب ، من غير عطف إيذاناً بأن كلاًّ من خلقهم وخلق ما قبلهم مستقل بالدلالة على ما سيق له : { خلقكم } أي أيها الناس المدعون لإلهية غيره { من نفس واحدة } هي آدم عليه السلام .

ولما كان إيجادنا منها بعد شق الأنثى منها ، قال عاطفاً على ما تقديره : أوجدها من تراب ، مبيناً بلفظ الجعل أن الذكر هو سببها ومادتها منبهاً بأداة التراخي على القهر الذي السياق له بالتراخي في الزمان بتأخير المسبب عن سببه المقتضي له إلى حين مشيئته لأن إيجادها منه كان بعد مدة من إيجاده ، والأصل في الأسباب ترتب المسببات عليها من غير مهلة وعلى التراخي في الرتبة أيضاً بأن ذلك - لكونه شديد المباينة لأصله - من أعجب العجب : { ثم } أي بعد حين ، وعبر بالجعل لأنه كافٍ في نفي الشركة التي هذا أسلوبها وليبين أنه ما خلق آدم عليه السلام إلا ليكون سبباً لما يحدث عنه من الذرية ليترتب على ذلك إظهار ما له سبحانه من صفات الكمال فقال : { جعل منها } أي تلك النفس { زوجها } أي ونقلكم بعد خلقكم منه إليها ثم أبرزكم إلى الوجود الخارجي منها ، ويجوز - وهو أحسن - أن يكون المعنى لأن السياق لإحاطة العلم المدلول عليه بإنزال الكتاب وما تبعه : قدر خلقكم على ما أنتم عليه من العدد والألوان وجميع الهيئات حين خلق آدم بأن هيأه لأن تفيضوا منه ، فلا تزيدون على ما قدره شيئاً ولا تنقصون وأن تفيض منه زوجه ، وذلك قبل خلق حواء منه ، ثم أوجدها فكان الفيض منها فيضاً منه فالكل منه ، ولهذا ورد الحديث في مسند أحمد بن منيع عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " خلق الله آدم يوم خلقه وضرب على كتفه اليمنى فأخرج ذرية بيضاء كأنهم الذر ، وضرب كتفه اليسرى فأخرج ذرية سوداء كأنهم الحمم ، فقال للذي في يمينه : إلى الجنة ولا أبالي ، وقال للذي في يساره : إلى النار ولا أبالي " .

ولما كان تنويع الحيوان إلى أنواع متباينة أدل على القدرة التي هي منشأ القهر ، وكان سبحانه موصوفاً بالعلو ، وكان أكثر الأنعام أشد من الإنسان ، فكان تسخيره له وتذليله إنزالاً له عن قوته وإيهاناً لشدته ، قال دالاً على ذلك الإنشاء والجعل بلفظ الإنزال : { وأنزل لكم } أي خاصة { من الأنعام } أي الإبل بنوعيها ، والبقر كذلك ، والضأن والمعز . ولما لم يكن عند العرب البخاتي والجواميس لم يذكرها سبحانه ، واقتصر على ما عندهم ، وقال : { ثمانية أزواج } أي من كل نوع زوجين ذكراً وأنثى ، والزوج اسم لواحد معه آخر لا يكمل نفعه إلا به ، وإذا نظرت هذه العبارة مع العبارة عن خلق الإنسان فهمت أن الأنعام خلق كل من ذكرها وأنثاها على انفراده ، لا أن أحداً منها من صاحبه ، وذلك أدل على إطلاق التصرف وتنويعه مما لو جعل خلقها مثل خلق الآدمي .

ولما كان تكوينهم في تطويرهم عجباً قال مستأنفاً بياناً لما أجمل قبل : { يخلقكم } أي يقدر إيجادكم أنتم والأنعام على ما أنتم عليه من أخلاط العناصر { في بطون أمهاتكم } ولما كان تطوير الخلق داخل البطن حيث لا تصل إليه يد مخلوق ولا بصره ، قال دالاً على عظمته ودلالته على تمام القدرة والقهر : { خلقاً } ودل على تكوينه شيئاً بعد شيء بإثبات الحرف فقال : { من بعد خلق } أي في تنقلات الأطوار وتقلبات الأدوار . ولما كان الحيوان لا يعرف ما هو إلا في التطوير الرابع ، وكان الجهل ظلمة قال : { في ظلمات ثلاث } ظلمة النطفة ثم العلقة ثم المضغة ، فإذا صار عظاماً مكسوة لحماً عرف هل هو ذكر أو أنثى فزالت عنه ظلمات الجهل ، وصار خلقاً آخر ، وقيل ؛ ظلمة البطن والرحم والمشيمة - نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما وعزاه ابن أبي الدنيا في كتاب القناعة إلى عيسى ابن مريم عليه السلام .

ولما ثبت له سبحانه كمال العظمة والقهر ، قال مستأنفاً ما أنتجه الكلام السابق معظماً باداة البعد وميم الجمع : { ذلكم } أي العالي المراتب بشهادتكم أيها الخلق كلكم ، بعضكم بلسان قاله ، وبعضكم بناطق حاله ، الذي جميع ما ذكر من أول السورة إلى هنا أفعاله ، ولما أشار إلى عظمته بأداة البعد ، أخبر عن اسم الإشارة فقال : { الله } أي الجامع لجميع صفات الكمال ، ونبه على جهلهم مما يعلمون من ربوبيته لعملهم بالشرك عمل جاهل بذلك فقال واصفاً : { ربكم } أي المالك والمربي لكم بالخلق والرزق . ولما كان المربي قد لا يكون ملكاً قال نتيجة لما سبق : { له } أي وحده { الملك } ولما كان المختص بالملك قد لا يكون إلهاً ، قال مثبتاً له الإلهية على ما يقتضيه من الوحدانية وهو بمنزلة نتيجة النتيجة : { لا إله إلا هو } .

ولما تكفل هذا السياق بوجوب الإخلاص في الإقبال عليه والإعراض عما سواه ، لأن الكل تحت قهره ، وشمول نهيه وأمره ، سبب عنه قوله : { فأنى } أي فكيف ومن أي وجه { تصرفون * } أي قهراً عن الإخلاص له إلى الإشراك به بصارف ما وإن كان عظيماً ، ونبه بالبناء للمفعول مع هذا على أنهم مقهورون في فعل ما هم عليه لأنهم تابعون للهلاك المحض ، تاركون للأدلة التي لا خفاء في شيء منها ، ومعلوم أنه لا يترك أحد الدليل في الفيافي المعطشة الذي إن تركه هلك إلا قهراً ؛ وأن الناس هيئوا لطريق الهدى بما خلقوا عليه من أحسن تقويم بسلامة الفطر واستقامة العقول ، وأشار إلى هذا لأنهم يأنفون من النسبة إلى القهر وأن يفعلوا شيئاً بغير اختيار لما عندهم من الأنفة وعلو الهمم والعظمة .