مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{۞وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا غَنِمۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمۡ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا يَوۡمَ ٱلۡفُرۡقَانِ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ} (41)

قوله تعالى : { واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير }

اعلم أنه تعالى لما أمر بالمقاتلة في قوله : { وقاتلوهم } وكان من المعلوم أن عند المقاتلة قد تحصل الغنيمة ، لا جرم ذكر الله تعالى حكم الغنيمة ، وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : الغنم : الفوز بالشيء ، يقال : غنم يغنم غنما فهو غانم ، والغنيمة في الشريعة ما دخلت في أيدي المسلمين من أموال المشركين على سبيل القهر بالخيل والركاب .

المسألة الثانية : قال صاحب «الكشاف » : { ما } في قوله : { ما غنمتم من شيء } موصولة وقوله : { من شيء } يعني أي شيء كان حتى الخيط والمخيط { فأن لله } خبر مبتدأ محذوف تقديره : فحق أو فواجب أن لله خمسه ، وروى النخعي عن ابن عمر { فأن لله خمسه } بالكسر ، وتقديره : على قراءة النخعي فلله خمسه والمشهور آكد وأثبت للإيجاب ، كأنه قيل : فلا بد من إثبات الخمس فيه ، ولا سبيل إلى الإخلال به ، وذلك لأنه إذا حذف الخبر واحتمل وجوها كثيرة من المقدرات كقولك ثابت : واجب ، حق ، لازم ، كان أقوى لإيجابه من النص على واحد ، وقرئ { خمسه } بالسكون .

المسألة الثالثة : في كيفية قسمة الغنائم .

اعلم أن هذه الآية تقتضي أن يؤخذ خمسها ، وفي كيفية قسمة ذلك الخمس قولان :

القول الأول : وهو المشهور أن ذلك الخمس يخمس ، فسهم لرسول الله ، وسهم لذوي قرباه من بني هاشم وبني المطلب ، دون بني عبد شمس وبني نوفل ، لما روي عن عثمان وجبير بن مطعم أنهما قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : هؤلاء إخوتك بنو هاشم لا ينكر فضلهم لكونك منهم أرأيت إخواننا بني المطلب أعطيتهم وحرمتنا ، وإنما نحن وهم بمنزلة واحدة ، فقال عليه السلام : " إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد وشبك بين أصابعه " وثلاثة أسهم لليتامى والمساكين وابن السبيل ، وأما بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ، فعند الشافعي رحمه الله : أنه يقسم على خمسة أسهم ، سهم لرسول الله ، يصرف إلى ما كان يصرفه إليه من مصالح المسلمين ، كعدة الغزاة من الكراع والسلاح ، وسهم لذوي القربى من أغنيائهم وفقرائهم يقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين ، والباقي للفرق الثلاثة وهم : اليتامى ، والمساكين ، وابن السبيل . وقال أبو حنيفة رحمه الله : إن بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام سهمه ساقط بسبب موته ، وكذلك سهم ذوي القربى ، وإنما يعطون لفقرهم ، فهم أسوة سائر الفقراء ، ولا يعطى أغنياؤهم فيقسم على اليتامى والمساكين وابن السبيل . وقال مالك : الأمر في الخمس مفوض إلى رأي الإمام إن رأى قسمته على هؤلاء فعل ، وإن رأى إعطاء بعضهم دون بعض ، فله ذلك .

واعلم أن ظاهر الآية مطابق لقول الشافعي رحمه الله وصريح فيه ، فلا يجوز العدول عنه إلا لدليل منفصل أقوى منها ، وكيف وقد قال في آخر الآية : { إن كنتم آمنتم بالله } يعني : إن كنتم آمنتم بالله فاحكموا بهذه القسمة ، وهو يدل على أنه متى لم يحصل الحكم بهذه القسمة ، لم يحصل الإيمان بالله .

والقول الثاني : وهو قول أبي العالية : إن خمس الغنيمة يقسم على ستة أقسام ، فواحد منها لله ، وواحد لرسول الله ، والثالث لذوي القربى ، والثلاثة الباقية لليتامى والمساكين وابن السبيل قالوا : والدليل عليه أنه تعالى جعل خمس الغنيمة لله ، ثم للطوائف الخمسة ، ثم القائلون بهذا القول منهم من قال : يصرف سهم الله إلى الرسول ، ومنهم من قال : يصرف إلى عمارة الكعبة . وقال بعضهم : إنه عليه السلام كان يضرب يده في هذا الخمس ، فما قبض عليه من شيء جعله للكعبة ، وهو الذي سمى لله تعالى .

والقائلون بالقول الأول أجابوا عنه : بأن قوله : { لله } ليس المقصود منه إثبات نصيب لله . فإن الأشياء كلها ملك لله وملكه ، وإنما المقصود منه افتتاح الكلام بذكر الله على سبيل التعظيم ، كما في قوله : { قل الأنفال لله والرسول } واحتج القفال على صحة هذا القول بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه قال لهم في غنائم خيبر : " مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم " فقوله : مالي إلا الخمس يدل على أن سهم الله وسهم الرسول واحد ، وعلى الإضمام سهمه السدس لا الخمس ، وإن قلنا : إن السهمين يكونان للرسول . صار سهمه أزيد من الخمس ، وكلا القولين ينافي ظاهر قوله : «مالي إلا الخمس » هذا هو الكلام في قسمة خمس الغنيمة ، وأما الباقي وهو أربعة أخماس الغنيمة فهي للغانمين . لأنهم الذين حازوه واكتسبوه كما يكتسب الكلأ بالاحتشاش ، والطير بالاصطياد ، والفقهاء استنبطوا من هذه الآية مسائل كثيرة مذكورة في كتب الفقه .

المسألة الرابعة : دلت الآية على أنه يجوز قسمة الغنائم في دار الحرب ، كما هو قول الشافعي رحمه الله ، والدليل عليه : أن قوله : { فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل } يقتضي ثبوت الملك لهؤلاء في الغنيمة ، وإذا حصل الملك لهم فيه ، وجب جواز القسمة لأنه لا معنى للقسمة على هذا التقدير إلا صرف الملك إلى المالك ، وذلك جائز بالاتفاق .

المسألة الخامسة : اختلفوا في ذوي القربى . قيل : هم بنو هاشم . وقال الشافعي رحمه الله : هم بنو هاشم وبنو المطلب . واحتج بالخبر الذي رويناه . وقيل : آل علي ، وجعفر ، وعقيل ، وآل عباس ، وولد الحرث بن عبد المطلب ، وهو قول أبي حنيفة .

المسألة السادسة : حكى صاحب «الكشاف » عن الكلبي : أن هذه الآية نزلت ببدر . وقال الواقدي رحمه الله : كان الخمس في غزوة بني قينقاع بعد بدر بشهر وثلاثة أيام للنصف من شوال على رأس عشرين شهرا من الهجرة .

ثم قال تعالى : { إن كنتم آمنتم بالله } والمعنى اعلموا أن خمس الغنيمة مصروف إلى هذه الوجوه الخمسة فاقطعوا عنه أطماعكم واقنعوا بالأخماس الأربعة { إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا } يعني : إن كنتم آمنتم بالله وبالمنزل على عبدنا يوم الفرقان ، يوم بدر . والجمعان : الفريقان من المسلمين والكافرين ، والمراد منه ما أنزل عليه من الآيات ، والملائكة ، والفتح في ذلك اليوم { والله على كل شيء قدير } أي يقدر على نصركم وأنتم قليلون ذليلون والله أعلم .

 
أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{۞وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا غَنِمۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمۡ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا يَوۡمَ ٱلۡفُرۡقَانِ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ} (41)

{ واعلموا أنما غنمتم } أي الذي أخذتموه من الكفار قهرا . { من شيء } مما يقع عليه اسم الشيء حتى الخيط . { فأن لله خُمسه } مبتدأ خبره محذوف أي : فثابت أن لله خمسه . وقرئ فإن بالكسر والجمهور على أن ذكر الله للتعظيم كما في قوله : { والله ورسوله أحق أن يرضوه } . وأن المراد قسم الخمس على الخمسة المعطوفين { وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل } فكأنه قال : فأن لله خمسه يصرف إلى هؤلاء الأخصين به . وحكمه بعد ، باق غير أن سهم الرسول صلوات الله وسلامه عليه يصرف إلى ما كان يصرفه إليه من مصالح المسلمين كما فعله الشيخان رضي الله تعالى عنهما . وقيل إلى الإمام . وقيل إلى الأصناف الأربعة . وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه :سقط سهمه وسهم ذوي القربى بوفاته وصار الكل مصروفا إلى الثلاثة الباقية . وعن مالك رضي الله تعالى عنه الأمر فيه مفوض إلى رأي الإمام يصرفه إلى ما يراه أهم ، وذهب أبو العالية إلى ظاهر الآية فقال :يقسم ستة أقسام ويصرف سهم الله إلى الكعبة لما روي ( أنه عليه الصلاة والسلام كان يأخذ قبضة منه فيجعلها للكعبة ثم يقسم ما بقي على خمسة ) . وقيل : سهم الله لبيت المال . وقيل هو مضموم إلى سهم الرسول صلى الله عليه وسلم . ذوو القربى : بنو هاشم ، وبنو المطلب . لما روي أنه عليه الصلاة والسلام قسم سهم ذوي القربى عليهما فقال له عثمان وجبير بن مطعم رضي الله عنهما : هؤلاء إخوتك بنو هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذي جعلك الله منهم ، أرأيت إخواننا من بني المطلب أعطيتهم وحرمتنا وإنما نحن وهم بمنزلة واحدة ، فقال عليه الصلاة والسلام : " إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام . وشبك بين أصابعه " . وقيل بنو هاشم وحدهم . وقيل جميع قريش الغني والفقير فيه سواء . وقيل هو مخصوص بفقرائهم كسهم ابن السبيل . وقيل : الخمس كله لهم . والمراد باليتامى والمساكين وابن السبيل من كان منهم والعطف للتخصيص . والآية نزلت ببدر . وقيل الخمس كان في غزوة بني قينقاع بعد بدر بشهر وثلاثة أيام للنصف من شوال على رأس عشرين شهرا من الهجرة . { إن كنتم آمنتم بالله } متعلق بمحذوف دل عليه { واعلموا } أي : إن كنتم آمنتم بالله فعلموا أنه جعل الخمس لهؤلاء فسلموه إليهم واقتنعوا بالأخماس الأربعة الباقية ، فإن العلم العملي إذا أمر به لم يرد منه العلم المجرد لأنه مقصود بالعرض والمقصود بالذات هو العمل . { وما أنزلنا على عبدنا } محمد صلى الله عليه وسلم من الآيات والملائكة والنصر . وقرئ { عبدنا } بضمتين أي الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين . { يوم الفرقان } يوم بدر فإنه فرق فيه بين الحق والباطل . { يوم التقى الجمعان } المسلمون والكافرون . { والله على كل شيء قدير } فيقدر على نصر القليل على الكثير والإمداد بالملائكة .