مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَٰهَرُوهُم مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مِن صَيَاصِيهِمۡ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعۡبَ فَرِيقٗا تَقۡتُلُونَ وَتَأۡسِرُونَ فَرِيقٗا} (26)

قوله تعالى : { وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا }

أي عاونوهم من أهل الكتاب وهم بنو قريظة من صياصيهم من قلاعهم وقذف في قلوبهم الرعب حتى سلموا أنفسهم للقتل وأولادهم ونسائهم للسبي فريقا تقتلون وهم الرجال ، وتأسرون فريقا وهم الصبيان والنسوان ، فإن قيل هل في تقديم المفعول حيث قال { فريقا تقتلون } وتأخيره حيث قال : { وتأسرون فريقا } فائدة ؟ قلت قد أجبنا أن ما من شيء من القرآن إلا وله فوائد منها ما يظهر ومنها ما لا يظهر ، والذي يظهر من هذا والله أعلم أن القائل يبدأ بالأهم فالأهم والأعرف فالأعرف والأقرب فالأقرب ، والرجال كانوا مشهورين فكان القتل واردا عليهم والأسرى كانوا هم النساء والصغار ولم يكونوا مشهورين والسبي والأسر أظهر من القتل لأنه يبقى فيظهر لكل أحد أنه أسير فقدم من المحلين ما هو أشهر على الفعل القائم به وما هو أشهر من الفعلين قدمه على المحل الأخفى ، وإن شئنا نقول بعبارة توافق المسائل النحوية فنقول قوله : { فريقا تقتلون } فعل ومفعول والأصل في الجمل الفعلية تقديم الفعل على المفعول والفاعل ، أما أنها جملة فعلية فلأنها لو كانت إسمية لكان الواجب في فريق الرفع وكان يقول فريق منهم تقتلونهم فلما نصب كان ذلك بفعل مضمر يفسره الظاهر تقديره تقتلون فريقا تقتلون والحامل على مثل هذا الكلام شدة الاهتمام ببيان المفعول ، وههنا كذلك لأنه تعالى لما ذكر حال الذين ظاهروهم وأنه قذف في قلوبهم الرعب فلو قال تقتلون إلى أن يسمع السامع مفعول تقتلون يكون زمان وقد يمنعه مانع فيفوته فلا يعلم أنهم هم المقتولون ، فأما إذا قال فريقا مع سبق في قلوبهم الرعب إلى سمعه يستمع إلى تمام الكلام وإذا كان الأول فعلا ومفعولا قدم المفعول لفائدة عطف الجملة الثانية عليها على الأصل فعدم تقديم الفعل لزوال موجب التقديم إذا عرف حالهم وما يجئ بعده يكون مصروفا إليهم ، ولو قال بعد ذلك وفريقا تأسرون فمن سمع فريقا ربما يظن أن يقال فيهم يطلقون ، أو لا يقدرون عليهم فكان تقديم الفعل ههنا أولى ، وكذلك الكلام في قوله : { وأنزل الذين ظاهروهم } وقوله : { وقذف } فإن قذف الرعب قبل الإنزال لأن الرعب صار سبب الإنزال ، ولكن لما كان الفرح في إنزالهم أكثر ، قدم الإنزال على قذف الرعب ، والله أعلم .

 
صفوة البيان لحسين مخلوف - حسنين مخلوف [إخفاء]  
{وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَٰهَرُوهُم مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مِن صَيَاصِيهِمۡ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعۡبَ فَرِيقٗا تَقۡتُلُونَ وَتَأۡسِرُونَ فَرِيقٗا} (26)

{ وأنزل الذين ظاهروهم . . . } وأنزل يهود قريظة الذين عاونوا الأحزاب على قتال المسلمين ، ونقضوا العهد الذي كان بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم غدرا وخيانة . { من صياصيهم } أي من حصونهم جمع صيصية وهي كل ما يتحصن به ؛ ومنه قيل لقرن الثور والظبي وشوكة الديك التي في رجله : صيصية ؛ لتحصّنها بها . وكان ذلك إثر غزوة الخندق في آخر ذي القعدة ، وقد حاصرهم الرسول صلى الله عليه وسلم خمسا وعشرين ليلة ، ثم طلبوا حين اشتد البلاء عليهم أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ ورضي بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحكم فيهم أن تقتل الرجال ، وتقسم الأموال ، وتسبى الذراري والنساء ؛ فكبّر النبي صلى الله عليه وسلم وقال : ( لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة ) . فكان القتلى منهم على ما قيل ستمائة أو سبعمائة مقاتل .