مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{فَٱلۡيَوۡمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنۡ خَلۡفَكَ ءَايَةٗۚ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنۡ ءَايَٰتِنَا لَغَٰفِلُونَ} (92)

ثم قال تعالى : { فاليوم ننجيك ببدنك } وفيه وجوه : الأول : { ننجيك ببدنك } أي نلقيك بنجوة من الأرض وهي المكان المرتفع . الثاني : نخرجك من البحر ونخلصك مما وقع فيه قومك من قعر البحر ، ولكن بعد أن تغرق . وقوله : { ببدنك } في موضع الحال ، أي في الحال التي أنت فيه حينئذ لا روح فيك . الثالث : أن هذا وعد له بالنجاة على سبيل التهكم ، كما في قوله : { فبشرهم بعذاب أليم } كأنه قيل له ننجيك لكن هذه النجاة إنما تحصل لبدنك لا لروحك ، ومثل هذا الكلام قد يذكر على سبيل الاستهزاء كما يقال : نعتقك ولكن بعد الموت ، ونخلصك من السجن ولكن بعد أن تموت . الرابع : قرأ بعضهم { ننحيك } بالحاء المهملة ، أي نلقيك بناحية مما يلي البحر ، وذلك أنه طرح بعد الغرق بجانب من جوانب البحر . قال كعب : رماه الماء إلى الساحل كأنه ثور .

وأما قوله : { ببدنك } ففيه وجوه : الأول : ما ذكرنا أنه في موضع الحال ، أي في الحال التي كنت بدنا محضا من غير روح . الثاني : المراد ننجيك ببدنك كاملا سويا لم تتغير . الثالث : { ننجيك ببدنك } أي نخرجك من البحر عريانا من غير لباس . الرابع : { ننجيك ببدنك } أي بدرعك ، قال الليث : البدن هو الدرع الذي يكون قصير الكمين ، فقوله : { ببدنك } أي بدرعك ، وهذا منقول عن ابن عباس قال : كان عليه درع من ذهب يعرف بها ، فأخرجه الله من الماء مع ذلك الدرع ليعرف . أقول : إن صح هذا فقد كان ذلك معجزة لموسى عليه السلام .

وأما قوله : { لتكون لمن خلفك آية } ففيه وجوه : الأول : أن قوما ممن اعتقدوا فيه الإلهية لما لم يشاهدوا غرقه كذبوا بذلك وزعموا أن مثله لا يموت ، فأظهر الله تعالى أمره بأن أخرجه من الماء بصورته حتى شاهدوه وزالت الشبهة عن قلوبهم . وقيل كان مطرحه على ممر بني إسرائيل . الثاني : لا يبعد أنه تعالى أراد أن يشاهده الخلق على ذلك الذل والمهانة بعد ما سمعوا منه قوله { أنا ربكم الأعلى } ليكون ذلك زجرا للخلق عن مثل طريقته ، ويعرفوا أنه كان بالأمس في نهاية الجلالة والعظمة ثم آل أمره إلى ما يرون . الثالث : قرأ بعضهم { لمن خلقك } بالقاف أي لتكون لخالقك آية كسائر آياته . الرابع : أنه تعالى لما أغرقه مع جميع قومه ثم إنه تعالى ما أخرج أحدا منهم من قعر البحر ، بل خصه بالإخراج كان تخصيصه بهذه الحالة العجيبة دالا على كمال قدرة الله تعالى وعلى صدق موسى عليه السلام في دعوى النبوة .

وأما قوله : { وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون } فالأظهر أنه تعالى لما ذكر قصة موسى وفرعون وذكر حال عاقبة فرعون وختم ذلك بهذا الكلام . وخاطب به محمدا عليه الصلاة والسلام فيكون ذلك زاجرا لأمته عن الإعراض عن الدلائل ، وباعثا لهم على التأمل فيها والاعتبار بها ، فإن المقصود من ذكر هذه القصص حصول الاعتبار ، كما قال تعالى : { لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب }

 
المنتخب في تفسير القرآن الكريم للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية - المنتخب [إخفاء]  
{فَٱلۡيَوۡمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنۡ خَلۡفَكَ ءَايَةٗۚ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنۡ ءَايَٰتِنَا لَغَٰفِلُونَ} (92)

92- واليوم الذي هلكت فيه نُخرج جثتك من البحر ، ونبعثها لتكون عظة وعبرة لمن كانوا يعبدونك ، ولا ينتظرون لك مثل هذه النهاية المؤلمة المخزية ، ولكن كثيراً من الناس يغفلون عن البينات الباهرة في الكون التي تثبت قدرتنا{[92]} .


[92]:يظهر أن الآية الكريمة تشير إلى أن جسم فرعون سيبقى محفوظا ليراه الناس ويعتبروا برؤية ذلك الحطام الرميم لمن كان يعتبر نفسه إلها، ويقول لقومه الخانعين ليس لكم من إله غيري. هذا ويلاحظ أن خروج بني إسرائيل من مصر قد وقع في أواخر القرن الثالث عشر قبل الميلاد في عهد أحد فراعنة الأسرة التاسعة عشرة وهو منفتاح بن رمسيس الثاني الذي سخر بني إسرائيل في بناء عاصمة ملكه. وقد دلت الكشوف التاريخية الحديثة على أن اسم هذه المدينة المطمورة "بورعمسس" وكان خروج بني إسرائيل مع موسى للدعوة إلى الوحدانية، ولخلع ربقة فرعون الذي يسخرهم ويذيقهم سوء العذاب، أليس هذا دليلا على أنه من عبد الله؟
 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{فَٱلۡيَوۡمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنۡ خَلۡفَكَ ءَايَةٗۚ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنۡ ءَايَٰتِنَا لَغَٰفِلُونَ} (92)

( فاليوم ننجيك ببدنك ) . .

لا تأكله الأسماك ، ولا يذهب منكراً مع التيار لا يعرف للناس . ذلك ليدرك من وراءك من الجماهير كيف كان مصيرك :

( لتكون لمن خلفك آية ) . .

يتعظون بها ويعتبرون ، ويرون عاقبة التصدي لقوة اللّه ووعيده بالتكذيب :

( وإن كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون ) . .

لا يوجهون إليها قلوبهم وعقولهم ، ولا يتدبرونها في الآفاق وفي أنفسهم .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{فَٱلۡيَوۡمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنۡ خَلۡفَكَ ءَايَةٗۚ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنۡ ءَايَٰتِنَا لَغَٰفِلُونَ} (92)

{ 92 } { فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً }

قال المفسرون : إن بني إسرائيل لما في قلوبهم من الرعب العظيم ، من فرعون ، كأنهم لم يصدقوا بإغراقه ، وشكوا في ذلك ، فأمر الله البحر أن يلقيه على نجوة مرتفعة ببدنه ، ليكون لهم عبرة وآية .

{ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ } فلذلك تمر عليهم وتتكرر فلا ينتفعون بها ، لعدم إقبالهم عليها .

وأما من له عقل وقلب حاضر ، فإنه يرى من آيات الله ما هو أكبر دليل على صحة ما أخبرت به الرسل .