مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَفِي ٱلۡأَرۡضِ قِطَعٞ مُّتَجَٰوِرَٰتٞ وَجَنَّـٰتٞ مِّنۡ أَعۡنَٰبٖ وَزَرۡعٞ وَنَخِيلٞ صِنۡوَانٞ وَغَيۡرُ صِنۡوَانٖ يُسۡقَىٰ بِمَآءٖ وَٰحِدٖ وَنُفَضِّلُ بَعۡضَهَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فِي ٱلۡأُكُلِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ} (4)

قوله تعالى : { وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون } .

وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : اعلم أن المقصود من هذه الآية إقامة الدلالة على أنه لا يجوز أن يكون حدوث الحوادث في هذا العالم لأجل الاتصالات الفلكية ، والحركات الكوكبية ، وتقريره من وجهين ، الأول : أنه حصل في الأرض قطع مختلفة بالطبيعة والماهية وهي مع ذلك متجاورة ، فبعضها تكون سبخية ، وبعضها تكون رخوة ، وبعضها تكون صلبة ، وبعضها تكون منبتة ، وبعضها تكون حجرية أو رملية وبعضها يكون طينا لزجا ، ثم إنها متجاورة وتأثير الشمس وسائر الكواكب في تلك القطع متساوية ، فدل هذا على أن اختلافها في صفاتها بتقدير العليم القدير . والثاني : أن القطعة الواحدة من الأرض تسقى بماء واحد فيكون تأثير الشمس فيها متساويا ، ثم إن تلك الثمار تجيء مختلفة في الطعم واللون والطبيعة والخاصية حتى أنك قد تأخذ عنقودا من العنب فيكون جميع حباته حلوة ناضجة إلا حبة واحدة فإنها بقيت حامضة يابسة ، ونحن نعلم بالضرورة أن نسبة الطباع والأفلاك للكل متساوية ، بل نقول : ههنا ما هو أعجب منه ، وهو أنه يوجد في بعض أنواع الورد ما يكون أحد وجهيه في غاية الحمرة ، والوجه الثاني في غاية السواد مع أن ذلك الورد يكون في غاية الرقة والنعومة فيستحيل أن يقال : وصل تأثير الشمس إلى أحد طرفيه دون الثاني ، وهذا يدل دلالة قطعية على أن الكل بتدبير الفاعل المختار ، لا بسبب الاتصالات الفلكية وهو المراد من قوله سبحانه وتعالى : { يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل } فهذا تمام الكلام في تقرير هذه الحجة وتفسيرها وبيانها .

واعلم أن بذكر هذا الجواب قد تمت الحجة فإن هذه الحوادث السفلية لا بد لها من مؤثر ، وبينا أن ذلك المؤثر ليس هو الكواكب والأفلاك والطبائع فعند هذا يجب القطع بأنه لا بد من فاعل آخر سوى هذه الأشياء ، وعندها يتم الدليل ، ولا يبقى بعده للفكر مقام البتة ، فلهذا السبب قال ههنا : { إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون } لأنه لا دافع لهذه الحجة إلا أن يقال : إن هذه الحوادث السفلية حدثت بدون مؤثر البتة ، وذلك يقدح في كمال العقل ، لأن العلم بافتقار الحادث إلى المحدث لما كان علما ضروريا كان عدم حصول هذا العلم قادحا في كمال العقل فلهذا قال : { إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون } وقال في الآية المتقدمة : { إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون } فهذه اللطائف نفيسة من أسرار علم القرآن ونسأل الله العظيم أن يجعل الوقوف عليها سببا للفوز بالرحمة والغفران .

المسألة الثانية : قوله : { وفى الأرض قطع متجاورات } قال أبو بكر الأصم : أرض قريبة من أرض أخرى ، واحدة طيبة ، وأخرى سبخة ، وثالثة حرة ، ورابعة رملة ، وخامسة تكون حصباء ، وسادسة تكون حمراء . وسابعة تكون سوداء . وبالجملة فاختلاف بقاع الأرض في الارتفاع والانخفاض والطباع والخاصية أمر معلوم ، وفي بعض المصاحف { قطعا متجاورات } والتقدير : وجعل فيها رواسي وجعل في الأرض قطعا متجاورات . وأما قوله : { وجنات من أعناب وزرع ونخيل } فنقول : الجنة البستان الذي يحصل فيه النخل والكرم والزرع وتحفه تلك الأشجار والدليل عليه قوله تعالى :

{ جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا } قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم : { وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان } كلها بالرفع عطفا على قوله ( وجنات ) والباقون بالجر عطفا على الأعناب . وقرأ حفص عن عاصم في رواية القواس : ( صنوان ) بضم الصاد والباقون بكسر الصاد وهما لغتان ، والصنوان جمع صنو مثل قنوان وقنو ويجمع على أصناء مثل اسم وأسماء . فإذا كثرت فهو الصني ، والصني بكسر الصاد وفتحها ، والصنو أن يكون الأصل واحدا وتنبت فيه النخلتان والثلاثة فأكثر فكل واحدة صنو . وذكر ثعلب عن ابن الأعرابي : الصنو المثل ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : « ألا إن عم الرجل صنو أبيه » أي مثله .

إذا عرفت هذا فنقول : إذا فسرنا الصنو بالتفسير الأول كان المعنى : أن النخيل منها ما ينبت من أصل واحد شجرتان وأكثر ومنها ما لا يكون كذلك ، وإذا فسرناه بالتفسير الثاني كان المعنى : أن أشجار النخيل قد تكون متماثلة متشابهة ، وقد لا تكون كذلك .

ثم قال تعالى : { تسقى بماء واحد } قرأ عاصم وابن عامر ( يسقى ) بالياء على تقدير يسقى كله أو لتغليب المذكر على المؤنث ، والباقون بالتاء لقوله : ( جنات ) قال أبو عمرو : ومما يشهد للتأنيث قوله تعالى : { ونفضل بعضها على بعض في الأكل } قرأ حمزة والكسائي ( يفضل ) بالياء عطفا على قوله : { يدبر } و { يفضل } ، و { يغشي }والباقون بالنون على تقدير : ونحن نفضل ، و { في الأكل } قولان : حكاهما الواحدي حكي عن الزجاج أن الأكل الثمر الذي يؤكل ، وحكى عن غيره أن الأكل المهيأ للأكل ، وأقول هذا أولى لقوله تعالى في صفة الجنة : { أكلها دائم } وهو عام في جميع المطعومات وابن كثير ونافع يقرآن الأكل ساكنة الكاف في جميع القرآن ، والباقون بضم الكاف ، وهما لغتان .

 
المنتخب في تفسير القرآن الكريم للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية - المنتخب [إخفاء]  
{وَفِي ٱلۡأَرۡضِ قِطَعٞ مُّتَجَٰوِرَٰتٞ وَجَنَّـٰتٞ مِّنۡ أَعۡنَٰبٖ وَزَرۡعٞ وَنَخِيلٞ صِنۡوَانٞ وَغَيۡرُ صِنۡوَانٖ يُسۡقَىٰ بِمَآءٖ وَٰحِدٖ وَنُفَضِّلُ بَعۡضَهَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فِي ٱلۡأُكُلِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ} (4)

4- وإن الأرض ذاتها فيها عجائب ، فيها قطع من الأرض يجاور بعضها بعضا ، وهي مختلفة التربة مع ذلك ، بعضها قاحل ، وبعضها خصب ، وإن اتحدت التربة ، ففيها حدائق مملوءة بكروم العنب ، وفيها زرع يحصد ، ونخيل مثمر ، وهي مجتمعة ومتفرقة ، ومع أنها تسقى بماء واحد يختلف طعمها ، وإن في هذه العجائب لدلائل واضحة علي قدرة الله لمن له عقل يفكر به{[102]} .


[102]:تشير الآية الكريمة إلي علوم الأرضي والبيئة وأثرها علي صفات النبات، فمن المعروف علميا أن التربة الزراعية تتكون من حبيبات معدنية مختلفة المصدر والحجم والترتيب، ومن الماء ومصدره المطر، ومن الهواء، ومن المادة العضوية التي يرجع وجودها إلي بقايا النبات والأحياء الأخرى التي توجد علي سطح التربة أو في داخلها، وفضلا عن ذلك فتوجد ملايين الكائنات الحية الدقيقة لا ترى بالعين المجردة لصغر حجمها، وتختلف أعدادها من عشرات الملايين إلي مئاتها في كل جرام من التربة السطحية الزراعية. إن النظرة الشاملة لصفات التربة الطبيعية والكيماوية والحيوية إن دلت علي شيء فإنما تدل علي قدرة الخالق، وروعة الخلق. فالأرض كما يقول الزارعون بحق تختلف من شبر إلي شبر. ومعروف للعلماء أن أي نقص في أحد المواد الأساسية لتغذية يتبعه تغيير مميز تظهر أعراضه علي النبات، ولذلك يعمد الزارعون إلي تعويض النقص بالتسميد الملائم، وعوامل البيئة أكثر من أن تحصى ولها أثر ملحوظ علي الثمر والإثمار سواء كان النبات متحد الأصل أو مختلفه فسبحان من بيده ملكوت كل شيء وهو علي كل شيء قدير.
 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَفِي ٱلۡأَرۡضِ قِطَعٞ مُّتَجَٰوِرَٰتٞ وَجَنَّـٰتٞ مِّنۡ أَعۡنَٰبٖ وَزَرۡعٞ وَنَخِيلٞ صِنۡوَانٞ وَغَيۡرُ صِنۡوَانٖ يُسۡقَىٰ بِمَآءٖ وَٰحِدٖ وَنُفَضِّلُ بَعۡضَهَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فِي ٱلۡأُكُلِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ} (4)

المفردات :

وفي الأرض قطع متجاورات : أراضي يجاور بعضها بعضا مع اختلاف طبيعة كل قطعة ولونها فهذه طيبة ، وهذه سبخة مالحة ، وهذه تربة حمراء ، وهذه بيضاء ، وهذه صفراء ، وهذه سوداء ، وهذه محجرة ، وهذه سهلة ، وهذه سميكة وهذه رقيقة .

صنوان وغير صنوان : من النبات ما له أصول مجتمعة في منبت واحد كالرمان والتين وهو الصنوان أي : ما له عودان أو أكثر في أصل واحد ، وغير صنوان ما كان على أصل واحد وعود واحد ، وواحد الصنوان : صنو وفي الصحيح( عم الرجل صنو أبيه ) .

يسقى بماء واحد : من السماء ، ومن شرب واحد .

ونفضل بعضها على بعض في الأكل : فمنها حلو ومنها حامض ومر ، وقيل : هو مثل في بني آدم ، أبوهم واحد ومنهم الصالح والخبيث .

التفسير :

{ وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد . . } والتربة واحدة ولكن الثمار مختلفات الطعوم .

{ ونفضل بعضها على بعض في الأكل } . أي : هذا الاختلاف في أجناس الثمرات والزر وع في أشكالها وألوانها وطعومها وروائحها وأوراقها وأزهارها ؛ فهذا في غاية الحلاوة ، وهذا في غاية الحموضة ، وذا في غاية المرارة ، وذا عفص ، وهذا عذب ، وهذا أصفر وهذا أحمر ، وهذا أبيض وكذلك الزهور مع أنها كلها تسقى من طبيعة واحدة وهو الماء ، مع هذا الاختلاف الكثير الذي لا ينحصر ولا ينضبط ؛ ففي ذلك آيات لمن كان واعيا { إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون } .

إن القرآن بمثل هذه اللفتة يبقى جديدا أبدا ؛ لأنه يجدد أحاسيس البشر بالمناظر والمشاهد في الكون النفس وهي لا تنفد ولا يستقصيها إنسان في عمره المحدود ولا تستقصيها البشرية في أجلها الموعود .

قال في الميزان :

ومعنى الآية : أن من الدليل على أن هذا النظام الجاري قام بتدبير مدبر وراءه ، يخضع له الأشياء بطبائعها ، ويجريها على ما يشاء وكيف يشاء ؛ أن في الأرض قطعا متجاورات متقاربة بعضها من بعض متشابهة في طبع ترابها وفيها جنات من أعناب ، والعنب من الثمرات التي تختلف اختلافا عظيما في الشكل واللون والطعم والمقدار ، واللطافة والجودة وغير ذلك ، وفيها زرع مختلف في جنسه وصنفه من القمح والشعير وغير ذلك وفيها نخيل صنوان أي : أمثال ثابتة على أصل مشترك فيه . وغير صنوان أي : متفرقة . تسقى الجميع من ماء واحد ، ونفضل بعضها على بعض بما فيه من المزية المطلوبة في شيء من صفاتهiii .