مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَقَالَ مُوسَىٰ رَبِّيٓ أَعۡلَمُ بِمَن جَآءَ بِٱلۡهُدَىٰ مِنۡ عِندِهِۦ وَمَن تَكُونُ لَهُۥ عَٰقِبَةُ ٱلدَّارِۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} (37)

فعند ذلك قال موسى عليه السلام وقد عرف منهم العناد { ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار } فإن من أظهر الحجة ولم يجد من الخصم اعتراضا عليها وإنما لما وجد منه العناد صح أن يقول ربي أعلم بمن معه الهدى والحجة منا جميعا ومن هو على الباطل ويضم إليه طريق الوعيد والتخويف وهو قوله : { ومن تكون له عاقبة الدار } من ثواب على تمسكه بالحق أو من عقاب وعاقبة الدار هي العاقبة المحمودة والدليل عليه قوله تعالى : { أولئك لهم عقبى الدار جنات عدن } وقوله : { وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار } والمراد بالدار الدنيا وعاقبتها وعقباها أن يختم للعبد بالرحمة والرضوان وتلقى الملائكة بالبشرى عند الموت فإن قيل العاقبة المحمودة والمذمومة كلتاهما يصح أن تسمى عاقبة الدار ، لأن الدنيا قد تكون خاتمتها بخير في حق البعض وبشر في حق البعض الآخر ، فلم اختصت خاتمتها بالخير بهذه التسمية دون خاتمتها بالشر ؟ قلنا إنه قد وضع الله سبحانه الدنيا مجازا إلى الآخرة وأمر عباده أن لا يعملوا فيها إلا الخير ليبلغوا خاتمة الخير وعاقبة الصدق ، فمن عمل فيها خلاف ما وضعها الله له فقد حرف ، فإذن عاقبتها الأصلية هي عاقبة الخير ، وأما عاقبة السوء فلا اعتداد بها لأنها من نتائج تحريف الفجار ، ثم إنه عليه السلام أكد ذلك بقوله : { إنه لا يفلح الظالمون } والمراد أنهم لا يظفرون بالفوز والنجاة والمنافع بل يحصلون على ضد ذلك وهذا نهاية في زجرهم عن العناد الذي ظهر منهم .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَقَالَ مُوسَىٰ رَبِّيٓ أَعۡلَمُ بِمَن جَآءَ بِٱلۡهُدَىٰ مِنۡ عِندِهِۦ وَمَن تَكُونُ لَهُۥ عَٰقِبَةُ ٱلدَّارِۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} (37)

ومن تكون له عاقبة الدار : ومن الذي يفوز .

قراءات :

قرأ ابن كثير : { قال موسى } والباقون : { وقال موسى } بالواو . وقرأ حمزة والكسائي : { ومن يكون له عاقبة الدار } بالياء ، والباقون : { ومن تكون } بالتاء .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَقَالَ مُوسَىٰ رَبِّيٓ أَعۡلَمُ بِمَن جَآءَ بِٱلۡهُدَىٰ مِنۡ عِندِهِۦ وَمَن تَكُونُ لَهُۥ عَٰقِبَةُ ٱلدَّارِۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} (37)

{ وَقَالَ موسى رَبّى أَعْلَمُ بِمَن جَاء بالهدى مِنْ عِندِهِ } يريد عليه السلام بالموصول نفسه ، وقرأ ابن كثير { قَالَ } بغير واو لأنه جواب لقولهم : إنه سحر والجواب لا يعطف بواو ولا غيرها ، ووجه العطف في قراءة باقي السبعة أن المراد حكاية القولين ليوازن الناظر المحكي له بينهما فيميز صحيحهما من الفاسد { وَمَن تَكُونُ لَهُ عاقبة الدار } أي العاقبة المحمودة في الدار وهي الدنيا ، وعاقبتها أن يختم للإنسان بها بما يفضي به إلى الجنة بفضل الله تعالى وكرمه ؛ ووجه إرادة العاقبة المحمودة من مطلق العاقبة إنها هي التي دعا الله تعالى إليها عباده ، وركب فيهم عقولاً ترشدهم إليها ومكنهم منها وأزاح عللهم ووفر دواعيهم وحضهم عليها فكأنها لذلك هي المرادة من جميع العباد والغرض من خلقهم ، وهذا ما اختاره ابن المنير موافقاً لما عليه الجماعة ، وحكي أن بعضهم قال له : ما يمنعك أن تقول فهم عاقبة الخير من إضافة العاقبة إلى ذويها باللام كما في هذه الآية ، وقوله تعالى : { وَسَيَعْلَمُ الكفار لِمَنْ عُقْبَى الدار } [ الرعد : 42 ] ، وقوله سبحانه : { والعاقبة لِلْمُتَّقِينَ } [ الأعراف : 128 ] إذ عاقبة الخير هي التي تكون لهم ، وأما عاقبة السوء فعليهم لا لهم فقال له : لقد كان لي في ذلك مقال لولا وروده مثل { أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار } [ الرعد : 25 ] ، ولم يقل وعليهم فاستعمال اللام مكان على دليل على إلغاء الاستدلال باللام على إرادة عاقبة الخير ، وقد يقال : إن اللام ظاهرة في النفع ويكفي ذلك في انفهام كون المرادب العاقبة عاقبة الخير ، ويلتزم في نحو الآية التي أوردها ابن المنير كونها من باب التهكم ، وهذا نظير ما قالوا : إن البشارة في الخير ، و { بشرهم بعذاب أليم } [ آل عمران : 21 ] من باب التهكم .

وقال الطيبي انتصاراً للبعض أيضاً : قلت : الآية غير مانعة عن ذلك فإن قرينة اللعنة والسوء مانعة عن إرادة الخير وإنما أتى بلهم ليؤذن بأنهما حقان ثابتان لهم لازمان إياهم ، ويعضده التقديم المفيد للاختصاص فتدبر وقرأ حمزة ، والكسائي . { يَكُونَ } بالياء التحتية ، لأن المرفوع مجازي التأنيث ومفصول عن رافعه .

{ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون } أي لا يفوزون بمطلوب ولا ينجون عن محذور ، وحاصل كلام موسى عليه السلام ربي أعلم منكم بحال من أهله سبحانه للفلاح الأعظم حيث جعله نبياً وبعثه بالهدى ووعده حسن العقبى ، ولو كان كما تزعمون كاذباً ساحراً مفترياً لما أهله لذلك لأنه غني حكيم لا يرسل الكاذبين ولا ينبئ الساحرين ولا يفلح عنده الظالمون .