ثم قال تعالى : { قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين }
إشارة إلى أن نعيم الآخرة لا ينافي نعمة الدنيا ، بل الصالحون قد يحصل لهم في الدنيا النعم مع القطع بحصول النعيم لهم في العقبى بناء على الوعد ، قطعا لقول من يقول : إذا كانت العاجلة لنا والآجلة لهم فالنقد أولى ، فقال هذا النقد غير مختص بكم فإن كثيرا من الأشقياء مدقعون ، وكثير من الأتقياء ممتعون وفيه مسائل :
المسألة الأولى : ذكر هذا المعنى مرتين : مرة لبيان أن كثرة أموالهم وأولادهم غير دالة على حسن أحوالهم واعتقادهم ، ومرة لبيان أنه غير مختص بهم كأنه قال وجود الترف لا يدل على الشرف ، ثم إن سلمنا أنه كذلك لكن المؤمنين سيحصل لهم ذلك ، فإن الله يملكهم دياركم وأموالكم ، والذي يدل عليه هو أن الله تعالى لم يذكر أولا لمن يشاء من عباده ، بل قال لمن يشاء ، وثانيا قال لمن يشاء من عباده ، والعباد المضافة يراد بها المؤمن ، ثم وعد المؤمن بخلاف ما للكافر ، فإن الكافر دابره مقطوع ، وماله إلى الزوال ، ومآله إلى الوبال . وأما المؤمن فما ينفقه يخلفه الله ، ومخلف الله خير ، فإن ما في يد الإنسان في معرض البوار والتلف وهما لا يتطرقان إلى ما عند الله من الخلف ، ثم أكد ذلك بقوله : { والله خير الرازقين } وخيرية الرازق في أمور أحدها : أن لا يؤخر عن وقت الحاجة والثاني : أن لا ينقص عن قدر الحاجة والثالث : أن لا ينكده بالحساب والرابع : أن لا يكدره بطلب الثواب والله تعالى كذلك .
أما الأول : فلأنه عالم وقادر والثاني : فلأنه غني واسع والثالث : فلأنه كريم ، وقد ذكر ذلك بقوله : { يرزق من يشاء بغير حساب } [ البقرة : 212 ] وما ذكرنا هو المراد ، أي يرزقه حلالا لا يحاسبه عليه والرابع : فلأنه علي كبير والثواب يطلبه الأدنى من الأعلى ، ألا ترى أن هبة الأعلى من الأدنى لا تقتضي ثوابا .
المسألة الثانية : قوله تعالى : { وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه } يحقق معنى قوله عليه الصلاة والسلام : « ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان ، يقول أحدهما اللهم أعط منفقا خلفا ، ويقول الآخر اللهم اعط ممسكا تلفا » وذلك لأن الله تعالى ملك علي وهو غني ملي ، فإذا قال أنفق وعلى بدله فبحكم الوعد يلزمه ، كما إذا قال قائل : ألق متاعك في البحر وعلى ضمانه ، فمن أنفق فقد أتى بما هو شرط حصول البدل فيحصل البدل ، ومن لم ينفق فالزوال لازم للمال ولم يأت بما يستحق عليه من البدل فيفوت من غير خلف وهو التلف ، ثم إن من العجب أن التاجر إذا علم أن مالا من أمواله في معرض الهلاك يبيعه نسيئة ، وإن كان من الفقراء ويقول بأن ذلك أولى من الإمهال إلى الهلاك ، فإن لم يبع حتى يهلك ينسب إلى الخطأ ، ثم إن حصل به كفيل مليء ولا يبيع ينسب إلى قلة العقل ، فإن حصل به رهن وكتب به وثيقة ولا يبيعه ينسب إلى الجنون ، ثم إن كل أحد يفعل هذا ولا يعلم أن ذلك قريب من الجنون ، فإن أموالنا كلها في معرض الزوال المحقق ، والإنفاق على الأهل والولد إقراض ، وقد حصل الضامن الملئ وهو الله العلي وقال تعالى : { وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه } ثم رهن عند كل واحد إما أرضا أو بستانا أو طاحونة أو حماما أو منفعة ، فإن الإنسان لا بد من أن يكون له صنعة أو جهة يحصل له منها مال وكل ذلك ملك الله وفي يد الإنسان بحكم العارية فكأنه مرهون بما تكفل الله من رزقه ليحصل له الوثوق التام ، ومع هذا لا ينفق ويترك ماله ليتلف لا مأجورا ولا مشكورا .
المسألة الثالثة : قوله : { خير الرازقين } ينبئ عن كثرة في الرازقين ولا رازق إلا الله ، فما الجواب عنه ؟ فنقول عنه جوابان أحدهما : أن يقال الله خير الرازقين الذين تظنونهم رازقين وكذلك في قوله تعالى : وهو { أحسن الخالقين } وثانيهما : هو أن الصفات منها ما حصل لله وللعبد حقيقة ، ومنها ما يقال لله بطريق الحقيقة وللعبد بطريق المجاز ، ومنها ما يقال لله بطريق الحقيقة ولا يقال للعبد لا بطريق الحقيقة ولا بطريق المجاز لعدم حصوله للعبد لا حقيقة ولا صورة ، مثال الأول العلم ، فإن الله يعلم أنه واحد والعبد يعلم أنه واحد بطريق الحقيقة ، وكذلك العلم بكون النار حارة ، غاية ما في الباب أن علمه قديم وعلمنا حادث ، مثال الثاني الرازق والخالق ، فإن العبد إذا أعطى غيره شيئا فإن الله هو المعطي ، ولكن لأجل صورة العطاء منه سمي معطيا ، كما يقال للصورة المنقوشة على الحائط فرس وإنسان ، مثال الثالث الأزلي والله وغيرهما ، وقد يقال في أشياء في الإطلاق على العبد حقيقة وعلى الله مجازا كالاستواء والنزول والمعية ويد الله وجنب الله .
ثم يحثّ المؤمنين على الإنفاق وبذل المال واللهُ يخلُفه عليهم ويعوضهم بأكثر منه : { وَهُوَ خَيْرُ الرازقين } .
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «ما من يومٍ يصبح العباد فيه إلا مَلَكان ينزلان ، فيقول أحدهما : اللهمّ أعطِ منِفقاً خَلَفا ، ويقول الآخر اللهم أعطِ ممسِكاً تلفا » .
{ وَمَا أَنفَقْتُمْ مّن شيء } يحتمل أن تكون ما شرطية في موضع نصب بأنفقتم وقوله تعالى : { فَهُوَ يُخْلِفُهُ } جواب الشرط ، ويحتمل أن تكون بمعنى الذي في موضع رفع بالابتداء والجملة بعد خبره ودخلت الفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط ، و { مِن شيء } تبيين على الاحتمالين ، ومعنى { يُخْلِفُهُ } يعطى بدله وما يقوم مقامه عوضاً عنه وذلك إما في الدنيا بالمال كما هو الظاهر أو بالقناعة التي هي كنز لا يفنى كما قيل . وإما في الآخرة بالثواب الذي كل خلف دونه وخصه بعضهم بالآخرة ، أخرج الفريابي . وعبد بن حميد . وابن المنذر . وابن أبي حاتم عن مجاهد قال : إذا كان لأحدكم شيء فليقتصد ولا يتأول هذه الآية { وَمَا أَنفَقْتُمْ مّن شيء فَهُوَ يُخْلِفُهُ } فإن الرزق مقسوم ولعل ما قسم له قليل وهو ينفق نفقة الموسع عليه ، وأخرج من عدا الفريابي من المذكورين عنه أنه قال في الآية : أي ما كان من خلف فهو منه تعالى وربما أنفق الإنسان ماله كله في الخير ولم يخلف حتى يموت ، ومثلها { وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأرض إِلاَّ عَلَى الله رِزْقُهَا } [ هود : 6 ] يقول ما آتاها من رزق فمنه تعالى وربا لم يرزقها حتى تموت ، والأول أظهر لأن الآية في الحث على الإنفاق وأن البسط والقدر إذا كانا من عنده عز وجل فلا ينبغي لمن وسع عليه أن يخاف الضيعة بالاتفاق ولا لمن قدر عليه زيادتها ، وقوله تعالى : { وَهُوَ خَيْرُ الرزقين } تذييل يؤيد ذلك كأنه قيل : فيرزقه من حيث لا يحتسب . وقد أخرج الشيخان عن أبي هريرة قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما اللهم أعط منفقاً خلفاً ويقول الآخر اللهم أعط ممسكاً تلفاً " وأخرج البيهقي في «شعب الإيمان » عن جابر بن عبد الله بن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " كل ما أنفق العبد نفقة فعلى الله تعالى خلفها ضامناً إلا نفقة في بنيان أو معصية "
وأخرج البخاري . وابن مردويه عن أبي هريرة أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال : " قال الله عز وجل أنفق يا ابن آدم أنفق عليك " وأخرج الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول » عنه قال : " قال عليه الصلاة والسلام إن المعونة تنزل من السماء على قدر المؤونة " وفي حديث طويل عن الزبير قال الله تبارك وتعالى : " أنفق أنفق عليك وأوسع أوسع عليك ولا تضيق أضيق عليك ولا تصر فأصر عليك ولا تحزن فاخزن عليك إن باب الرزق مفتوح من فوق سبع سماوات متواصل إلى العرش لا يغلق ليلاً ولا نهاراً ينزل الله تعالى منه الرزق على كل امرئ بقدر نيته وعطيته وصدقته ونفقته فمن أكثر أكثر له ومن أقل أقل له ومن أمسك أمسك عليه يا زبير فكل وأطعم ولا توكي فيوكى عليك ولا تحصى فيحصى عليك ولا تقتر فيقتر عليك ولا تعسر فيعسر عليك "
الحديث ، ومعنى الرازقين الموصلين للزرق والموهبين له فيطلق الرازق حقيقة على الله عز وجل وعلى غيره ويشعر بذلك { فارزقوهم مّنْهُ } نعم لا يقال لغيره سبحانه رازق فلا إشكال في قوله تعالى : { وَهُوَ خَيْرُ الرزقين } ووجه الأخيرية في غاية الظهور ؛ وقيل إطلاق الرازق على غيره تعالى مجاز باعتبار أنه واسطة في إيصال رزقه تعالى فهو رازق صور فاستشكل أمر التفضيل بأنه لا بد من مشاركة المفضل للمفضل عليه في أصل الفعل حقيقة لا صورة .
/ وأجاب الآمدي بأن المعنى خير من تسمى بهذا الاسم وأطلق عليه حقيقة أو مجازاً وهو ضرب من عموم المجاز .