قوله تعالى : { ولمن خاف مقام ربه جنتان ، فبأي آلاء ربكما تكذبان } وفيه لطائف : ( الأولى ) التعريف في عذاب جهنم قال : { هذه جهنم } والتنكير في الثواب بالجنة إشارة إلى أن كثرة المراتب التي لا تحد ونعمه التي لا تعد ، وليعلم أن آخر العذاب جهنم وأول مراتب الثواب الجنة ثم بعدها مراتب وزيادات ( الثانية ) قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى : { فذكر بالقرآن من يخاف وعيد } أن الخوف خشية سببها ذل الخاشي ، والخشية خوف سببه عظمة المخشى ، قال تعالى : { إنما يخشى الله من عباده العلماء } لأنهم عرفوا عظمة الله فخافوه لا لذل منهم ، بل لعظمة جانب الله ، وكذلك قوله : { من خشية ربهم مشفقون } وقال تعالى : { لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله } أي لو كان المنزل عليه العالم بالمنزل كالجبل العظيم في القوة والارتفاع لتصدع من خشية الله لعظمته ، وكذلك قوله تعالى : { وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه } وإنما قلنا : إن الخشية تدل على ما ذكرنا لأن الشيخ للسيد والرجل الكبير يدل على حصول معنى العظمة في خ ش ي ، وقال تعالى في الخوف : { ولا تخف سنعيدها } لما كان الخوف يضعف في موسى ، وقال : { لا تخف ولا تحزن } وقال : { فأخاف أن يقتلون } وقال إني : { خفت الموالى من ورائي } ويدل عليه تقاليب خ و ف فإن قولك خفي قريب منه ، والخافي فيه ضعف والأخيف يدل عليه أيضا ، وإذا علم هذا فالله تعالى مخوف ومخشي ، والعبد من الله خائف وخاش ، لأنه إذا نظر إلى نفسه رآها في غاية الضعف فهو خائف ، وإذا نظر إلى حضرة الله رآها في غاية العظمة فهو خاش ، لكن درجة الخاشي فوق درجة الخائف ، فلهذا قال : { إنما يخشى الله من عباده العلماء } جعله منحصرا فيهم لأنهم وإن فرضوا أنفسهم على غير ما هم عليه ، وقدروا أن الله رفع عنهم جميع ما هم فيه من الحوائج لا يتركون خشيته ، بل تزداد خشيتهم ، وإما الذي يخافه من حيث إنه يفقره أو يسلب جاهه ، فربما يقل خوفه إذا أمن ذلك ، فلذلك قال تعالى : { ولمن خاف مقام ربه جنتان } وإذا كان هذا للخائف فما ظنك بالخاشي ؟ ( الثالثة ) لما ذكر الخوف ذكر المقام ، وعند الخشية ذكر اسمه الكريم فقال : { إنما يخشى الله } وقال : { لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله } وقال عليه السلام : « خشية الله رأس كل حكمة » لأنه يعرف ربه بالعظمة فيخشاه . وفي مقام ربه قولان : ( أحدهما ) مقام ربه أي المقام الذي يقوم هو فيه بين يدي ربه ، وهو مقام عبادته كما يقال : هذا معبد الله وهذا معبد الباري أي المقام الذي يعبد الله العبد فيه ( والثاني ) مقام ربه الموضع الذي فيه الله قائم على عباده من قوله تعالى : { أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت } أي حافظ ومطلع أخذا من القائم على الشيء حقيقة الحافظ له فلا يغيب عنه ، وقيل : مقام مقحم يقال : فلان يخاف جانب فلان أي يخاف فلانا وعلى هذا الوجه يظهر الفرق غاية الظهور بين الخائف والخاشي ، لأن الخائف خاف مقام ربه بين يدي الله فالخاشي لو قيل له : افعل ما تريد فإنك لا تحاسب ولا تسأل عما تفعل لما كان يمكنه أن يأتي بغير التعظيم والخائف ربما كان يقدم على ملاذ نفسه لو رفع عنه القلم وكيف لا ، ويقال : خاصة الله من خشية الله في شغل شاغل عن الأكل والشرب واقفون بين يدي الله سابحون في مطالعة جماله غائصون في بحار جلاله ، وعلى الوجه الثاني قرب الخائف من الخاشي وبينهما فرق ( الرابعة ) في قوله : { جنتان } وهذه اللطيفة نبينها بعدما نذكر ما قيل في التثنية ، قال بعضهم : المراد جنة واحدة كما قيل في قوله : { ألقيا في جهنم } وتمسك بقول القائل :
ومهمهين سرت مرتين *** قطعته بالسهم لا السهمين
فقال : أراد مهمها واحدا بدليل توحيد الضمير في قطعته وهو باطل ، لأن قوله بالسهم يدل على أن المراد مهمهان ، وذلك لأنه لو كان مهمها واحدا لما كانوا في قطعته يقصدون جدلا ، بل يقصدون التعجب وهو إرادته قطع مهمهين بأهبة واحدة وسهم واحد وهو من العزم القوي ، وأما الضمير فهو عائد إلى مفهوم تقديره قطعت كليهما وهو لفظ مقصور معناه التثنية ولفظه للواحد ، يقال : كلاهما معلوم ومجهول ، قال تعالى : { كلتا الجنتين آتت أكلها } فوحد اللفظ ولا حاجة هاهنا إلى التعسف ، ولا مانع من أن يعطي الله جنتين وجنانا عديدة ، وكيف وقد قال بعد { ذواتا أفنان } وقال : فيهما . والثاني وهو الصحيح أنهما جنتان وفيه وجوه ( أحدها ) أنهما جنة للجن وجنة للإنس لأن المراد هذان النوعان ( وثانيهما ) جنة لفعل الطاعات ، وجنة لترك المعاصي لأن التكليف بهذين النوعين ( وثالثها ) جنة هي جزاء وجنة أخرى زيادة على الجزاء ، ويحتمل أن يقال : جنتان جنة جسمية والأخرى روحية فالجسمية في نعيم والروحية في روح فكان كما قال تعالى : { فروح وريحان وجنة نعيم } وذلك لأن الخائف من المقربين والمقرب في روح وريحان وجنة نعيم ( وأما اللطيفة ) فنقول : لما قال تعالى في حق المجرم إنه يطوف بين نار وبين حميم آن ، وهما نوعان ذكر لغيره وهو الخائف جنتين في مقابلة ما ذكر في حق المجرم ، لكنه ذكر هناك أنهم يطوفون فيفارقون عذابا ويقعون في الآخر ، ولم يقل : هاهنا يطوفون بين الجنتين بل جعلهم الله تعالى ملوكا وهم فيها يطاف عليهم ولا يطاف بهم احتراما لهم وإكراما في حقهم ، وقد ذكرنا في قوله تعالى : { مثل الجنة التي وعد المتقون } وقوله : { إن المتقين في جنات } أنه تعالى ذكر الجنة والجنات ، فهي لاتصال أشجارها ومساكنها وعدم وقوع الفاصل بينهما كمهامه وقفار صارت كجنة واحدة ، ولسعتها وتنوع أشجارها وكثرة مساكنها كأنها جنات ، ولاشتمالها على ما تلتذ به الروح والجسم كأنها جنتان ، فالكل عائد إلى صفة مدح .
بعد أن بيّن مقام المجرمين ، وما يشاهدونه من أهوال ، وما ينالهم من عذاب ، وذكَر أن مقامهم النار وبئس القرار ، ذكر هنا مقام المؤمنين الذين يخافون ربهم ، ويطيعونه فيما أمرهم ، وفصّل تفصيلا جميلاً في ذلك النعيم الرباني ، جزاءً من العليّ الكريم .
ولمن خافَ مقام ربه ، وأطاعه وأخلص في إيمانه وعبادته جنتان . ومعنى هذا أن في الجنة مقاماتٍ ومنازلَ للمؤمنين حسب ما قدّموه من أعمال صالحة ، لأنه سيأتي أيضا قوله تعالى : { وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ } فهناك أيضا جنّتان أُخريان .
{ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ } الخ شروع في تعديد الآلاء التي تفاض في الآخرة ، و { مَّقَامِ } مصدر ميمي بمعنى القيام مضاف إلى الفاعل أي { وَلِمَنْ خَافَ } قيام ربه وكونه مهيمناً عليه مراقباً له حافظاً لأحواله ، فالقيام هنا مثله في قوله تعالى : { أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ على كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } [ الرعد : 33 ] وهذا مروى عن مجاهد . وقتادة ، أو هو اسم مكان ، والمراد به مكان وقوف الخلق في يوم القيامة للحساب ، والإضافة إليه تعالى لامية اختصاصية لأن الملك له عز وجل وحده فيه بحسب نفس الأمر ، والظاهر والخلق قائمون له كما قال سبحانه : { يَقُومُ الناس لِرَبّ العالمين } [ المطففين : 6 ] منتظرون ما يحل عليهم من قبله جل شأنه ، وزعم بعضهم أن الإضافة على هذا الوجه لأدنى ملابسة وليس بشيء ، وقيل : المعنى { وَلِمَنْ خَافَ } مقامه عند ربه على أن المقام مصدر أو اسم مكان وهو للخائف نفسه ، وإضافته للرب لأنه عنده تعالى فهي مثلها في قولهم : شاة رقود الحلب ، وهي بمعنى عند عند الكوفيين أي رقود عند الحلب ، وبمعنى اللام عند الجمهور كما صرح به شراح التسهيل وليست لأدنى ملابسة كما زعم أيضاً ، ثم إن المراد بالعندية هنا مما لا يخفى ، وجوّز أن يكون مقحماً على سبيل الكناية ، فالمراد ولمن خاف ربه لكن بطريق برهاني بليغ ، ومثله قول الشماخ
: ذعرت به القطا ونفيت عنه *** ( مقام الذئب ) كالرجل اللعين
وهو الأظهر على ما ذكره صاحب الكشف ، والظاهر أن المراد ولكل فرد فرد من الخائفين :
{ جَنَّتَانِ } فقيل : إحداهما منزله ومحل زيارة أحبابه له ، والأخرى منزل أزواجه وخدمه ، وإليه ذهب الجبائي ، وقيل : بستانان بستان داخل قصره وبستان خارجه ، وقيل : منزلان ينتقل من أحدهما إلى الآخر لتتوفر دواعي لذته وتظهر ثمار كرامته ، وأين هذا ممن يطوف بين النار ، وبين حميم آن ؟ ؟ .
وجوز أن يقال : جنة لعقيدته وجنة لعمله ، أو جنة لفعل الطاعات وجنة لترك المعاصي ، أو جنة يثاب بها وأخرى يتفضل بها عليه ، أو إحداهما روحانية والأخرى جسمانية ، ولا يخفى أن الصفات الآتية ظاهرة في الجسمانية .
وقال مقاتل : جنة عدن وجنة نعيم ، وقيل : المراد لكل خائفين منكما جنتان جنة للخائف الإنسي وجنة للخائف الجني ، فإن الخطاب للفريقين ، وهذا عندي خلاف الظاهر ، وفي الآثار ما يبعده ، فقد أخرج البيهقي في شعب الإيمان عن الحسن أنه كان شاب على عهد رضي الله تعالى عنه ملازم للمسجد والعبادة فعشقته جارية فأتته في خلوة فكلمته فحدثته نفسه بذلك فشهق شهقة فغشى عليه فجاء عم له فحمله إلى بيته فلما أفاق قال : يا عم انطلق إلى عمر فاقرئه مني السلام وقل له ما جزاء من خاف مقام ربه ؟ فانطلق فأخبر عمر وقد شهق الفتى شهقة أخرى فمات فوقف عليه عمر رضي الله تعالى عنه فقال : لك جنتان لك جنتان .
والخوف في الأصل توقع مكروه عند أمارة مظنونة أو معلومة ويضاده الأمن قال الراغب : والخوف من الله تعالى لا يراد به ما يخطر بالبال من الرعب كاستشعار الخوف من الأسد بل إنما يراد به الكف عن المعاصي وتحري الطاعات ، ولذلك قيل : لا يعد خائفاً من لم يكن للذنوب تاركاً ، ويؤيد هذا تفسير ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الخائف هنا كما أخرج ابن جرير عنه بمن ركب طاعة الله تعالى وترك معصيته .
وقول مجاهد : هو الرجل يريد الذنب فيذكر الله تعالى فيدع الذنب ، والذي يظهر أن ذلك تفسير باللازم ، وقد يقال : إن ارتكاب الذنب قد يجامع الخوف من الله تعالى وذلك كما إذا غلبته نفسه ففعله خائفاً من عقابه تعالى عليه ، وأيد ذلك بما أخرجه أحمد . والنسائي . والطبراني . والحكيم الترمذي في نوادر الأصول . وابن أبي شيبة . وجماعة عن أبي الدرداء «أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية { وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ } فقلت : وإن زنى وإن سرق يا رسول الله ؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام : الثانية { وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ } فقلت : وإن زني وإن سرق ؟ فقال الثالثة : { وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ } فقلت : وإن زنى وإن سرق ؟ قال : نعم وإنْ رغم أنف أبي الدرداء » وأخرج الطبراني . وابن مردويه من طريق الجريري عن أخيه قال : سمعت محمد بن سعد يقرأ ولمن خاف مقام ربه جنتان وإن زنى وإن سرق فقلت : ليس فيه وإن زنى وإن سرق فقال : سمعت أبا الدرداء رضي الله تعالى عنه يقرؤها كذلك فأنا أقرؤها كذلك حتى أموت ، وصرح بعضهم أن المراد بالخوف في الآية أشده فتأمل . وجاء من شأن هاتين الجنتين من حديث عياض بن غنم مرفوعاً «إن عرض كل واحدة منهما مسيرة مائة عام » والآية على ما روي عن ابن الزبير . وابن شوذب نزلت في أبي بكر .
وأخرج ابن أبي حاتم . وأبو الشيخ في العظمة عن عطاء أن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه ذكر ذات يوم وفكر في القيامة . والموازين . والجنة . والنار . وصفوف الملائكة . وطي السموات . ونسف الجبال وتكوير الشمس . وانتثار الكواكب فقال : وددت أني كنت خضراً من هذه الخضر تأتي على بهيمة فتأكلني وأني لم أخلق فنزلت : { وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ } .