مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِيكُمۡ نَارٗا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُ عَلَيۡهَا مَلَـٰٓئِكَةٌ غِلَاظٞ شِدَادٞ لَّا يَعۡصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ} (6)

ثم قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون } { قوا أنفسكم } أي بالانتهاء عما نهاكم الله تعالى عنه ، وقال مقاتل : أن يؤدب المسلم نفسه وأهله ، فيأمرهم بالخير وينهاهم عن الشر ، وقال في الكشاف : { قوا أنفسكم } بترك المعاصي وفعل الطاعات ، { وأهليكم } بأن تؤاخذوهم بما تؤاخذون به أنفسكم ، وقيل : { قوا أنفسكم } مما تدعو إليه أنفسكم إذ الأنفس تأمرهم بالشر وقرئ { وأهلوكم } عطفا على واو { قوا } وحسن العطف للفاصل ، و { نارا } نوعا من النار لا يتقد إلا بالناس والحجارة ، وعن ابن عباس هي حجارة الكبريت ، لأنها أشد الأشياء حرا إذا أوقد عليها ، وقرئ { وقودها } بالضم ، وقوله : { عليها ملائكة } يعني الزبانية تسعة عشر وأعوانهم { شداد غلاظ } في أجرامهم غلظة وشدة أي جفاء وقوة ، أو في أفعالهم جفاء وخشونة ، ولا يبعد أن يكونوا بهذه الصفات في خلقهم ، أو في أفعالهم بأن يكونوا أشداء على أعداء الله ، رحماء على أولياء الله كما قال تعالى : { أشداء على الكفار رحماء بينهم } وقوله تعالى : { ويفعلون ما يؤمرون } يدل على اشتدادهم لمكان الأمر ، لا تأخذهم رأفة في تنفيذ أوامر الله تعالى والانتقام من أعدائه ، وفيه إشارة إلى أن الملائكة مكلفون في الآخرة بما أمرهم الله تعالى به وبما ينهاهم عنه والعصيان منهم مخالفة للأمر والنهي .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِيكُمۡ نَارٗا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُ عَلَيۡهَا مَلَـٰٓئِكَةٌ غِلَاظٞ شِدَادٞ لَّا يَعۡصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ} (6)

قُوا أنفسكم : احفظوها ، و اجعلوا لها وقاية من النار بترك المعاصي .

الوقود : حطب النار وكل ما توقد به .

الحجارة : الأصنام التي تعبد من دون الله .

غلاظ : شديدون لا يرحمون .

بعد أن عالجت الآياتُ السابقة ما يجري في بيوت النبيّ صلى الله عليه وسلم ، وعاتَبَ الله تعالى الرسولَ الكريم على تحريمه بعضَ ما أحلّ الله له ، كما شدّد على نسائه أن يلتزمن الطاعةَ والتوبة والإخلاصَ للرسول الكريم ، بيّن هنا للمؤمنين عامةً أن يحفظوا أنفسَهم وأهلِيهم من النار بالتزامِ طاعةِ الله ورسوله ، تلك النار التي سيكون وقودُها يومَ القيامة العصاةَ من الناس والحجارةَ التي كانت تُعبَد من دونِ الله كما قال تعالى : { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ } [ الأنبياء : 98 ] ، ويقومُ على أمر هذه النار ملائكةٌ شديدون ، يفعلون

ما يُؤمرون .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِيكُمۡ نَارٗا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُ عَلَيۡهَا مَلَـٰٓئِكَةٌ غِلَاظٞ شِدَادٞ لَّا يَعۡصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ} (6)

{ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً } أي نوعاً من النار { وَقُودُهَا الناس والحجارة } تتقد بهما اتقاد غيرها بالحطب ، ووقاية النفس عن النار بترك المعاصي وفعل الطاعات ، ووقاية الأهل بحملهم على ذلك بالنصح والتأديب ، وروى أن عمر قال حين نزلت : يا رسول الله نقي أنفسنا فكيف لنا بأهلينا ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : " تنهوهن عما نهاكم الله عنه وتأمروهن بما أمركم الله به فيكون ذلك وقاية بينهن وبين النار " .

وأخرج ابن المنذر . والحاكم وصححه . وجماعة عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال في الآية : علموا أنفسكم وأهليكم الخير وأدبوهم ، والمراد بالأهل على ما قيل : ما يشمل الزوجة والولد والعبد والأمة .

واستدل بها على أنه يجب على الرجل تعلم ما يجب من الفرائض وتعليمه لهؤلاء ، وأدخل بعضهم الأولاد في الأنفس لأن الولد بعض من أبيه ، وفي الحديث " رحم الله رجلاً قال : يا أهلاه صلاتكم صيامكم زكاتكم مسكينكم يتيمكم جيرانكم لعل الله يجمعكم معه في الجنة " وقيل : إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة من جهل أهله .

وقرئ وأهلوكم بالواو وهو عطف على الضمير في { قُواْ } وحسن العطف للفصل بالمفعول ، والتقدير عند بعض وليق أهلوكم أنفسهم ولم يرتضه الزمخشري ، وذكر ما حاصله أن الأصل { قُواْ } أنتم وأهلوكم أنفسكم وأنفسهم بأن يقي ويحفظ كل منكم ومنهم نفسه عما يوبقها ، فقدم أنفسكم ، وجعل الضمير المضاف إليه الأنفس مشتملاً على الأهلين تغليباً فشملهم الخطاب ، وكذا اتعتبر التغليب في { قُواْ } ، وفيه تقليل للحذف وإيثار العطف المفرد الذي هو الأصل والتغليب الذي نكتته الدلالة على الأصالة والتبعية .

وقرأ الحسن . ومجاهد { وَقُودُهَا } بضم الواو أي ذو وقودها ، وتمام الكلام في هذه الآية يعلم مما مر في سورة البقرة { عَلَيْهَا مَلَئِكَةٌ } أي أنهم موكولون يلون أمرها وتعذيب أهلها وهم الزبانية التسعة عشر قيل : وأعوانهم { غِلاَظٌ شِدَادٌ } غلاظ الأقوال شداد الأفعال ، أو غلاظ الخلق شداد الخلق أقوياء على الأفعال الشديدة ، أخرج عبد الله بن أحمد في «زوائد الزهد » عن أبي عمران الجوني قال : بلغنا أن خزنة النار تسعة عشر ما بين منكبي أحدهم مسيرة مائة خريف ليس في قلوبهم رحمة إنما خلقوا للعذاب يضرب الملك منهم الرجل من أهل النار الضربة فيتركه طحناً من لدن قرنه إلى قدمه { لاَّ يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُمْ } صفة أخرى لملائكة و { مَا } في محل النصب على البدل أي لا يعصون ما أمر الله أي أمره تعالى كقوله تعالى : { أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى } [ طه : 93 ] أو على إسقاط الجار أي لا يعصون فيما أمرهم به { وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } أي الذي يأمرهم عز وجل به ، والجملة الأولى لنفي المعاندة والاستكبار عنهم صلوات الله تعالى عليهم فهي كقوله تعالى : { لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ } [ الأنبياء : 19 ] ، والثانية لإثبات الكياسة لهم ونفي الكسل عنهم فهي كقوله تعالى : { وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ } إلى { لاَ يَفْتُرُونَ } [ الأنبياء : 19 ] ، وبعبارة أخرى إن الأولى لبيان القبول باطناً فإن العصيان أصله المنع والإباء ، وعصيان الأمر صفة الباطن بالحقيقة لأن الإتيان بالمأمور إنما يعدّ طاعة إذا كان بقصد الامتثال فإذا نفي العصيان عنهم دل على قبولهم وعدم إبائهم باطناً ، والثانية لأداء المأمور به من غير تثاقل وتوان على ما يشعر به الاستمرار المستفاد من { يَفْعَلُونَ } فلا تكرار ، وفي المحصول { لاَّ يَعْصُونَ } فيما مضى على أن المضارع لحكاية الحال الماضية { وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } في الآتي .

وجوز أن يكون ذلك من باب الطرد والعكس وهو كل كلامين يقرر الأول بمنطوقه مفهوم الثاني وبالعكس مبالغة في أنهم لا تأخذهم رأفة في تنفيذ أو أمر الله عز وجل والغضب له سبحانه .